العدد: 1900 | الأحد 18 نوفمبر 2007م الموافق 08 ذي القعدة 1428هـ

رحلة إلى الصين (1)

هونغ كونغ بوابة الصين ومدينة تبحث عن هوية

الصين لها وقعها الخاص في الذاكرة الجمعية العربية الإسلامية. حين تلفظ المفردة تتحرك المخيلة وتذهب بعيدا إلى التاريخ. فالاسم له معنى رمزي ويثير أكثر من زاوية في الوعي المتوارث. إنها المكان البعيد، البلد الغريب، المساحة المجهولة، الباب المقفل، المسافة التي يصعب الوصول إليها. إنها نهاية أو بداية وأحيانا آخر المعمورة. الصين في الذاكرة ترمز إلى البعد الجغرافي. فهي أقصى الشرق وذاك الطرف المطوّق بالسور العظيم الذي تعرف بدايته ولا تدرك نهايته.

جغرافيا الصين بعيدة، لكنها ليست أبعد من الولايات المتحدة أو كندا أو البرازيل غربا وهي أقرب من استراليا ونيوزيلندا شرقا... ومع ذلك لاتزال في الذاكرة الجمعية هي الأبعد وذاك المكان الغريب العجيب الذي يصعب الوصول إليه.

هذا التصوّر عن جغرافيا الصين هو نتاج تلك الأوصاف الأسطورية التي تراكمت في الوعي التاريخي. فالتصوّر الغريب نسجته تلك السرديات والحكايات التي تناقلها الرحّالة العرب عن ذاك المكان المجهول الذي يقع في آخر الدنيا ويطوّقه ذاك الحائط الهائل.

سور الصين لعب دوره في تركيب ذاك التصوّر المتوارث. فالسور يعني الخط الفاصل بين نهاية وبداية، شرق وغرب، ومعلوم ومجهول. السورعموما يعني العزل والقطع بين مكان وآخر. فهو رمز العزلة ونهاية المطاف والأقصى الذي يصعب تجاوزه.

الرحلة إلى الصين تحرك ذاكرة التاريخ عن جغرافيا بعيدة وسورعظيم يقسم البشر ويمنع تواصلهم. فالرحلة تعني اكتشاف مجهول في عصر تهيمن عليه سهولة الاتصالات والسرعة في المواصلات. والذهاب إلى ذاك المكان يعتبر محاولة لاختراق تلك الأسرار التي يحجبها ذاك السورالهائل عن العالم. الذاهب إلى الحائط هو كالذاهب إلى السجن. فالحائط في الذاكرة يعني الحجاب الذي يعزل ويضع حدا للنظر. والنظر إلى الصين بداية خطوة للتعرف على قوم أسطوري يختلف في هيئته ولغته ومعتقداته عن المعمورة.

السور شكّل ذاك الحاجز الجغرافي ورسم في الوعي التاريخي تلك الأشكال والتصوّرات العجيبة عن قوم مجهول يتحدّث لغة غريبة تكتب بأسلوب غير مألوف.

الوصول إلى السور كان الهدف من الرحلة الطويلة إلى الصين. فالصعود إليه والسير بين جدرانه وتسلّق درجاته والنظر خارج أبراجه شرقا وغربا، شمالا وجنوبا شكّل الحافز الذي حرك الفكرة وبلورها وجعلها قابلة للتحقق.

بدأت الرحلة مباشرة من البحرين إلى هونغ كونغ. فهذه المدينة بوابة الصين. ومَنْ يرد الوصول إلى السور لابد له من النزول في تلك المحطة التي تربط البر بالبحر بالجو. هونغ كونغ نقطة تقاطع للعبور. فهي مرفأ ومطار. وبسبب هذه الوظيفة نهضت المدينة واتسعت شوارعها وارتفعت مبانيها وتحوّلت رويدا إلى نموذج تقلده مدن آسيا. فالمدينة مثال النجاح والنهوض والتقدّم في نظر الكثير من الحكومات. وهي مضرب مثل لكلّ مَنْ يريد أنْ يؤكّد نجاحه التجاري وتقدّمه العمراني.

