صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4566 | الأحد 08 مارس 2015م الموافق 07 رجب 1444هـ

شريعة المحْو دعوة للخروج من دين الله أفواجاً

الكاتب: جعفر الجمري - jaffar.aljamri@alwasatnews.com

إنجاز وجهد إنسانيان. عصارة الفكر والتأمُّل. سهر لا ينقطع. قلق دائم. محاولة فهم والتقاط لا يملاّن. ذلك أبسط ما يسبق إنجاز كتاب قد يستغرق سنوات أو عقوداً. في المقابل، نحن أمام التوحُّش والانحطاط وما قبل الجهل وعقدة الدونية، وتاريخ عريق من الفشل والهامش والعالة؛ بنماذج ممن يأتي ليحرق وينسف عُصارة العقول، وباسم الدِّين - كالعادة - ممن لا عقول ولا بصائر لهم. الدِّين الذي حجَّموه وهمَّشوه واختطفوه وفسَّروه بحسب منافعهم والمقتضيات والحاجات.

تلعن الدنيا إلى اليوم برابرة (المغول) حين اجتاحوا واحدة من أعرق المدن ومناراتها في العالم (بغداد)؛ واتخذوا من كتبها جسوراً لعبور خيولهم النهر، والذين يقومون بالدور اليوم هم امتداد لمن اجتاحهم المغول ممن يدَّعون انتسابهم إلى الدِّين وإلى هذه الأمة، وما يصدر عنهم لن تجده حتى في الاعتقادات الوثنية والبربرية. البربرية أحياناً تُطوِّعها العصور، وتستنفذ جلافتها وقسوتها ودمويتها. الأجلاف والقساة والدمويون في وقتنا يسعون إلى تطويع العصر لاعتناق بربريتهم. هم عبء على الحياة أساساً.

حرْق مكتبات في العراق. هذه المرة تتولاَّه «داعش»، النموذج الأفظع منذ اكتشف الإنسان أن لديه عاطفة وحساً وعقلاً. منذ اكتشف ألمه والألم من حوله. نحن إزاء نماذج لا يمكن للجنس البشري أن يعيش بطمأنينة، ولن يعرف الأدنى من استقرار الإنسان طالما ظلَّت تلك النفايات بلحىً تتحدَّث باسم الله، وتنحر وتعدم حرقاً، وتجلد وتسبي وتسرق وتغتصب باسم جهاد النكاح، وتحطِّم التاريخ وتمحوه باسم الأصنام والشرك، ونفوس الخراب والفوضى والبربرية من منتسبي «داعش» والمتعاطفين معها تكتظ بملايين الأصنام التي آن لهذه المدنية العمل على تحطيمها وإرسالها إلى حيث تستحق.

ما يحدث في العراق لا يُهدِّد تاريخه بتحطيم آثاره. ثمة إبادة يمارسها المغول الجُدُد تحت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، والله ورسوله وحتى الشيطان من منتسبي ما بعد الجنون بُرَاء. ثمة تهديد لتاريخ وحاضر ومستقبل الإنسان على هذا الكوكب.

لم تكن ممارسة المحتل مُستهجنة بسرقة آثار البلدان التي غزاها. بلدان يُذبح فيها الإنسان لن تكون لآثاره وتاريخه وذاكرته أية قيمة. الصيحات والصراخ الهستيري لحظة تحطيم التماثيل في متحف الموصل لا تشير سوى إلى الحرص على غَلَبَة الأصنام داخل نفوس أولئك الوحوش، المنحازين إلى ظلاميَّتهم التي يريدون تعميمها على العالم من حولهم.

حتى المحتل، لم يكن ينظر إلى آثار الدول التي شحنها وصارت جزءاً من مقتنيات متاحفه، على أنها حكر على الأمة والدول المسروقة. كان يرى فيها إرثاً وحقاً وجزءاً من الذاكرة البشرية جميعها، وعلى رغم الخطأ في الإجراء وفظاعته بتلك السرقات؛ إلا أنها ظلَّت في مأمن عند من يُقدّرها، وحين تضع الدول والأمم التي صُودرت آثارها وذاكرتها للإنسان اعتباراً وقيمة، ستجدُّ وتبذل ما تملك في سبيل استعادة ذاكرتها المسروقة.

