صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4562 | الأربعاء 04 مارس 2015م الموافق 10 ربيع الاول 1444هـ

نفى بحثه عن الأضواء وقال إن «يده في النار ونصف»

فخرو لـ «الوسط»: أهداف المعارضة في السنوات الأربع لم تتحقق... والمراجعة خيار الواقعيين

رغم ظهوره المتكرر عبر الصحافة مؤخراً، إلا أن جعبة المفكر البحريني علي فخرو لا تزال حبلى بالكثير من الآراء والأفكار المثيرة للجدل في بعض تفاصيلها، ولذلك كله، التقته «الوسط» مجدداً.

وفخرو الذي أطل عبر ندوة لجمعية التجمع القومي، أقيمت قبل أيام، استمر في فتح الملفات المأزومة، محاولاً في الوقت ذاته الرد على أسئلة الجمهور البحريني وقراء «الوسط» بشأن دعوته للدخول في البرلمان، عبر قوله إن «يده في النار تماماً كما هي أيدي الناس»، ونفيه البحث عن المنصب والوجاهة والأضواء، مرجعاً أسباب تحمله عبء ذلك إلى «ضميره ومقدار ما يمتلك من حساسية تجاه قضايا الناس والمجتمع».

واستثمر فخرو اللقاء المنعقد بمكتبه في السنابس، ليعبر عن نفسه الطويل، ومطالبته القوى السياسية كافة بفتح نقاش سياسي ومراجعة أدائها خلال السنوات الأربع الفائتة، في ظل عدم تحقق الأهداف التي رفعتها المعارضة، مشدداً في هذا الصدد على حاجة البحرين للتسامح الإسلامي المحمدي، وظهور خطاب سياسي مختلف.

تفاصيل اللقاء في السطور التالية:

يبدو علي فخرو، كحامل راية الدعوة للمشاركة في البرلمان، وهو في ذلك يثير كثيراً من الجدل، فما الذي تبتغيه من وراء ذلك؟

- أود أن أبين أن ما قلته في ندوة جمعية التجمع القومي قبل أيام، اشتمل على عنوانين، الأول أنه ومن الضروري وبدءاً من الآن أن تقوم الجمعيات السياسية وأنا هنا لا أعني الجمعيات الخمس، بل جميع الجمعيات السياسية في البحرين، أن تجري تفكيراً منذ الآن فيما إذا تريد النزول في انتخابات 2018، أم لا.

والسبب في التأكيد على أهمية ذلك، يكمن في أن هذه القوى أو الجمعيات، في حال قررت النزول للانتخابات، فإنها ستحتاج قبل ذلك لإقناع من يعترضون على النزول في الانتخابات بمطلقها، وإذا قررت المقاطعة فتحتاج أن تشتغل ليل نهار ولمدة 4 سنوات لإقناع أكبر عدد ممكن من الناس بذلك.

وسواء كان الخيار هنا أم هناك، فإن المهم أن لا ينتظروا حتى قبل أسبوع أو أسبوعين من الانتخابات لإقناع الناس بالتصويت من عدمه، وإنما يحتاجون لمدة أكبر واستعداد مسبق ومبكر، وهكذا يكون العمل السياسي.

أما العنوان الثاني لحديثي، فيكمن في الإفصاح عن موقفي الشخصي حيال خياري المشاركة والمقاطعة، وقد قلت ذلك عدة مرات، فالبرلمان كما أرى ساحة مجتمعية سياسية ليست ملكاً لأحد وإنما للمجتمع، ولا يعني وجود اعتراضات على الانتخابات وقانونها، أن لا تذهب لتلك الساحة وتستعملها، إضافة إلى الساحات الأخرى من أجل أن تجري التغييرات المنشودة على البرلمان نفسه، عبر الحديث وإقناع الآخرين وحتى تسيير مظاهرات من أجل ذلك.

لماذا أقول ذلك؟ لأنني أعتقد أن ترك ساحة البرلمان لكل من هب ودب أن يحتلها، ويستعملها بصورة سلبية وبصورة لا تتضمن طرح قضايا اجتماعية واقتصادية وسياسية أساسية، إلى جانب القضايا المعيشية للناس والتي تحتاج لمن يدافع عنها.

