صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4647 | الخميس 28 مايو 2015م الموافق 10 رمضان 1442هـ

دموع في مآقي القديح

الكاتب: قاسم حسين - Kassim.Hussain@alwasatnews.com

من الوهلة الأولى تتراءى لك القديح قرية زراعية صغيرة بين قرى محافظة القطيف الأخرى، شاء القدر أن نزورها معزّين هذه المرة بعدما كنا نمرّ بها زوّاراً وسائحين.

هنا مجتمعات أصيلة مرتبطة بالأرض، تعيش في هذه الواحات الزراعية القديمة بالقرب من سواحل الخليج. آثار البيئة الزراعية واضحة المعالم، تقرأها في الوجوه السمراء، وفي التعامل السمح والخُلُق الودود. أول ما تستقبلك عند مدخل القديح بعض الرايات واللافتات ذات العبارات الدينية، وعندما تدخل القرية الوادعة تستقبلك لافتات أخرى تتعلق بالفاجعة التي ألمت بالقرية يوم الجمعة الماضي، في التفجير البربري الغادر الذي أودى بـ 21 من أبنائها، يتوزعون على مختلف الأعمار، أطفالاً ورجالاً، وشيباً وشباناً. صورهم باتت معلّقةً على جدران المنازل، لتقول نحن كنا هنا بالأمس.

منازل القرية القديمة تشبه كثيراً منازل المنامة القديمة، وأزقتها الداخلية الضيقة تشبه أزقة كرّانة أو المقشع. وأول من يلقاك شابٌ تسأله عن مكان العزاء فيشير لك باتجاه الشوارع المؤدية إلى «المخيم»، وهو سرادق عزاء كبير أقامه الأهالي خلال يومين وجهّزوه بالفرش والأثاث ليستقبل آلاف المعزّين.

نتوقف لنسأل شاباً آخر عن الطريق، فيتلقانا بابتسامة ودودة، كمن يريد أن يبوح لنا بسرٍّ يثقل كاهله: «كنت أنا أيضاً في المسجد وقت التفجير مع طفلي هذا ولكن الله كتب لنا السلامة»، ويشير إلى اتجاه المخيم حيث يجب أن نوقف السيارة لتقلنا باصات صغيرة أعدت لنقل الزوار تجنباً للزحام الشديد في منطقة ضيقة الشوارع.

ننزل من السيارة عند نقطة تفتيش أقامها الأهالي تحت هول الصدمة، كإجراء وقائي لعله يدفع عنهم غائلة التهديدات السافرة. يفتّشنا شابٌ وهو يبتسم معتذراً، ويقول بحياءٍ جمٍّ: «سامحونا». نربت على كتفه تودّداً، ونمشي باتجاه المخيم حيث تقف بقربه سيارتان لوحدة البث المباشر لتلفزيون الدمام. عند المدخل تتوزّع طاولات المياه والمأكولات الخفيفة والتمور، بينما تنتشر على الجدران لافتاتٌ تندّد بجريمة التفجير الإرهابية، وتطالب بمراجعة مناهج التكفير التي شجّعت «داعش» على ارتكاب هذه الجريمة وتسبّبت في مثل هذه المأساة. هذه الدعوة انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي وتم تداولها على نطاق واسع على مستوى الخليج.

في المخيم كان طابور المعزّين طويلاً، وكذلك طابور الواقفين لتلقي العزاء، من أهالي شهداء الصلاة، اصطفوا رجالاً وشيباً وصغاراً لتلقي العزاء. تلحظ في عيون بعضهم علامات الذهول وعدم تصديق ما حدث، بسبب هول ما حدث، خصوصاً في قرية آمنة وادعة. وترى في مآقي بعضهم دموعاً تترقرق، خصوصاً في عيون كبار السن ممن لم تعد تحملهم أرجلهم على الوقوف. ربما يتذكرون أولادهم أو أحفادهم المغدورين، وكيف انتهوا إلى أشلاء مقطّعة، تناثرت في أرجاء أحد بيوت الله الآمنة، لبّوا نداء الرحمن بأداء صلاة الجمعة.

كان أكثر الزوار من مناطق المملكة ضحى يوم الثلاثاء، مع عشرات من البحرينيين والكويتيين، وبعض الوافدين العرب من مصريين وسودانيين. كان صوت القرآن يتردّد، يقطعه بين فترةٍ وأخرى صوت المذيع ليعلن ترحيبه بالضيوف. أثناء وجودنا قرأ بياناً باسم مساجد ومآتم منطقة السنابس في البحرين، وألقى شاعرٌ شابٌ من منطقة النعيم أبياتاً شعرية في رثاء الشهداء.

صادف خروجنا مع رفع أذان الظهر، دخلنا مسجداً صغيراً لأداء الفريضة قبل أن نستقل السيارة. في الطريق توقفت عند لافتة تقول: «هؤلاء هم القتلة»، وتضم صور تغريدات منشورة على «تويتر» لبعض مشاهير شيوخ الفتنة ودعاة التكفير في المجتمع الخليجي. كان هؤلاء من ضمن من أدانوا التفجير الإرهابي دفعاً عن أنفسهم لتهمة التحريض الطائفي والتسبّب في سفك دماء المسلمين.

في طريق العودة توقفنا عند أحد المحلات، كان يعمل فيه عامل يمني، قضى في الرياض سنة، وفي الإحساء سنتين، واستقر به المقام هنا في هذه البلدة المسالمة لمدة 15 عاماً، وشارك في تشييع الضحايا قبل يوم واحد. يقول: «ما ذنبهم؟ أنا أعرف أهل القديح، تسعين بالمئة منهم، من بينهم خمسة من زبائننا الدائمين خسرناهم. ما ذنب المصلين؟ (شيوبة) وأطفال، وحتى لو كانوا شباباً أليسوا بشراً؟ أليس الدين المعاملة؟ أنا لا أفرح عندما أسمع عن دخول فلبيني في الإسلام ما دام هذا حالنا. والله يهدي الجميع. وعندما تقابل مسيحياً بوجه متجهم فتصوّر كيف سيأخذ فكرة سيئة عن الإسلام، فكيف حين تقتل مسلماً»؟

هدى الله المسلمين للإسلام الذي أضاعوه.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/995524.html