صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4604 | الأربعاء 15 أبريل 2015م الموافق 22 ذي القعدة 1445هـ

«دفتر اللؤلؤ»... عبدالله الخان وحسين المحروس:

«الجنُّ في البحر»... آخر رحلة في تاريخ الغوص العام 1964

أول المدخل إلى الدفتر «دفتر اللؤلؤ» ما يأخذك إلى انتباهة العين وما يرتبط بها من حواس. عبدالله محمد الخان: «رأيتهم عندما يغوصون مثل جنِّ البحر، مثل كائنات بحرية لا آدمية»! لقطات وصور استرجاعية لآخر رحلة للغوص على اللؤلؤ في البحرين في العام 1964، ذلك هو جانب من موضوع الكتاب الذي صدر عن «بيت البحرين» العام 2011، لعبدالله الخان وحسين المحروس. ثمة صور أخرى. ثمة نصوص مرافقة للصور تتيح للعين سعتها في الرؤية هنا. أو هكذا أظن ما أراه! نصوص حسين المحروس.

يقودنا ذلك إلى استدعاء ما يمكن أن يكون قد علق في الذاكرة من أعمال مشتركة. هي قليلة بالمناسبة. الناجح منها أقل. أن تتكرر صيغ التعاون بين مشروعين/ مشروع واحد وبتلك النقلات التي يمكن الوقوف عليها ووضع العين وبقية الحواس عليها، وتحقيق مثل تلك الصيغ نجاحات ملفتة، فذلك يدعو إلى التأمل. فقط التأمل، لأن ما بعده سيضع حواسك على سر التركيبة والخلطة.

أن تحبَّ بأدوات كثيرة ما تشتغل عليه. أظنُّ أن ذلك جانباً ووجهاً من وجوه الوصفة والصيغة.

الوصْفة... الصِيغة

عبدالله محمد الخان، بريادته في العين وخياراتها. حسين المحروس الذي يأتي محمَّلاً بأكثر من أداة تعبيرية، حقق الكثير من الملفت فيها والنوعي، يقدمان لنا تلك الوصفة والصيغة، وما يبدو أنه هامش، هو ما سيتولَّى التفصيل فيه.

من بين تلك الصيغ والوصفات المشتركة «دفتر اللؤلؤ». للصيغ دفاترها. للوصفات دفاترها. هذه المرة - كما مرات سابقة - دفتر للعين، وللحواس نصيبها أيضاً!

في الكتاب «تأريخ للبحر» تأريخ للماعون والأداة التي بها وصلوا. بها نصل. «التقط المصوِّر الفوتوغرافي القدير عبدالله محمد الخان، المولود في المحرق العام 1937، صور الرحلة الأخيرة للغوص على اللؤلؤ في البحرين العام 1964 بالأسْوِد والأبيض والملوَّن، ثم أضاف إليها صوراً أخرى حديثة صوَّرَها في سنوات مختلفة».

في الكلام على المصوَّر... في جنِّيات البحر «سأقول لك شيئاً: لم أكن أعرف أن ما أفعله مهمِّاً. لم أكن أعرف أني أوثِّق تاريخاً مهمِّاً في هذه البلاد بالصورة الفوتوغرافية؛ لذا كادت هذه الصور كلها... صور اللؤلؤ لآخر رحلة في تاريخ الغوص على اللؤلؤ في البحرين ألاَّ تكون».

في الكلام على المُعِدِّ «بدأ الروائي والفوتوغرافي حسين عيسى المحروس، المولود في المنامة العام 1964، في إعداد هذا الكتاب في 6 ديسمبر/ كانون الأول 2010، وانتهى منه في يونيو/ حزيران 2011، مُعتمداً في ذلك على مصادر مكتوبة وشفوية، ووثائق قديمة ولقاءات شخصية قديمة كان أجراها في المحرق والمنامة، وأخرى حديثة».

«التاريخ البصري للشيء»

في الكتاب تأريخ لفصل أخير مع «جنيات البحر». مع الغوَّاصين الذين لا يشبهون الكائنات الآدمية في علاقتهم مع الماء.

يُكمل الخان، على لسان المحروس «كان يحدِّثني عن وهم إدراك لحظة التوثيق عند المصور، وأن التاريخ البصري للشيء، للحدث مهما كان لا يمكن إدراك قيمته، وثقله التاريخي لحظة وقوعه».

عليك أن تخوض التجربة لتكون أقرب لجنِّ البحر. لذلك عناؤه. لكنه عناء يستحق، سيتوِّجك بتلك اللحظة. أنت لا توثِّق لذهاب أخير إلى البحر فحسب. أنت توثِّق لذهابك الأول إليه، وبالنسبة لك سيضيع في الترتيب. ربما لن تعرف إذا ما كان الأول أو الأخير. ستظل عائماً. ستظل في إدراك لحظة التوثيق، تلك التي تكلَّمتَ عنها!