فيما يتعلق بالعنوان الأول لدعوتك، هل نفهم منه أنك تدعو لوجود برنامج سواء كان ذلك في المقاطعة أو المشاركة؟

- دعني أقول لك أن الدعوة تشتمل على ضرورة وجود برنامج حي موجود الآن وليس بعد 4 سنوات، وهذا يقتضي أن تكون لديك قضايا أساسية تطرحها وتدافع عنها.

الحديث حول البرنامج يسلط الضوء على واقع المعارضة في البحرين، فكيف ترى هذا الواقع؟ هل تراها معارضة فاعلة؟

- اعتقد أن المعارضة في البحرين لديها أهداف واضحة، ولديها مطالب واضحة تطرحها بصورة دائمة، إنما الأهداف ليست البرنامج، حيث يعني هذا الأخير موقفك من قضايا تفصيلية، فيما يتعلق بالصحة والتعليم والبطالة والإسكان وبقية المجالات.

الآن، ما الذي يجعلك تدخل في هذا البرنامج؟ الانتخابات. إذا قررت أن تدخل الانتخابات فأنت في حاجة لإقناع الناس ببرنامجك المتكامل، وغياب أية قوة سياسية عن ذلك، يبعدها عن الأشياء الفعلية العملية واليومية للناس، لأنك لن تتطرق إليها ما دمت زاهداً في الحياة السياسية البرلمانية.

في هذا الصدد، أجد من المهم التشديد على ضرورة معايشة الجماعات السياسية للقضايا اليومية، سواء سمت نفسها معارضة أو إصلاحية، والمهم في النهاية أن الحياة السياسية لا تعتمد على الأهداف وحسب إنما تحتاج كذلك للبرامج المتطورة والمستمرة التطوير، وبأشكال مختلفة.

فأنت اليوم تتبنى قضية معلمين، وغداً قضية أطباء، وبعدها قضية مرضى السكلر، وهذه المسالة بالغة الأهمية، بحيث تضيف الجماعات السياسية لمطالبها الكبيرة، مطالب معيشية بما في ذلك القضايا التفصيلية، كأن تذهب للمعلمات وتؤكد مساندة قضيتهم حال وجدت وتتبناها بالكامل.

مثل ذلك، هو ما يجعل الحيوية متواجدة في الحياة السياسية ويضمن عدم وصول الناس لمرحلة الملل، على العكس من إذا كنت تكرر نفس الأهداف ونفس النقاط، فالناس ستمل من دون شك.

بكلامك هذا، أنت تصطف مع من يدعو لضرورة التوقف والمراجعة، فيما يتعلق بالأزمة السياسية في البحرين...

- كل القضية تتلخص في أن الأوان قد حان لوجود مراجعة للحياة السياسية في البحرين، وخاصة بعد 4 سنوات من نفس الأسلوب ونفس المنهج، ولست الوحيد الذي يدعو لذلك، بل إن العديد من الجهات تقوم الآن بذلك.

هل تعتقد أن دعوتك هذه، تلقى آذاناً صماء من قبل المعارضة؟

- طرحت الدعوة في ندوة «القومي» قبل أيام، وللأمانة فقد وجدت تفاعلاً إيجابياً من قبل بعض الشخصيات المحسوبة على قوى المعارضة في البحرين، وأقروا بالحاجة لهذه المراجعة، وحين سألتهم عن السبب وراء عدم تفعيل ذلك جاء الجواب «أنت تعرف الضغوط...»، وهنا نحن أمام إشكالية، فإذا كانت الجماعات السياسية تتحدث عن الديمقراطية، دون أن يسعف ذلك الأقلية فيها لطرح مثل هذه الموضوعات، فنحن أمام سلطوية من صنف آخر.

هل تعتقد أن تجربة المعارضة في السنوات الأربع الفائتة باءت بالفشل، الأمر الذي يعزز من وجاهة مطلب المراجعة الذي ترفعه؟

- الواقع وليس أنا، يقول إن الأهداف التي طرحت لم تتحقق حتى الآن.