العمارة في هونغ كونغ تشكّل واجهة المدينة. فالأبنية نحيفة ورشيقة وطويلة ومرتفعة وشاهقة تطل على بحر تمخره البواخر التي تنقل البضاعة من بر الصين إلى العالم ومن شرق العالم وغربه إلى تلك المساحة الممتدة عمقا وصولا إلى الشمال إذ ينتشر ذاك السور العظيم على أكتاف جبال تعزل السهول عن الوديان.

هونغ كونغ لم تعد الآنَ تلك المدينة الخاصة. فالنموذج اخترق وتعرّض للمنافسة وتم نسخه وترويجه في أكثر من مكان. كذلك وظيفة المدينة التقليدية أخذت تتراجع وتواجه التآكل بعد أنْ أعلنت الصين الانفتاح على العالم وفتحت بوابات السور بعد عزلة سياسية امتدّت إلى مطلع ثمانينات القرن الماضي.

التنافس شجّع المدينة على البحث عن دور يحافظ على وظيفتها التقليدية. الخوف على خسارة الموقع حفز المدينة على تطوير مطارها وجعله محطة عبور للداخل إلى الصين أو الخارج منها. فالبوابة تحوّلت وتحديدا بعد خروج بريطانيا من المدينة إلى مدخل وحديقة خلفية في آن. وأدّى تجديد دور المطار والمرفأ إلى المحافظة على الموقع وتطويل مدة وظيفته التقليدية.

هونغ كونغ تمر الآنَ في مرحلة البحث عن هوية مستقلة. فالهوية التقليدية تعرّضت إلى الكسر ولم تعد صينية بالكامل. كذلك تعرّضت هويتها المبتكرة إلى المنافسة ولم تعد ذاك النموذج الخاص الذي يميّز شخصية المدينة عن غيرها سواء في محيطها الجغرافي أو في ذاك الشريط من المرافئ الممتد من اليابان إلى الخليج.

البحث عن هوية دفع المدينة إلى إعادة النظر بثقافة هلامية اصطنعها الوجود البريطاني ولكنها لاتزال تلامس قشرة التاريخ وغير قادرة على اقتلاعه من جذوره. العودة إلى الماضي تشكّل محاولة لإعادة ترسيم شخصية ثقافية مركبة تضع القديم إلى جانب الجديد. وهذا ما بدأت المدينة تتجّه إليه بعد أنْ كادت «الحداثة» تبتلع آخر الموروثات عن عهود قديمة. المحافظة على القديم تشكل آخر خطوة حداثية بدأت المدينة بالدخول إليها؛ لتأكيد التميّز والدفاع عن الخصوصية.

الأبنية النحيفة والشاهقة فرضتها الحاجة. فالمدينة لم تخطط سلفا للوصول إلى هذا المشهد الآني، وإنما ظروف المكان والزمان رسمت خريطة الطريق من دون تفكير مسبق. وفكرة الأبنية النحيلة والمرتفعة جاءت ردّا على توسّع دور المكان. المرفأ بعد نهاية الحرب العالمية الثانية تحوّل إلى جاذب حيوي للبواخر وأدّى نمو الدور إلى تطوير مركز المدينة المحاط بالتلال التي يتراوح ارتفاعها بين 500 أو 700 متر فوق البحر. نمو الوظيفة التجارية في المحيط الإقليمي ساهم في تنمية الكثافة السكانية في دائرة جغرافية صغيرة لا تستطيع التمدد إلى البر الصيني وغير قادرة على الانتشار في مساحة محاطة بجزر متناثرة على مقربة من الساحل.