«ثلاثة أيام وأربع ليالٍ في عرض البحر»، ولذلك قصة يسردها المحروس في مطلع الدفتر: «كان لدى (بابكو) رغبة في صناعة الفيلم عن الغوص. وقد عرفوا أنها آخر رحلة للغوص في شهر أغسطس/ آب 1964. لا أعرف من أين عرفوا ذلك لكنهم عرفوا. صار بيني وبينهم خلاف فأنا لا أرغب في دخول البحر والبقاء فيه أربعة أيام. خيَّروني بين الذهاب أو الإقالة فاخترت الإقالة. غادرت الرحلة إلى الهيرات المعروفة للغوص على اللؤلؤ، وبعد يومين طلبت من (بابكو) دعمي للالتحاق بالرحلة من جديد فوافقوا».

يُكمل «استأجرت (جالبوت) يقوده شخص من المحرق من عائلة النعيمي. طلب مني 1500 روبية، فلما وافقت أخذني إليهم. كان يعرف البحر وأسماء الهيرات ومواضعها، ولأنها الرحلة الوحيدة والأخيرة تعرَّفنا إليها سريعاً في وسط البحر، فلما وصلت إليهم وصعدت سفينتهم طلبت منه العودة».

التعميد الأخير للماء

الجن الذين التقاهم، كأنه وإياهم يعمِّدون الماء للمرة الأخيرة بأرواحهم المنهكة. وبأجسادهم النحيلة السمراء. سيشهد وإياهم على الماء الذي كان فيه الموت والحياة. الارتهان والفقر لبعض، والغنى والثراء الفاحش لبعض آخر.

يكمل المحروس مطلع الدفتر على لسان الخان «رأيت الحياة والموت في وجوههم. رأيتهم مسخَّرين. عندما يبدأ الغيص في نزول البحر يصبح آلة منزوعة الحس. رأيتهم مُخدَّرين لا يهتمُّون بأنفسهم ولا يتكلَّمون».

قاموس المكان في عزلته

يمتلئ الدفتر بقاموس المكان في عزلته. البشر في عزلتهم. لكل مكان قاموسه. للماء قاموسه أيضاً. البحر امتداد الماء ووعاؤه العملاق، له القواميس لا المفردات. ليست الصورة وحدها في الكلام. في الكلام نفسه الكثير من الصورة/ الصور. كل اشتغال على الكلام. كل كلام لا تطلع من مجهولِه الصورة فهو دون الصمت، وأخ للعمى!

من التبَّاب: أربعة أو خمسة صبيان مهمتهم خدمة السفينة ومناولة بحَّارتها الماء والقهوة والأواني الخفيفة، والنارجيلة، مروراً بالتبَّاب، غلام عمره بين التاسعة والثالثة عشرة، ابن للنوخذة أو أحد البحَّارة، يخدم البحَّارة على ظهر السفينة، وأجره اللؤلؤ الصغير (السحيت) الذي يهبه له النوخذة أو الطوَّاش، والتبَّة، مجموعة الغطسات التي يغطسها الغاصة، ويكون بين كل تبَّة وأخرى استراحة قصيرة يقضيها الغوَّاصون على ظهر السفينة، وصولاً إلى تبْري، ويفصِّل الدفتر في ذلك «لا تكون الأصداف ملتصقة التصاقاً شديداً مع القاع الذي تنمو عليه (...) وإذا حدث ذلك بتعلق بعضها في كتلة واحدة تسمَّى تبرى والجمع تباري».

يخلق المكان قاموسه ومفرداته وتسميات مهام بشره أحياناً. المكان هو منشأ اللغة، ووفرة القاموس ونبْعه.

قهوة الأفق المفتوح

للقهوة طعمها ورائحتها في الأفق المفتوح على المجهول. ليست كما هي على اليابسة. ليست كما هي في ادِّثار اطمئنان. «كانت القهوة المُعطَّرة بالهيل تسخن فوق نار المجمرة في غلايتين للقهوة مصبَّاهما شبيهان بمنقار العقاب. ويقترب الغاصة والسيوب والرضافة والتبابة من المجمرة ويشربون القهوة الساخنة من الفنجان نفسه، فيدبُّ النشاط والحيوية في أوصالهم جميعاً. ولا تسود في السفينة أجواء الكآبة كالتي تسود في سجن للأشغال الشاقة؛ بل يضحكون ويتندَّرون فيما بينهم. إنها المهنة التي يعشقونها».

«الخصور على الماء»

أن تلتفت. ألاَّ تنشغل بالصورة ولحظتها فقط. أن تقول الكلام العادي الذي يحوِّله المحروس نصاً مقابل الصورة النص. تلك هي المهمة الشاقة. كأنه مع كل عمل يجمعهما بمثابة إبحار أخير أيضاً. لكن ذلك لا يحدث ولا يريدانه أن يحدث.

«الشيء المؤثر ليس عندما يغوصون، وإنما عندما يصعدون إلى سطح البحر، فلا يعودون عمودياً وإنما مائلين في خط منحرف، خصورهم مستلقية على سطح الماء».