لم تتحقق، أم فشلت؟

- لن أقول فشلت، لأن ذلك يعني أن عدم التحقق يطال جميع التفاصيل، ولا يمكن بأي حال من الأحوال الذهاب إلى ذلك، على اعتبار أن الأهداف المطروحة بعضها صحيح، وتحديداً تلك المنادية بالمزيد من الحرية والديمقراطية والعدالة.

لكنك ترى أن المعارضة في حاجة لأن تكون أكثر واقعية؟

- ليست المسألة في الواقعية، وإنما في حاجة كل القوى السياسية لمراجعة أسلوبها بين فترة وأخرى، وشخصياً يهمني الأسلوب بالدرجة الأولى، أما الأهداف فليس من حقي رسم حدود للقوى تقول إن عليها طرح هذا الهدف وعدم طرح ذاك.

إذاً طرحك لا يناقش السقف المطروح للمطالب؟

- أبداً، فهذا حق الآخرين ويجب عدم المساس به.

ولكن ألا تتفق مع من يقول إن السقف المطروح من قبل المعارضة، هو أحد الأسباب الرئيسية للأزمة التي تعيشها البحرين؟

- الحديث في ذلك، يشبه الدخول في عش الأفاعي، وما يمكنني قوله هنا إن الأهداف يجب أن تكون واقعية ومتدرجة.

وهنا، من الجيد استرجاع ما شهده عقد الخمسينيات من القرن الماضي، حين كان حزب البعث العربي في سوريا ممثلاً بنائبين اثنين فقط في البرلمان لكنه ورغم ذلك كان قادراً على أن يقلب الدنيا كل يوم، بشخصين فقط. لأنه كان يتحسس قضايا الناس، يثيرها ويناضل من أجلها، فيوم يسير مظاهرة من أجل الفلاحين ويوم من أجل العاملين في الصناعة ويوم من أجل فلسطين.

وهذا الأمر يوصلنا للإشارة إلى أن القضية ليست في العدد، وليست في سماح الحكومة لي أو عدم سماحها، لا بل ليست في التأثير الآني من عدمه، وإنما بالعمل النضالي على المدى البعيد دون كلل أو ملل.

الدعوة للمراجعة أطلقها آخرون قبل فخرو، من بينهم الناشط الحقوقي نبيل رجب، فهل تتضامن معه في ذلك؟

- لا أريد الدخول في تفاصيل مبادرات الآخرين، ويكفيني القول إن الحياة السياسية التي لا تجدد خطابها ولا تجدد وسائلها ولا تجدد من تتوجه إليهم ولا تجدد حتى قضاياها، تموت.

ولكن في هذا السياق، ولتعذرنا في نقل النقد اللاذع الموجه لما تطرح من قبل عموم الجمهور وبشكل خاص، قراء «الوسط».

ألا يعتقد فخرو أن إطلاق التصريحات هنا من المكتب الفاره، يبدو سهلاً، فيما الواقع مختلف تماماً عن ذلك؟ ألا تبدو منظراً وبعيداً عن هذا الواقع؟

- أنا منظر، أفكر وأحلل، وأدعو إلى أهداف أؤمن بها.

ولكن ألست بعيداً عن الناس وقضاياهم؟

- أنا لست عضواً في حزب أو جمعية سياسية لكي أطالبهم بكذا وكذا... أنا مواطن مهموم بقضايا أمته وعذابات الآخرين.

ولكن الانتقادات تقول إن يد فخرو ليست في النار كما هي أيادي الناس؟

- يدي أنا في النار ونصف، ولو لم تكن في النار لما تكلمت، ولكنت مكتفياً بحياتي حيث أعيش بسعادة وأتلذذ بعشائي اللطيف في كل ليلة وأشاهد التلفاز، مديراً ظهري لكل ما يجري من حولي.

وهنا، على المنتقدين أن يفهموا ضرورة عدم مطالبة الجميع بلعب نفس الدور، فأنا ألعب دوراً يختلف عن الأدوار الأخرى، هناك من يخرج في مظاهرات وشخصياً لا أتواجد فيها، ولا أعتقد أن ذلك يمنع ممارستي لمهام التحليل والمناقشة، وإلا كنا في مصيبة.