فكرة الأبنية جاءت تلبية للحاجة ووسيلة مبتكرة لاحتواء أزمة إسكان الناس وتوفير أمكنة لتلك الجماعات أو المجموعات التي توافدت إلى دائرة مزدهرة بحثا عن عمل أو طمعا في موقع يتناسب مع فورة مالية واقتصادية. الآنَ وبعد مرور نصف قرن على تلك الطفرة تحوّلت الواجهة إلى مركز المدينة التجاري ومحطتها السياحية. أما بقاعها المتناثرة قسرا على مساحات جغرافية صغيرة أصبحت تجمعات سكّانية يعيش فيها أكثر من سبعة ملايين من البشر.

الحاجة وليست المباهاة كانت وراء تلك الأبنية النحيفة والشاهقة. وبسبب تلك الحاجة تم تدمير الماضي وتقويض آثاره لاستيعاب ذاك الكم من البشر وتلك الدورة الاقتصادية التي أصابت النجاح من دون انتباه لدور الهوية ومكانتها التاريخية في المحافظة على الخصوصية والتميّز عن المرافئ الأخرى التي دخلت معها في طور التنافس.

بوذا والذاكرة

هونغ كونغ بدأت تبحث عن بقايا الماضي منذ الثمانينات وتحديدا بعد أنْ فتحت الصين أبواب سورها العظيم وعشية بدء الحاكم البريطاني بحزم حقائبه للعودة إلى «إمبراطورية» غابت عنها الشمس منذ زمن.

البحث عن هوية جاء أيضا تلبية لحاجة. فالحاجة إلى الاستقرار تتطلب دائما العودة إلى الماضي بقصد حماية الحاضر من السقوط وضمان أمن المستقبل. وهذا ما أدّى بالمدينة المحاطة بالتلال المرتفعة والجزر الصغيرة إلى إعادة اكتشاف بوذا وما تبقى من قرى صيادين أصابها الإهمال وتعرّضت للتهميش.

بوذا في معتقدات الشعوب الهندية - الصينية ليس مجرد فكرة مجردة أو سيرة رجل حكيم. إنه أيضا تماثيل تجسّد الفكرة وتهيكل السيرة وتجسّمها في شخوص تعكس تلك الوجوه المختلفة للحكمة الفلسفية.

تماثيل بوذا أخذت تشق طريقها من الماضي إلى الحاضر وبدأت تتحوّل إلى مزارات دينية وأمكنة سياحية. والتماثيل ليست بالضرورة أنْ تكون مصنوعة في الماضي حتى تكتسب رمزيتها وهيبتها. فالتاريخ ليس مهما بقدر ما هو التجسيم. الفكرة حين تهيكل تتحوّل فورا إلى مقدّس. وتقديس المجسمات لا يحتاج إلى زمن وإنما إلى مهندس يصمم الأشكال ويضع تلك النماذج في أمكنة مختارة لتنتصب على الأرض وترتفع إلى السماء.

تمثال بوذا الضخم الذي يزن 250 طنا من البرونز ويرتفع 34 مترا فوق هضبة بولين في جزيرة لانتو تم تصنيعه في ثمانينات القرن الماضي. فالتمثال لا يتجاوز عمره 25 عاما ولكنه تحوّل إلى مقدّس ونموذج أخذت الصين والهند تنافسان هونغ كونغ على صنع شبيه له. التمثال الذي وضع على تلة ترتفع 500 متر فوق سطح البحر تحوّل إلى مزار يقصده السياح ولكنه أخذ يتعرّض للمزاحمة في الطول والعرض والحجم والوزن. الصين مثلا باتت على قاب قوسين من إنجاز تمثال لبوذا بارتفاع 88 مترا. والهند بدورها قررت تصنيع تمثال آخر يتوقع أن يرتفع إلى أكثر من 136 مترا. وبانتظارأنْ تنتهي الصين والهند من استكمال مهمة بناء تمثاليهما سيبقى بوذا الجالس على تلة من تلال جزر هونغ كونغ هو الأضخم في العالم.

