لبنان ضرورة عربية
كان لبنان ولايزال ضرورة عربية. هذا البلد الصغير بحجمه وعدد سكانه وموارده غني بتراثه وتنوعه وطاقات أبنائه، والذين ينتشرون على امتداد العالم. لبنان هذا الذي أول من ابتدع الحرف، وأقام إمبراطورية الفينيقيين ليس بالقوة العسكرية، ولكن بالتجارة الحاذقة والمنافع المتبادلة، لبنان اليوم يتعرض لحملة ظالمة من إخوانه وعقاب جماعي من أشقائه. لنتذكر في الخليج أفضال لبنان علينا عندما لم تكن لدينا جامعات أو معاهد عليا كيف احتضنت الجامعات اللبنانية، وهي من أرقى الجامعات العربية والعالمية أبناء الخليج، وكيف خرجت الجامعات اللبنانية الكثير من الكوادر من الأطباء والمهندسين والاقتصاديين وغيرهم من ذوي الاختصاصات، رجالاً ونساءً. وعادوا إلى بلدانهم والتي كانت متخلفة ليسهموا في تقدمها وتطورها ومنهم وزراء وتجار كبار واختصاصيون.
لبنان كان واحة الحرية، عندما كان الوطن العربي محكوماً بالاستبداد بمختلف تجلياته جمهوريات وملكيات، عسكراً وإقطاعاً، حيث كان لبنان يفتح أذرعه للمضطهدين، والمطاردين والمغضوب عليهم في بلدانهم وينخرطون في الحياة اللبنانية من دون إحساس بالغربة. لبنان حيث مطبعة العرب التي لا تتوقف لطبع كل ما هو ممنوع ومحرم في أراضي العرب، لبنان حيث يتوجه الفنانون والمبدعون والكتاب ليبدأوا من هناك، وحيث يجدون الاحتضان والرعاية، لبنان له أفضال كبيرة على العرب. وقد دفع لبنان دائماً ثمن هذه الحرية. العرب وجيرانهم وجدوا في تسامح اللبنانيين وانتهازية بعضهم أيضاً الفرصة ليصفوا حساباتهم على أرضه، فكل منهم يريد الحرية له وليس لغيره، ويريد من لبنان أن يتبعه ولا يميل للآخرين. خاض العرب وجيرانهم للأسف حروبهم على أرض لبنان، ودفع لبنان الثمن غالياً من أرواح أبنائه وخراب اقتصاده، وهكذا تحولت بيروت، باريس الشرق، إلى مدينة مدمرة ومقسمة.
وعندما تفاهم العرب وحلفاؤهم، بموجب اتفاق الطائف في 1989، استعاد لبنان مسيرة البناء والإعمار، لكن ذلك لم يدم طويلاً بعد أن عاد العرب والقوى الإقليمية إلى الاختلاف وفي ظل وجود الكيان الصهيوني، حيث يمثل لبنان أكبر تحدٍ للنموذج الصهيوني العنصري، بالتنوع والتعايش اللبناني بمختلف مكوناته وإبداعات أبنائه، وحيويتهم.
ليس اللبنانيون ملائكة ولا هم شياطين، وليس كل اللبنانيين نزيهين بل فيهم انتهازيون، وليسوا كلهم بريئين بل فيهم مذنبون بحق وطنهم، عندما قبلوا أن يكونوا أدوات بأيدي الغرباء ممن استخدموهم أدوات ضد إخوانهم وضد وطنهم. وليس لبنان مثالياً، وخصوصاً الحكم في لبنان القائم على المحاصصة الطائفية، وارتهان غالبية القوى السياسية للقوى الأجنبية؛ ولكن الشعب اللبناني بمجمله، ولبنان الوطني لا يتحمل وزر هؤلاء الأنانيين، ولا يتحمل وزر الصراعات العربية العربية والإقليمية والدولية، من هنا يتوجب وضع حد لعقاب الشعب اللبناني بجريرة سياسية، وعقاب لبنان يعني عقاب الشعوب العربية بما فيها الخليجية، التي ترتبط بلبنان برباط الأخوة القومية والتاريخ، والمصالح والقربى.
يجب التعامل مع لبنان بأنه واحة للحرية، ومصيف ومشتى العرب، حيث ينعم زواره بالراحة النفسية والسعادة ولو لوقت، وحيث يجد الكاتب والفنان والمبدع والملاحق واحة يلجأ إليها وسط الصحراء العربية القاحلة بقوتها المعنوية وليس المادية فقط.
رحمة بلبنان ورحمة بنا. لبنان هو الوحيد بين العرب الذي هزم عدو العرب إسرائيل، وهو الوحيد الذي استطاع أن يردع إسرائيل لئلا تفكر بالنيل منه. لبنان يأوي ملايين من اللاجئين العرب عبر أجيال، اتركوا لبنان بعيداً عن صراعاتكم وتصفيات حساباتكم، ودعوا لنا لبنان نتنسم فيه عبق الحرية والحب والسعادة ولو لحين.