لم ينتهِ شيء من إرث وتاريخ روما الذي حمله نابليون بونابرت إلى باريس؛ على رغم صلفه وغروره وتقريره: روما لم تعد في روما. هي في باريس. ولم ينته ما سُرق من إرث وآثار مصر فترة احتلال نابليون لها سنة 1798. ذلك الوعي بالمشترك في التاريخ الإنساني هو الذي يُلجم الوحشية النهائية في المحتل؛ أو على الأقل يحدُّ منها.

التاريخ بالنسبة إلى «داعش» يُنبّه الوحش والتوحُّش فيها، وببساطة لأنها من دون تاريخ، وتريد للتاريخ البشري أن يبدأ من ممارستها ودورها الذي سيكون مُؤقتاً مهما توهَّمتْ الخلود.

«داعش» نبْت بيئة كرَّست وعمَّقت الإلغاء. تتخذ منها متكئاً لكل تلك الممارسات والفظاعات. متكئاً في الجَلْد، والعالم من حولها ينتظر دوره لممارسة الشذوذ النفسي والأخلاقي والوجودي وشذوذ اللامعنى عليه.

ليس حرْق المكتبات وحدها طريق «داعش» وأخواتها إلى تجهيل وتغييب الناس عن الأثر الذي يمكن أن تحدثه على مستوى وعيهم ونظرهم إلى الحياة، وأسلوب تعاطيهم مع تلك الحياة. تجاوز الأمر إلى تدمير الذاكرة البشرية من خلال آثارها، وما تحمله تلك الآثار من قيمة كبرى وعظيمة، ونظر وتأمُّل. السعي الحثيث من أجل إثبات أن هذه الأمة بلا ذاكرة. وحين تُلغي «داعش» ذاكرة أمة، فهي تُكرِّس لذاكرتها المريضة والدموية والمتخلِّفة. تريد أن تقول: إن التاريخ يبدأ بها، وسينتهي عندها!

في مواجهة مع شريعة المَحْو والحرْق في هذا العالم. عالم يبني ويبتكر ويبدع ويتخيَّل ويحقق جزءاً مما تخيّله ويتخيَّله، ليأتي متخلِّفون ودمويون وعالة على الأنواع والأجناس جميعها؛ لا الجنس البشري وحده، ليعيدوا هذه المدنية، والإنجاز البشري إلى ما قبل عصر اكتشاف النار وما قبل عصر الكهوف، وما قبل عصور الظلام.

مِن حرْق المكتبات، وتحطيم الآثار، وتحريم الكيمياء التي تحقق لـ «داعش» وأخواتها المفخخات، واستعراض السبايا، والمفاخرة بالممتلئة منهن والبيضاء، وأثمانهن في سوق فجورها وفجور الدِّين الذي تحاول أن تقنع به العالم على أنه النسخة الأصلية والصحيحة، والخيال الواسع في تهديد الحياة وتدميرها، تؤكد «داعش» يوماً بعد يوم، أن هذا الكوكب بات غير صالح للاستعمال البشري، طالما بقي هذا الكيان يتنفَّس ولو في مخابئه وجحوره.

بعد زمن قصير، وقصير جداً لا تستغربوا أن يخرج الناس من دِين الله أفواجاً؛ وخصوصاً أولئك الذين شدَّتهم رحمة الدِّين فقدَّمت «داعش» لهم الوحشية في آخر نسخها وطبعاتها، والذين جذبهم خيار الإنسان في الدِّين وهم يرون الأقليات وقوداً لفجور وعُقَد وأمراض وانحراف تلك الشرذمة الخارجة على الله والنوع البشري والتاريخ.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/969118.html