أهمية تماثيل بوذا في ذاكرة الشعوب الهندية - الصينية أنها تعانق الحداثة بالمقدس وتربط الحاضر بالماضي وتجسّد فكرة في هيكل معدني يتألف من نحاس أو برونز أو ذهب. لذلك ليست بحاجة إلى تاريخ وإنما إلى إنسان يؤمن برمزيتها ويضفي عليها قداستها ورهبتها وهيبتها. فالإيمان حاجة والإنسان في تلك المعتقدات يعطي من عنده قداسة لتماثيل مصنوعة من أحجار أو معادن. وبسبب تلك الحاجة تحوّلت المجسمات إلى مصنوعات تشير إلى هوية ثقافية أخذت هونغ كونغ تستفيق عليها وتعيد اكتشافها.

بوذا هو مدخل المدينة في سياق العودة إلى الماضي بهدف حماية الهوية من الغرق في محيط تمخره البواخر أو التلاشي في مطار يشكّل محطة لابدّ منها للدخول إلى بر الصين. هونغ كونغ تقع على حدود الصين الجنوبية. وبالقياس تعتبر نقطة في بحر صيني ترتفع من داخله موجة نهوض اقتصادية يرجح أنْ تنافس خلال 25 سنة الولايات المتحدة على احتلال المركز الأوّل في قيادة العالم.

أمام هونغ كونغ ربع قرن من الزمن. وهذا يفرض على حكّام المدينة البحث دائما عن موقع يحافظ على دورها ويضمن لها توازنها في مواجهة موجة اقتصادية عاتية أخذت تضرب شواطئ المحيطات البعيدة. فالصين القريبة لاتهدد عسكريا أو سياسيا وإنما تنافس اقتصاديا انطلاقا من منظومة أفكار تحتاج إلى قوة ثقافية لمقاومتها. وبوذا هو وسيلة من أدوات الممانعة التي تجمع بين الحداثة والماضي. والتماثيل تعتبر مجسمات تتلاقى فيها صناعة الحاضر بالذاكرة التاريخية.

المحافظة على الذاكرة تساعد المدينة نسبيا على الاحتفاظ بالوظيفة الاقتصادية المغلفة بالثقافة المستعادة أو عبر حماية بقايا قرى لم تجرفها الحداثة. وقرية «تاي أو» للصيد تعتبر من تلك النماذج السياحية التي يعاد اكتشافها للإشارة إلى ذكريات ماضية. فهذه القرية التي يسكنها الآنَ أقل من 2000 نسمة كانت في الماضي القريب أهم مركز لصيد الأسماك. قبل نصف قرن كان يسكن «تاي أو» 20 ألفا وكانت تعتبر نقطة جذب للتجارة التقليدية إلى أنْ ظهرت هونغ كونغ على الخريطة وبدأت بتحطيم مواقع وأدوار القرى المحيطة بها حين أخذ أهلها بمغادرة أماكن السكن بحثا عن فرص أفضل للمعاش والحياة.

«تاي أو» يطلق عليها الآنَ «بندقية الشرق» إذ تنتشر منازلها الخشبية الفقيرة والمتهالكة فوق قنوات المياه ويعتمد سكّانها على القوارب للصيد والاتصالات. لكن القرية لم تعد كما كانت ذاك المكان الذي يشتهر بالصيد وإنما تحوّلت إلى مشهد سياحي يزوره أهالي هونغ كونغ في العطلات أو نهاية الأسبوع للتمتع بمناظر قديمة تفتح الذاكرة على الماضي وتخاف على القرية من أنْ تبتلعها الحداثة في المستقبل.

مشهد القرية يمكن أنْ يتوسّع؛ ليشمل هونغ كونغ في السنوات المقبلة. فالصين تبعد 45 دقيقة بالقطار وهي أخذت تزحف اقتصاديا خارج السور العظيم. وحين تحتل الدولة الأم مكانها في الصدارة العالمية بعد 25 سنة ستتحوّل المدينة صاحبة الأبنية الرشيقة والشاهقة إلى قرية سياحية كما هو حال «تاي أو» الآنَ.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://www.alwasatnews.com/news/263476.html