بصراحة، أخبرنا بالأغراض الحقيقية لك فيما تطرح؟

- ما أريده أن تنضج الحياة السياسية في البحرين بصورة مستمرة، وأن توجد ثقافة سياسية رصينة في صفوف الشباب ومن أجل المستقبل.

عفواً، ولكنك تعيش في راحة ورفاهية، فما الذي يدفعك للدخول في هذه الدائرة التي لا تخلو من أوجاع؟

- ضميري ومقدار ما أمتلك من حساسية تجاه قضايا الناس والمجتمع. وأقولها لك بصراحة: أنا ما قاله كرامشي «أنا المثقف العضوي الملتزم»، أصنف نفسي بهذا الشكل ولا أخاف من ذلك، بمعنى آخر أنا ملتزم بقضايا أمتي ملتزم بقضايا مجتمعي وبقضايا الإنسان، أنا قلبي ينجرح جرحاً شديداً وأنا أرى كل يوم إنساناً معذباً أو متألماً أو مظلوماً، وأهم مرجعية أرجع لها مرجعية العدالة.

لا أستطيع أن أتحمل عدم العدالة في هذه الدنيا، وقد تكون مأساتي في ذلك.

هنا، ينتقدك آخر بالقول: إنك تطمح لمنصب شبه فخري يعيدك للأضواء ولكن صاحب القرار يراك كما يراك الجمهور المثقف، علي فخرو انتهى واحترق...

- أنا ولكي أكون صريحاً مع الناس، لا أفتش عن منصب ولا عن وجاهة، ولا عن أضواء، وصدقني، لو كنت راغباً في ذلك لكانت من أسهل الأمور، فأنا أذهب عبر الأرض العربية وأتحدث في هذا المنتدى وفي ذاك، وأساهم في هذه المؤسسة أو تلك على مستوى الوطن الكبير، ذلك أن نَفَسي هو قومي وإنساني.

وعلى الناس أن يتوقفوا عن قراءة النوايا، فليس المهم «كيف أشتغل»، بل المهم «هل ما أقوله معقول أو غير معقول؟»، أما الوسائل فإنها تختلف من إنسان لآخر.

وبالمناسبة فإن اهتماماتي ليست محصورة في الشأن البحريني، وليعذرني من يعتقد أن كل عالمه هو البحرين، فأنا رجل قومي هدفي الأرض العربية، أنا مثقف عضوي عربي وليس بحريني، وما يجري في الجزائر يهمني بقدر ما يهمني ما يجري في البحرين، وليس عندي تراجع عن ذلك. أرضي كل العرب وإذا كان كذلك فإن همي أكبر بكثير من أولئك المحصور همهم في البحرين.

الآن أنا أعتقد أن لدي ثقافة سياسية كافية، تؤهلني لطرح أرائي فيما يجري في الأرض العربية، هذه الأرض التي تحترق وتكاد تموت، ألا تحتاج لأصوات تتحدث فيها.

آراؤك هذه، وضعت رجلك في الجانب الحكومي ورجلك الأخرى في الجانب المعارض، كما يقول المنتقدون، فكيف ترد؟

- مرة أخرى، أقول لنترك هذا التصنيف، أما مع الحكومة أو ضدها، وإما مع المعارضة أو ضدها، وإما مع جمعية الأصالة أو ضدها، وإما مع جمعية الوفاق أو ضدها. هذا كلام فارغ، وحرام أن نغرق في ذلك.

وقد كتبت حول ذلك، وتحدثت عن عدم جواز التصنيف القائل «إما أن تكون معي، وإلا فأنت ضدي»، وهي تلخص مسألة الفهم السياسي العربي الضيق الأفق، وقد عانينا الأمرين جراء ذلك في كل الأرض العربية وعبر تاريخها.