وبما يشبه الحوار. حواراً من سِنخ الماء وإن لم يخْفِ ما سيأخذه البحر منهم، أو من بعضهم.

«وها قد عادوا الآن إلى ظهر السفينة ليستريحوا سويعة، وقد جلسنا وسطهم:

- هل أنتم مرهقون؟

فضحكوا... إنهم غير مرهقين.

- مم تعانون عندما تكونون تحت الماء؟

ضحكوا مرة ثانية... يقولون بأن أقسى المحن عليهم هي محنة ضغط الماء.

لقد فاتني القول، بأن ثمانية عشر غيصاً، أحد عشر منهم كانوا مُصابين بالصمم».

أكل المحَّار... بلجريف

يحضر بلجريف في «دفتر اللؤلؤ»، يقرِّبنا إلى الغفلة عن جانب من ثروة البحر. تماماً كما هو اليوم، باحتراق الغاز الذي يتم مع استخراج آلاف ومئات آلاف البراميل من النفط. لم يأكل الناس المحَّار في هذه المنطقة، وفي تلك السنوات؛ إلا إذا حاصرهم شبح الجوع. كان يُلقى من السفينة كما تلقى الفضلات. إلى كلام بلجريف «عندما قلت لتاجر اللؤلؤ، إن الناس في أوروبا يأكلون المحَّارات ويعتبرونها طعاماً شهياً، اندهش وأخبرني بأنه لا أحد من منطقة الخليج يأكلها إلا إذا كان سيهلك بسبب الجوع الشديد، أو عدم توافر الطعام. فرددت عليه، بأنني قرأت في أحد الكتب التي تصف صيد اللؤلؤ وهو من تأليف الكابتن (فراير) الذي عاش في القرن السابع عشر، أن المحَّارات الموجودة في مياه الخليج، هي من أجود الأنواع وأصلحها للأكل وتأتي في المرتبة الثانية بعد تلك الموجودة في المياه البريطانية».

المستشفى العائم

عرْضة للأمراض كالبشر الذين على اليابسة، وربما هم عرضة لها أكثر من غيرهم. وعلينا ألاَّ نغفل عن كائنات البحر التي ليست كلها وادعة. طبيب اشتهر حين كان بينهم. في عرض البحر يتفقَّد المرضى منهم. ربما عرفت هذه المنطقة المستشفيات العائمة أكثر من معرفتها المستشفيات التي على اليابسة. أعني في كثرتها وتعدُّدها.

«طبيب هندي عُيِّن خصيصاً لعلاج الغوَّاصين في عرْض البحر خلال مواسم الغوص، على متْن سفينة (بوم) مطْلية باللون الأبيض لتمييزها عن بقية السفن، وليسهل التعرُّف إليها، يبقى بندكار في البحر أسبوعين يتخلَّلهما عودته للتزوُّد من البر بالأدوية والزاد. كما يمكن له العودة إذا احتاج لنقل مُصاب. ويتكوَّن طاقم سفينته من: مُضمِّد، ومساعد، وشرطيين، ومفتِّش وكاتب حكوميين للتدقيق على رُخَص الغوَّاص، بالإضافة إلى ملَّاحي السفينة».

التفاصيل الأولى لرحلة أخيرة

تأخذك الصورة، ويأخذك الكلام أيضاً. ماذا يعني أن تكون شاهداً على الرحلة الأخيرة للغوص على اللؤلؤ؟ الأهم ماذا يعني أن تملك أداة توثيق وترسيخ لتلك الشهادة؟ أن تكون في التفاصيل الأولى لرحلة أخيرة؟

يمتلئ الدفتر بالكلام أيضاً، امتلاء الكلام بحكمته وزبدته. المحروس شاهد هو آخر في دفتر السيرة/ الرحلة. شاهد بذلك التثبيت الدقيق للشهادات. وما يبدو تلاعباً بها، هو بمثابة صقلها. كل معدن لن يشدَّ ما لم يتم صقله. الكلام كذلك يحتاج إلى الصقل. تلك مهمة اتركوها للمحروس فله فيها توغُّل وتجربة. أليس الصقل تجربة؟!

ليس «دفتر اللؤلؤ» هو فحسب. إنه «دفتر وداع العناء الأخير» بكل فصول فقرائه وعبيده ومديونيه ودائنيه وثوراته وقوانينه ومجلس كباره ومحاكمه. إنه «دفتر الماء» أيضاً!

بقيت الإشارة إلى أن الكتاب من بحث وإعداد المصور الفوتوغرافي والقاص والروائي حسين المحروس، وتولَّى الترجمة إلى الإنجليزية عبدالرحمن أبوالفتح، التصميم، حسن مهدي وحسين المحروس، تنفيذ التصميم، حسن مهدي، المراجعة، آمال الخيِّر، المراجعة العربية، محمود شريدة، والمراجعة الإنجليزية، فيتشواز رويت.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/982134.html