صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4548 | الأربعاء 18 فبراير 2015م الموافق 18 ربيع الاول 1445هـ

ماذا بعد التدخل العسكري؟

الكاتب: قاسم حسين - Kassim.Hussain@alwasatnews.com

دعوتان في يوم واحد، الأولى أطلقها رئيس أكبر دولة عربية، للعالم للتدخل عسكرياً في ليبيا؛ والثانية وجّهها مجلس التعاون الخليجي إلى مجلس الأمن للتدخل عسكرياً في اليمن تحت البند السابع.

المنطقة تشهد اضطراباً عارماً غير مسبوق، بعد هذا الانفلات الخطير في عددٍ من الأقطار العربية، حيث أصبحت التنظيمات الإرهابية تتمدّد في مناطق جغرافية جديدة، خصوصاً بعد تراجعاتها في سورية والعراق. فهي لم تعد تهدّد باقتحام حدود الدول المجاورة فحسب، بل أخذت تُنشب مخالبها في دولٍ أبعد، في مقدمتها مصر وليبيا ومالي ونيجيريا.

أهل المنطقة مشغولون اليوم بتقاذف تهمة تصنيع «داعش» على بعضهم بعضاً، ومن المؤكد أن بعض هذه الدول احتضنت «داعش» وموّلتها ودرّبتها، وأقامت أكبر جسر جوي لنقل مجنّديها من 90 دولة عربية وإسلامية وأجنبية، وكانت الرغبة باستخدام هذه الكتلة البشرية ضد بلدين: سورية والعراق. ومن المؤكّد أنه لم يكن بالحسبان أن تنقلب «داعش» على أربابها، فتهدّد بغزوهم واحتلال أراضيهم وتتوعّدهم بالقتل الأحمر. ومع الفزع الأكبر الذي أثارته، تم توجيه دعوتين للمجتمع الدولي في يوم واحد، للتدخل العسكري في بلدين عربيين.

في الخليج، صرّح البعض أننا شاركنا في إسقاط نظام القذافي، وتركنا ليبيا تغرق في اقتتال قبلي ومناطقي. وبعضنا يدعم «الأخوان المسلمين»، وبعضنا يدعم أعداءهم نكايةً بالأخوان، حتى انقسم البلد إلى حكومتين وبرلمانين متنازعين. ولم تتحرّك أكبر دولة عربية إلا بعد أن أقدم «داعش» على ذبح 21 مواطناً مصرياً من العمال المهاجرين الفقراء، بهذه الصورة البربرية المروّعة.

وحتى حين تحرّكت مصر، كان تحركها استعراضياً من أجل امتصاص النقمة الشعبية، تماماً كما حصل في حادثة الانتقام من قتلة الطيار الأردني الكساسبة. وهو ما ينم عن مأزق كبير، كشف عجز الأنظمة التي تفننت في قمع شعوبها، عن مواجهة هذه الحركات التكفيرية الخطيرة.

لنا في التاريخ القريب، الكثير من تجارب استدعاء التدخلات الأجنبية، والتي كانت وبالاً على شعوب المنطقة. فالأجنبي لا يتدخل من أجل عيون هذه الشعوب أو الحكومات، وإنّما من أجل مصالحه الخاصة والخالصة، وهو ما لا نريد أن نفهمه بعد.

السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا: ماذا بعد استدعاء التدخل الأجنبي مجدّداً في ليبيا؟ وماذا حصل بعد استدعاء التدخل الأجنبي في سورية؟ بل وماذا سيجني العراق وهو يتوسّل عودة الأميركي للتدخل من جديد في أراضيه؟ وماذا سيحصل في اليوم التالي لو وافق مجلس الأمن على رغبتنا العارمة بالتدخل في اليمن تحت البند السابع؟

في ليبيا انفجر الوضع بعد إسقاط القذافي مع وجود 39 قبيلة، فماذا سيحصل في اليمن مع وجود أكثر من 200 قبيلة؟ وإذا كانت الحياة قد استمرت في ليبيا بفضل استمرار بيع النفط وما بقي من مال، فماذا سيحصل في اليمن الذي لا يملك مالاً ولا نفطاً، إذا فرض عليه أشقاؤه العرب الحصار؟ وهل ينبغي أن نعاقب الشعب اليمني كله من أجل عقاب مجموعة سكانية منه، كما فعلنا في حصار الشعب العراقي البالغ 30 مليوناً وتجويعه 12 عاماً من أجل معاقبة نظام صدام؟ وهل حصار اليمن وتجويعه هو الحل؟

ثم ماذا بعد اليوم التالي من إعلان الحرب على اليمن؟ هل سترسل الجامعة العربية قواتها لغزو اليمن البالغ تعداده 30 مليون نسمة؟ وإذا تم تدمير ما بقي من الدولة هناك، فهل سنتحمل تبعات ذلك على الإقليم كله كما حدث بعد تدمير العراق؟ وهل أخذنا في حساباتنا ماذا سنفعل حين تنتشر المجاعة في اليمن كما تبشرنا التقارير الدولية؟ هل سنفتح حدودنا لاستقبال اللاجئين الجدد، اليمنيين، الجياع، وهم بالملايين هذه المرة؟ بل وهل ستتمكن دولنا من ضبط الحدود؟

الأمم الحيّة تأخذ العبرة من الدرس الأول، أما فنحن فنحتاج إلى ألف درس!


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/963120.html