وعلاوة على ذلك، فإن الناس مطالبون بأن يدركوا أن حياتك السياسية ممتدة على مدى 60 سنة، والذي فعلته قبل 50 سنة يختلف عن ما يمكنك فعله قبل 40 أو 30 أو 5 سنوات، فالحياة والمواقف وحتى القدرات تتغير، وأنا لا أستطيع اليوم الانضمام لحزب، لكنني لدي مناقشات مع بعض المشتغلين في السياسة والفكر السياسي العربي، بأن ألم يئن الأوان أن يوجد تيار جديد، سياسي نضالي ديمقراطي إنساني، يأخذ بعين الاعتبار الثقافة الإسلامية التي هي ثقافة الشعب العربي ويعمل على مستوى الوطن العربي كله.

وبجانب ذلك، يتوجب على هذا التيار أن يكون تياراً عادلاً، وهذا ما أعنيه في كتاباتي التي في كل مرة أذكر مصطلح الديمقراطية، أقول الديمقراطية السياسية والاقتصادية العادلة.

فالديمقراطية بنسختيها الأميركية والإنجليزية لا تملأ عيني، وأعتقد أن أقرب البلدان للديمقراطية هي السويد والدنمارك والنرويج، وشخصياً لدي أفكار قد لا تعجب الناس، من بينها إيماني بأن الناس يجب أن لا يملكوا أرضاً وعلى الإطلاق، على اعتبار أن الأرض خلقها الله للبشر، والناس يمكن لهم أن يستأجروا، حتى تبقى الأرض للناس، وإذا ما سمحنا للآخرين بتملك كيلومترات من الأراضي هنا وهناك فما الذي سيتبقى لأغلبية الناس الآخرين من الفقراء؟

فامتلاك الأرض كان دائماً مدخلاً للعبودية عبر تاريخ البشرية كلها.

وبشكل عام فقد أن الأوان لأن تأخذ الرأسمالية بعض المبادئ من الاشتراكية لتعديل مسارها، أما الرأسمالية التي طرحها الرئيس الأميركي ريغان ورئيسة وزراء بريطانيا السابقة وطرحتها مدرسة شيكاغو، فهي مدرسة غير إنسانية ومتوحشة.

إذاً أنت تمارس دورك كمفكر، وكمثقف محايد مناضل، فهل تعتقد أن البحرين بحاجة لذلك؟

- لا يهمني إن كانت هنالك حاجة أم لا، فلدي الطاقة والقدرة لتقديم ما في جعبتي من أطروحات وأفكار، ومن يرغب فيها فأهلاً وسهلاً، ومن لا يرغب فيها نقول له أيضاً: أهلاً وسهلاً.

القصد هنا أننا في البحرين بتنا بين خطين رسمي وشعبي، فهل ترى أننا بحاجة لخط ثالث؟

- هل تعتقد أن الصراع في البحرين يختزل في ذلك؟ ألسنا أمام مجتمع منقسم على نفسه؟ فلماذا نبسط الأمور؟ المجتمع البحريني منقسم على نفسه. ولو تذهب للمحرق ستجد 10 و15 توجهاً، وحتى المنامة ستجد أن الجمعيات حتى تلك التي هي فوق الطائفية، في داخلها محاصصة تنفذ على أساس طائفي.

نحن مجتمع مريض، ومثل هذه المجتمعات المريضة تحتاج لجهود كبيرة جداً، والناس يجب أن يدركوا أن أسهل خيار هو أن تترك الساحة، فهل هذا ما يريده الناس؟

هل سيترك علي فخرو الساحة في يوم من الأيام؟

- مستحيل، وكنت قد كتبت في يوم من الأيام مقال قلت فيه إنني أذكر حين كنت تلميذاً في الجامعة، قرأت مقالاً في إحدى المجلات العربية ترجمة لأحد المفكرين البولنديين، وكان يقول: ربي لا تدعني أن أموت في فراشي، ربي دعني أموت في ساحات الحرية، وأنا أؤمن بذلك، والإنسان حتى آخر يوم من حياته يجب أن تكون أخلاقيته ومبادئه، أنه في حال وجد أن هنالك ظلم أو إيذاء أو آلام أو أوجاع في هذه الدنيا، أن يناضل للدفاع عن المظلومين والموجوعين، فالتضامن الإنساني مبدأ أساسي في حياتي.

