العدد: 1956 | الأحد 13 يناير 2008م الموافق 04 محرم 1429هـ

«معلّقات» عاشوراء... التحوّل من الملامح الفارسيّة إلى اللمسات العراقيّة

مفردات عاشوراء كثيرة ومتعدّدة بحجم ضخامة حدث متجذر في وعي الأمّة منذ 14 قرنا من الزمان، ومن هذه المفردات ما يمكن أن نسميّه «ثيمات عاشورائية»، تختزن دلالات وتحاول إيصال جزء من رسالة الحسين. والملفت عدم إيلاء مثل هذه العملية مجالا لدراسة جديّة تسعى لاستكناه الظاهرة على الصعد المتعددة، سوى محاولة قامت بها الزميلة «الوقت» في بروفايل عن «السواد».

جدران المآتم تتزيّا باللافتات «الحسينية» طوال شهرين، وتحمل دلالات وعبقا خاصا، فلا يمكن أن نتخيّل مجيء عاشوراء بغير وجودها. ويقبل كثيرٌ من البحرينيين خلال زياراتهم الدينية للعراق وإيران على شراء تلك «النشرات» مختلفة الأشكال التي تصنّف تحت بند «السواد»، برغبة دفينة باستيراد «المقدّس» من تلك البقاع، مع أن تلك اللافتات والأعلام تتأثر كأي منتج أو سلعة ببلد المنشأ والتطور والظروف.

هذه اللافتات تشكّل مادة ثريّة بحاجة إلى دراسة لتتبع التغيّر الطارئ على المادة والمضمون، وتتراوح أسعارها بين الأسعار الزهيدة والغالية بحسب جودة المنتج.

دينيا، نجد حالة من «التغاضي» - إن صحّ التعبير - عمّا تحويه هذه اللافتات من «تابو» التجسيم والتصوير، وكأن هناك حالة من التهيّب دفعت ولاتزال تدفع إلى تحريم الخوض في أيّ شيء له اتصال بحادث كربلاء شكلا ومضمونا. فاللافتات حافلة في فترة ماضية بالتجسيم والرسوم، فتتصوّر أنك في متحف إيراني لآثار تعود إلى ما قبل الإسلام، فالمنمنمات التي تصوّر واقعة كربلاء تنحو في تصويرها منحى أساطير الأبطال الفرس كرستم وداريوش حتى على مستوى سُحنة الوجه، مع عبارات تحيل إلى كربلاء.

ولا أزال أذكر السجّادة الكبيرة التي كانت توضع خلف منبر مأتم بن سلوم حتى نهاية الثمانينيات، وكيف صوّرت أبرز حوادث كربلاء بمشاهد منتخبة وكأنك تشاهد شريطا سريعا. إلا أنه ومع الأيام التالية خفت ظهور تلك الرسوم، لتظهر أخيرا قطع سجاد صغيرة برسم متخيّل للإمام الحسين بجودة عالية.

إلى جانب السجّادات الإيرانية ذات الرسوم الفنيّة التي انتهى وجودها، هناك لافتات تعمد إلى تضمين عبارات بسيطة تذكّر بأهل البيت مع تطريز يمثل رمزا من رموز كربلاء، كتخيّل فرس الحسين أو يد العباس المقطوعة والقربة المثقوبة بالسهم، في دلالات مباشرة إلى مآسي كربلاء. والملفت الضعف الفني فيها، فهي لا تتطلّب خبرة كبيرة كالسجاد، ويلاحظ فيها الإقحام غير المبرّر لاسم الإمام الرضا باعتبار بلد المنشأ.

وطبيعي أن تكون حصّة الفارسيّة من النشرات بارزة سواء على مستوى الأخطاء اللغوية «إمام حسين» مثلا، أو من خلال بعض الأشعار الفارسية، مع الحرص على ترك مساحة فارغة لرصد اسم الواقف ومعلومات عنه.

مضافا إلى السجّاد الفنيّ واللافتات البسيطة، وُجدت أنواع من السجّاد الطوليّة التي تخصّصت في كتابة زيارات مثل «عاشوراء» أو «وارث» بخطوط فارسية بديعة على سجاد فاخر. وقد أوشكت هذه الظاهرة أن تنتهي من البحرين مع اتجاه كثير من المآتم إلى كتابة الزيارات على حجر الرخام ليكون عنصرا في بناء المآتم الحديثة.

في حقبة التسعينيات بدأ الذوق العام يتجه إلى التركيز على الكلام أكثر منه على التصوير، إذ ظهرت قطع السواد المتضمنة لعبارات بخط فارسي جميل، وتأسيا بها ظهرت لافتات من الإنتاج المحلّي لم يكتب لها النجاح. ومع زيارات الشيعة العرب لإيران، أخذ الإيرانيون يتحولون إلى الذوق العربي شعاراتيا، فقلّت الأخطاء الإملائية وشاعت العربية، مع بقاء التركيز على اللون كقيمة تضاعف من تأثير المنتج.

ومع انكسار سطوة البعث العراقي، وردت البحرين لافتات بدائية برز فيها النَفَس العراقي المشوب ببعض الزهو الإيراني على مستوى الشكل، إلا أن اليافطات العراقيّة «المطبوعة لا المنسوجة» في البداية لم تخرج عن القانون الفارسي، فيما لم تخلُ من الصور الأبرز (قبة الحسين، الخيل..)، ثم تطورت مع نهاية التسعينيات إخراجا وبدت خالية من الأخطاء اللغوية، وأصبحت منتجا مطلوبا، لكونها ألصق مكانيا بموضع الحادثة، ولتأثير المشاعر العروبيّة.

ولعلّ الزائر لكلا البلدين يلحظ اهتمام الإيرانيين والعراقيين بشراء مستلزمات عاشوراء طوال أيام السنة بغض النظر عن مكان المنتج، وذلك حينما يرتادون الأسواق القريبة من المزارات الدينيّة التي تكون بضاعتها في العادة وككلّ الأماكن الدينية المقدسّة محصورة فيما يعين على الطاعات والقربات.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://www.alwasatnews.com/news/272893.html