صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4567 | الإثنين 09 مارس 2015م الموافق 21 ذي القعدة 1445هـ

أين نحن من هذا العالم؟

الكاتب: قاسم حسين - Kassim.Hussain@alwasatnews.com

من الأخبار المهمة التي تستوقف المرء، انطلاق أول طائرةٍ تعمل كلياً بالطاقة الشمسية، في نقلةٍ نوعيةٍ كبرى في عالم الطيران وحياة البشر على هذه الأرض.

الرحلة التي سبقتها محاولات طيران في أجواء أبوظبي في الأيام السابقة، انطلقت صباح أمس الاثنين (9 مارس/ آذار 2015) باتجاه عُمان، بعد تأخير نصف ساعة بناءً على طلب المهندسين لفحص بعض الأمور بالطائرة، عبر غرفة التحكم من موناكو غرب قارة أوروبا، ومن عُمان ستتجه إلى الهند وبورما والصين في أقصى شرق آسيا. ويأتي هذا النجاح تتويجاً لمحاولات دؤوبة استمرت 12 عاماً، ويجري التخطيط حالياً لانتقال الطائرة عبر الجهة الأخرى من العالم، لتقطع المحيطين الهادي والأطلسي خلال الشهور الخمسة المقبلة.

نحن في هذا الجزء من العالم، يحلو لنا التغنّي بأول محاولةٍ للطيران، على يد العالم الرياضي عباس بن فرناس في الأندلس، وهي محاولةٌ يتيمةٌ لم تجد لها من يحلم بإكمالها، فظلت مجمّدةً في مهدها عشرة قرون كاملة... حتى جاء الأخَوان الأميركيان الحالمان المغامران رايت (أورفيل ويلبر)، المولعان بالميكانيكا حيث كانا يعملان في محلٍ لإصلاح الدراجات الهوائية، ليبدأ معهما عصر الطيران، وقد نجحا بعد سنوات من المحاولات، في إطلاق أول طائرةٍ في العام 1903.

النقلة الجديدة في عالم الطيران اليوم، والتي ستؤثر كثيراً على البيئة إيجابياً، وعلى معدل استهلاك النفط وأسعاره في المستقبل المنظور، تتم على يد مغامرَين آخرين، السويسريين برتران بيكار وأندريه بورشبيرغ، حيث أسّسا شركة «سولار إمبلس». ويدهشك طريقة تفكيرهما الإبداعية، فـ «التغيّر المناخي» الذي كُتب عنه أطنانٌ من الدراسات والأبحاث والمقالات خلال العقود الماضية، يعتبره هذان الرجلان «فرصةً رائعةً لإدخال تكنولوجيا نظيفة للسوق توفّر الطاقة؛ وتوفّر الموارد الطبيعية لكوكبنا؛ وتحقّق أرباحاً؛ وتوفّر وظائف؛ وتحقّق نمواً مستداماً». فأيّ طموحٍ هذا؟ وأي عقلٍ مذهلٍ يستبق الخيال والتوقّعات؟

الطائرة التي صنّعاها، هيكلها من ألياف كربون خفيفة الوزن، ولن تحتاج في طيرانها إلى قطرةٍ واحدةٍ من الوقود، ولن تخلّف أية انبعاثات كربونية، حيث سيعتمد تشغيلها بالكامل على 17 ألف خلية شمسية مثبتة في جناحيها. وقبيل الإقلاع الأخير قال بورشبيرغ: «كلي ثقة بأن لدينا طائرةً فريدةً للغاية... لتعبر بنا المحيطين الكبيرين، وربما نضطر للطيران خمسة أيام وخمس ليال، وسيكون ذلك تحدياً لنا، لكنْ أمامنا شهران مقبلان، سنحلق خلالهما في رحلات إلى الصين، لتدريب وإعداد أنفسنا». فهما يعرفان ما يصنعان، كما يعترفان بفضل الكثيرين ممن شاركوا في «إنجازات 12 عاماً من العمل للوصول إلى هذه المرحلة».

الرجلان متحمسان للمهمة، ويشعران بمسئولية هائلة كما قالا، فهما يدركان ما سيتركه إنجازهما من تأثيرات على مستقبل صناعة الطيران وأسعار النفط والبيئة وتكلفة السفر وحجم حركة التنقل بين القارات وجوانب أخرى قد لا ندركها حالياً. لكن أين نحن أساساً من كل ذلك؟ ما هو موقعنا من العالم؟

الشعوب الأخرى، شرقاً وغرباً، تتنافس على تحصيل العلم وتسهيل سبل الحياة والرقيّ بالحضارة والذوق الإنساني، ونحن شعوبٌ مختَرَقة، تعيش على هامش الحضارة، عالة على البشرية، وتتغذى على قصص التاريخ، بلا فكر، ولا هوية، ولا علم ولا عمل، ولا جد ولا إنتاج، ولا حرية ولا كرامة. وحين انتفضت الشعوب لاسترجاع إنسانيتها، انقسمت الأمة وتشرذمت، بين عبدة الواقع و»ليس أبدع مما كان»، وبين شبابٍ مقموعٍ في السجون والمنافي، وشبابٍ اجتذبتهم محرقة التطرف والتكفير والكفر بكل ما أنجزته البشرية، ليدمّروا كل شيء، من تاريخ وآثار ومكتبات ومدن تاريخية، كما تفعل «داعش»، في العراق وسورية.

أمةٌ ضائعةٌ، لا تأكل مما تزرع ولا تلبس مما تخيط، تعيش في القاع وتظنّ نفسها فوق الأمم والشعوب، وأن الجنة محجوزةٌ لها سلفاً، بينما أحد هذين الطيارَين السويسريين المجاهدَين من أجل الإنسانية، يعلّمنا الحكمة حين يقول: «الذين اخترعوا المصابيح... لم يكونوا حتماً من باعة الشموع».


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/969484.html