ولكن هل يكفي القلم في هذه الحالة؟ ألا توجد أدوار أخرى يمكن القيام بها؟

- هذا الذي أستطيعه في الوقت الحاضر. ومع ذلك فإن لدي نشاطات كثيرة عبر الوطن العربي كله تأخذ كل وقتي وجهدي.

نعني هنا الدور المتعلق بالتغيير المجتمعي، فأنت تعتقد أن المجتمع البحريني مجتمع مريض، فلماذا لا تبادر لحمل راية التغيير والعمل على تشكيل التيار السياسي الغير طائفي؟

- لأن هذه الراية تحتاج الآن لعنصر الشباب، بعد أن كافحت الأجيال السابقة.

ولكنك كنت صاحب أدوار على الأرض؟

- جربنا ذلك، من بينه اللقاء الوطني الذي قام في فترة ليحقق شيئاً محدداً، وقلنا في ذلك الوقت إن أفجع الفواجع في البحرين أن جهة تطالب بشيء وجهة أخرى تُضادها، فقلنا سنحاول المستحيل لتجتمع الجهتان لتتفقا على حدود دنيا من المطالب، تقول من خلالها للنظام السياسي في البحرين: هذه هي مطالب الغالبية الساحقة من المجتمع البحريني.

وبعد تجارب متلاحقة، وصلنا لمرحلة الفشل.

إذاً هذا اعتراف ضمني بصعوبة الواقع، فلماذا كنت حاداً في انتقادك للمعارضة؟

- أنا لم أنتقد، وما كنت أود قوله أنني أريد لجمعيات سياسية من قبيل جمعيتي المنبر الإسلامي والأصالة في المحرق أن يكون في عضويتيهما شخصيات شيعية، إن رغبوا في العمل السياسي، أما إذا رغبوا في العمل في الدين فالعضوية تخصهم. والأمر نفسه ينطبق على جمعية الوفاق.

من يعمل في السياسة يجب أن يكون مفتوحاً لجميع المواطنين وليس للمنتمين لمذهب معين أو قبيلة معينة.

هنا، سينطلق القارئ بالسؤال التالي: ألا تبدو كمن لا يجيد قراءة الواقع؟ فهذا الواقع في وادٍ وأطروحاتك في وادٍ آخر، بل إن ما تقوله يشبه الأحلام الوردية التي لن تتحقق.

- في هذه الحالة، فإنكم تريدون أن لا تناقش الحياة السياسية في البحرين، فهل هذا هو المطلوب؟ ألسنا معنيون بالاعتراف بالصعوبات والتحديات والسعي للتغلب عليها؟

ورداً على القول بعدم إجادة قراءة الواقع، سيكفي القول إنني من الناس الأكثر معرفة للواقع ومحدداته، وأن هذه الأخيرة كبيرة وهائلة.

والربيع العربي على سبيل المثال، كتبت عنه نحو 70 مقالاً، ورحبت به أشد الترحيب، أحدثها ما كتبته قبل أيام، مؤكداً قدرة الربيع العربي على التأثير في مستقبل أمتنا العربية.

لنأخذ على سبيل المثال دعوتك للمشاركة في انتخابات 2014. الفئة المنتهكة حقوقها وهي شريحة كبيرة، كانت لديهم قناعة بأنك لا تعايش همومهم.

- على العكس من ذلك، فأنا أتعاطف معهم، ولكن التعاطف مع الحقوق شيء والاختلاف حول الساحات وحول الوسائل شيء آخر. كل يعمل حسب قدراته وقناعاته.

وهنا، من الجيد مخاطبة الشباب، الذين ينفطر قلبي على أوضاعهم ويثيروا إعجابي في الوقت ذاته، والقول لهم بأن العمل السياسي لا يشتمل على الضمانات، والبديل نضال مستمر ليلاً ونهاراً، ولكن النضال أشكال، فيها العبثي وفيها الصالح. تقديم التضحيات بدون أفق سياسي خطأ. هنالك حاجة للتوازن.

