صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4616 | الإثنين 27 أبريل 2015م الموافق 09 ربيع الاول 1444هـ

ليس بكاء على اللبن المسكوب

الكاتب: منصور الجمري - editor@alwasatnews.com

الفكرة التي طرحتها الأُخت منيرة فخرو، وأَيدتُّها في مقالين سابقين، تتعلَّق بضرورة مراجعة أخطاء المعارضة، وهناك من يطالب أَيَّ شخص يتحدَّث في هذا الأمر بالصمت. لكنَّ الصمت بالنسبة لي هو الأسهل، وكثيرٌ منَّا صامتون؛ لأَنَّهم لا يودُّون الدخول في مزايدات أو مهاترات. كما أنَّ هناك من يصمت؛ لأَنَّ الجرح عميق، وبالتالي، فإنَّ الخشية دائماً من أنَّ تناول الموضوع قد يزيد الجرح أَلماً بدلاً من معالجته.

معظم الأَعذار مفهومة، سوى أنَّ بعضها ليس مقبولاً، كالقول بأَنَّ الحديث في هذا الشأن يفسح المجال للحاقدين بأن يشمتوا بنا. هذا الحديث ليس واقعيّاً؛ كما أنَّ الإنسان لا ينبغي أنْ يربط تصرُّفاته وقراراته على أساس ردود أفعال من يكرهونه. الأنكى من ذلك، هو الادعاء بأنَّ هذه الجهة أو تلك لم تخطئ، أو أنَّها لا تخطئ، أو أنَّ خطأ الجهات المقابلة أكبر. هذا الطرح غير مقبول؛ لأنَّ الذي ينفي احتمال الخطأ إنَّما يقوم بالأمر ذاته الذي يتهم به غيره، فالآخرون أيضاً سيكون من حقّهم - في هذه الحالة - أن يقولوا إنَّهم لم يخطئوا. الثابت هو أنَّ من طبيعة البشر ارتكاب الأخطاء في حياتهم، وهذا ليس عيباً، وإنَّما العيب في عدم التعلُّم من تجارب وأخطاء الماضي. فالفشل الحقيقي يكمن في عدم إفساح المجال لنقد التجارب والتعلُّم منها.

هناك أمرٌ آخر، وهو أنَّ الأَخطاء لا تعني بالضرورة نوايا سيّئة أو خيانة؛ لأَنَّ الإنسان مهما تكن نواياه صافية ومخلصة ومحقَّة، فإنَّه يرتكب أخطاء لأيّ سبب كان، من بينها صدمة الحدث المفاجئ، والوهلة التي تجعل الإنسان مشلولاً عن التفكير المتروي، وتجعله متسرّعاً في اتخاذ القرارات كردَّة فعل حماسيَّة.

ليس بكاءً على اللبن المسكوب... فمثلاً، كان بإمكان المعارضة الاستفادة من مبادرة النقاط السبع (التي طرحها سمو ولي العهد) بقوَّة لمدة ثلاثة أسابيع (بعد 17 فبراير/ شباط 2011)، وكانت تلك المبادرة تراعي السقوف الدوليَّة والإقليميَّة والمحليَّة، واحتاجت في المقابل إلى جرأة المعارضة؛ لإعلان تنزيل سقف المطالب بما يتوافق مع ما كان مطروحاً، والقبول بإطار عمل يظهر توافقاً مجتمعيّاً. لكن ازدياد عدد القتلى والجرحى، وتواصل أحداث الربيع العربي خارج البحرين، أَدَّى إلى تعقيد الحراك، ولاسيما بالنسبة إلى الأطراف الفاعلة والتي بدأت تتكاثر على أرض الواقع. والنتيجة أنَّ المتحاورين لم يستطيعوا مصارحة جمهورهم بكل ما كان يدور، في وقت كان الذين لا يرغبون في الحوار الدائر آنذاك يزدادون (من كل جانب وعلى كل جانب)، ما أدَّى إلى الدخول في معادلة صعبة شهدنا تفاصيلها المؤلمة.

هناك من قد يقول، إنَّه حتى لو سارعت المعارضة إلى القبول بما عرض عليها، وأَقنعت جمهورها بذلك، فإنَّ ما حصل كان سيحصل، «فأنتِ مسبيَّة على كل حال»... لا أَعلم الغيب، ولا أَدري عن ذلك، لكن ربما أَنَّ التجربة كانت ستكون أَقلَّ ألماً، وكنَّا سنتعلَّم منها من دون الجروح العميقة التي نعاني منها حاليّاً.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/985937.html