ماذا تعني بالضمانات؟

- ليس بوسع أحد أن يضمن لك النجاح من خطوة تقوم بها هنا أو هناك، وفي حال لم تتمكن من تحقيق مبتغاك تتخلى عن ذلك وتتوقف. والناس لو يقرؤون، فسيكتشفون أن الثورات والحركات الكبرى جميعها لم تحقق جميع أهدافها، لكنها ورغم ذلك غيرت الفكر وغيرت الفعل للقوى المسيطرة، وكمثال: لا يمكنني الاقتناع بأن المظاهرات التي خرجت في وول ستريت لم تؤثر في وول ستريت. فالمؤكد أنها أثرت وأوجدت في الحد الأدنى خوفاً بداخل القوى المهيمنة وغيرت تصرفاتها على المدى البعيد.

والناس يتوجب عليهم التعاطي بديناميكية مع العمل السياسي، وهنا أود القول مجدداً إن حديثي لا يختص بالحدود البحرينية، فالعمل السياسي في الوطن العربي هو الآخر في حال مأساوي، ويكفي أن تشاهد الفرق الهائل بين ما جرى في تونس (التي تمتاز بوجود فكر سياسي) وبين ما يجري في مصر، وما هو المبرر للهجمة الإعلامية الشنيعة على الإخوان المسلمين، اختلف معهم لكن لا تُقصِهم بشكل جذري، فذلك ليس من حقك وليس من حق أحدٍ، والحَكَم في النهاية هو الشعب.

إذاً نحن لسنا أمام شخصية بنَفَسٍ قصير وفكر انهزامي؟

- أبداً، نفسي طويل الأمد وينظر لآخر الزمن.

لأن من هو منخرط في حركة الاحتجاجات البحرينية، يرى أن النفس الطويل يعني الصمود والصبر وليس التراجع كما يطرح علي فخرو.

- أبداً، لم أقل كلمة توحي بالتراجع، وحتى حين طالبت القوى السياسية المعارضة بالدخول في البرلمان، كنت أردفها بالتأكيد على أن ذلك لا يعني عدم الخروج في مظاهرات، ففي فرنسا مثلاً، هنالك من هو عضو في البرلمان ويخرج في مظاهرات، لا تناقض بين الاثنين.

وكيف رأيت الشهور الثلاثة الفائتة، الفاصلة بين دعوتك للدخول في انتخابات 2014 وحديثك اليوم؟ هل عززت من قناعاتك في هذا الصدد؟

- جداً، وأعتقد أنني حين أرى النقاشات في البرلمان البحريني، أشعر أنها كانت أفضل بكثير من ما هي عليه لو كانت هنالك قوى تمثل التنظيمات السياسية، لأننا بحاجة لوجود قوى سياسية ممارسة وصاحبة فكر سياسي وليس فقط أفراد مهمومون بالحاجات المعيشية.

برأيك، هل بدأ شعور الندم يراود هذه القوى؟

- لا أعرف، ولن أدخل في تفاصيل ذلك. لكنني أعرف أن هنالك مراجعات داخل هذه القوى والتنظيمات.

وبالمناسبة، فإن إطروحاتي ليست خاصة بالمعارضة فقط، بل للمجتمع كله، والبحرين ليست هي الجمعيات المعارضة وحسب، ولنأخذ هنا على سبيل المثال جمعية الأطباء، ففي كل يوم نسمع عن القضايا الطبية المهمة والحيوية، فلماذا لم نرَ ولو لمرة واحدة خروج هذه الجمعية لمناقشة مثل هذه الموضوعات وإعلان موقفها حيال ذلك، وهنا نحن لا نطالبها بحمل السيف والدخول في معارك دموية. وبالمثل جمعيات المحامين، المهندسين، والاقتصاديين.

لذلك، أجدد هنا القول إن حديثي لا يختص بالجمعيات السياسية بل يمتد ليشمل المجتمع المدني أيضاً، بما في ذلك الجمعيات النسائية التي لا نرى لها هي الأخرى حراكاً بيناً ومؤثراً.

بالعودة للنقد الموجه لأطروحاتك، يقول قارئ: إن كبار المناضلين من قبيل غاندي ومانديلا وغيرهم، لم يعملوا بالأفكار الانهزامية التي يعبر عنها فخرو، فكيف ترد؟

- لا أضع نفسي في قبال هذه الشخصيات والقامات، لكني في الوقت نفسه لا أخفي تأثري بغاندي، الرجل العبقري والذي تمكن من ابتكار وسائل للنضال من أجل أهدافه، ولنتمعن في ردة فعله حيال منع الإنجليز الناس من الذهاب لمنطقة معينة لجمع الملح، فيثير الناس للذهاب هناك، وهو في ذلك يلتقط القضايا المحددة للناس ويدافع عنها.

وعلى غرار ذلك، فإنني أطالب مؤسسات المجتمع المدني بتبني قضايا هذا المجتمع كافة، وعدم الاكتفاء بالأحلام والقضايا الكبيرة. وعلى الدوام هي مطالباتي بأن يكون المجتمع المدني مساوياً للدولة، ويجب أن ينظم نفسه بصورة مستمرة وأن تكون مواقفه قوية تحترمها الدولة، بدلاً من واقعه الحالي الضعيف والذي يضطره للاعتماد المطلق على الدولة حتى في دفع الإيجار الشهري لمقرات مؤسساته، وإذا كانت الدولة العربية ريعية فهل تريد المجتمعات العربية أن تلحقها في ذلك؟

نحن في تخلف تاريخي كبير، ومن يوجه انتقاداته عليه أن يعرف أن الهم الذي هو في ذهن الآلاف المؤلفة منهم علي فخرو، أننا في مرحلة تخلف رهيبة وهذا ما يحرق قلوبنا، وأذكر أننا حين كنا في خمسينيات القرن الماضي، كانت أحلامنا تختلف عن ما جرى بشكل كبير، ونحن مسئولون عن ما جرى، كل من عاش في تلك الفترة مسئول وكل بحجم دوره ومهامه.

هل يمكن الخروج بوصفة واضحة ومحددة المعالم نخرج بها من لقائنا هذا؟

- قبل كل شيء، فإنني أعتقد بأن هذه الوصفة تأتي عبر نقاش مجتمعي مفتوح، يقام على طاولة مستديرة، بعيداً عن الانتماءات الإيديولوجية الضيقة.

من هي الجهة المعنية بتلقف هذه الدعوة؟

-القوى السياسية المنظمة هي المعنية رقم واحد بذلك، وأنا على تواصل دائم معهم وأطالبهم بتجاوز حالة الانغلاق والتقوقع، والقفز إلى آفاق جديدة.

هل سنرى فخرو حاملاً لراية هذه الدعوة، ومنتقلاً بها من خانة القول لخانة الفعل؟

- هنالك الكثيرون القادرون على القيام بذلك، وما يمكن قوله إن التلاقي بين المختلفين يجب أن يكون غير مشروطاً.

وفي كلمة أخص بها الشباب، والذين يبدو مستقبلهم مسدوداً، ويثورون، أقول لهم هنا إن النضال لا يقتصر على العمل الاحتجاجي الذي هو لون من ألوان العمل السياسي، لكنه لا يكفي، والمطلوب الانتقال بين فترة وأخرى من العمل الاحتجاجي للعمل السياسي السلمي المستمر والمنظم الغير احتجاجي، ولذلك طرحت فكرة المشاركة في البرلمان، والتي تأتي في سياق تجديد الحراك والخطاب السياسي، وهذا مثال واحد فقط وليس كل الموضوع. الموضوع هو العمل السياسي بكل تلاوينه وساحاته.

هل تعتقد أن جهدك وجهود الآخرين في هذا السياق، ستثمر؟

- «قل كلمتك وامشِ»، هذا ما يتوجب علينا القيام به دون توقف، تماماً كما يقول ديننا الإسلامي «اعقلها وتوكل»، فالكلام لا يستهدف تغيير الواقع وحسب، بل يمتد لتغيير الفكر وتغيير الناس وتوعيتهم.

وشعب البحرين يستحق منا جميعاً أن نوصله لبر الأمان. واختلاف الرأي يجب أن لا يفسد للود قضية، فالتسامح مع بعضنا هو أسلوب إسلامي محمدي آن الأوان أن نتبناه جميعاً.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/967771.html