من الوثائق البريطانية... بريطانيا رفضت الوجود الأميركي في البحرين
في مقال نشره موقع http://www.qdl.qa ويستند على معلومات مستقاة من الوثائق البريطانية المنشورة مؤخراً في الموقع نفسه، بالتعاون مع المكتبة البريطانية، يذكر الباحث لوي أولداي أن الولايات المتحدة الأميركية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، سعت إلى تأسيس قنصلية لها في البحرين، ولكن بريطانيا التي كانت المسئولة عن العلاقات الخارجية رفضت الطلب الأميركي.
فتحت عنوان «البروباجندا الأميركية في البحرين بعد الحرب العالمية الثانية»، كتب أولداي المتخصّص في تاريخ الخليج العربي، أن الحكومة الأميركية سعت إلى تأسيس «قنصلية لها في البحرين ومنذ 1942 ظلت تكرّر طلب الإذن من بريطانيا للقيام بذلك»، وقد رفض البريطانيون الطلب حرصاً منهم على عدم «إتاحة منفذ إلى البحرين لأي دولة أجنبية أخرى - حتى لأقرب الحلفاء».
رغم ذلك، بدت الولايات المتحدة الأميركية آنذاك حريصةً على أن تمد نفوذها إلى دول الشرق الأوسط، ومن الوسائل التي اعتمدتها في التعريف بنفسها لتلك الدول هي إرسال بعض النشرات التعريفية بالولايات المتحدة. يذكر أولداي: «في يناير/ كانون الثاني 1946، تم إرسال عدد من النشرات الصادرة عن مكتب معلومات الحرب التابع للحكومة الأميركية عبر البريد إلى الشيخ خليفة بن محمد آل خليفة (رئيس قوات الشرطة آنذاك). هذه النشرات تضمنت معلومات عن جوانب متعددة من قبيل جغرافية الولايات المتحدة، وطبيعتها وسكانها، ومعلومات حول الحكومة الأميركية وكيف تدار الدولة، بالإضافة إلى بعض المعلومات التي تُعنى برعاية الأطفال وصحتهم في هذه البلاد. كما ضمت بعض النشرات صورة تمثال الحرية وحديثاً حول دور الولايات المتحدة الأميركية ووقوفها إلى جانب الشعوب التواقة للحرية.
يلفت كاتب المقال إلى أن وصول هذه النشرات المرسلة لقائد الشرطة في البحرين، إلى يد الوكيل السياسي البريطاني في البحرين يعد مؤشراً على «عمق سيطرة بريطانيا على البحرين خلال هذه الفترة». ويختم أولداي مقاله بالإشارة إلى أن هذه الوثائق «تسلط الضوء على وجود تنافسٍ إمبرياليّ متنامٍ بين الولايات المتحدة وبريطانيا (آنذاك) حتى ولو كانت الدولتان تحاربان في خندق واحد كحليفين مقربين إبان الحرب العالمية الثانية».
وفي مقال آخر للباحث نفسه نشره أيضاً موقع http://www.qdl.qa، يتحدّث أولداي عن التناقض في السياسة البريطانية بين الدعاية التي توجّهها للشعوب العربية، وللبحرين بشكل خاص، وبين الواقع الذي تعيشه هذه الشعوب في ظل الهيمنة البريطانية. ففي مقالٍ كتبه اعتماداً على ما جاء في بعض سجلات مكتب الهند التي نشرت مؤخراً وجاء تحت عنوان «من أجل الحرية»: «ملصقات الدعاية البريطانية إبان الحرب العالمية الثانية باللغة العربية»، يتحدّث الباحث عن وجود ملصقين دعائيين «نادرين من ملصقات الدعاية البريطانية إبان الحرب العالمية الثانية»، وُجدا بشكل مفاجئ في ملف خاص بالشئون المالية «لأن الحسابات المالية التابعة للحكومة البحرينية كانت مطبوعةً على ظهريهما. ويبدو أن الوكيل السياسي البريطاني في البحرين قد استخدم الملصقات بدلاً من الأوراق العادية نظراً لوجود نقصٍ في الإمدادات بسبب الحرب العالمية الثانية».
يحوي الملصق الأول صورةً لمجموعةٍ من الفتيان والفتيات البريطانيين وكأنهم يعقدون جلسة برلمانية في إشارة إلى الديمقراطية البريطانية، مقابل الدكتاتورية الألمانية في تلك الفترة، بالإضافة إلى ما توحيه الصورة من اهتمام بأبناء الجيل الصاعد ودورهم في خدمة بلدهم. وقد كتب أسفل الصورة «تدريب الشعب: أولاد وبنات بريطانيا يتباحثون في إعادة تخطيط لندن».
أما الملصق الثاني فيحوي ثلاث صور. صورة لفتى يعاين إحدى المكائن، وصورة أخرى لمجموعة من الشباب يتفقدون ماكنة صناعية وكأنهم في أحد المصانع، والصورة الثالثة والأكبر فتعرض لمجموعة من الفتية بالزي العسكري البريطاني يتقدمهم فتى بزيه العسكري أيضاً وهو مستلقٍ على الأرض ويوجّه سلاحه وكأنه في ساحة معركة. وقد كتب أسفل الصور «يتمرن طلبة مدارس بريطانيا اليوم ليكونوا صناع وجود الغد».
اللافت في كلا الملصقين المكتوبين باللغة العربية والموجهين للشعوب الخاضعة للهيمنة البريطانية في تلك الفترة، هو وجود شعار «من أجل الحرية» في كليهما. وتعليقاً على ذلك كتب أولداي: «يُعتبر استخدام هذا الشعار ساخراً، نظراً لكون بريطانيا قوة استعمارية عالمية في ذلك الوقت، ولها مسئول سياسي في البحرين اعترف علنياً أن بريطانيا رفضت منح حرية التصرف للبحرين. وفي الواقع، كان العديد من الأفراد المستهدفين بهذه الملصقات المكتوبة باللغة العربية يعيشون تحت هيمنة الإمبراطورية البريطانية».
ويضيف أولداي: «كان هذا حقيقياً، وخصوصاً في حالة البحرين. فعلى الرغم من أن هذه البلاد لم تكن يوماً جزءاً من الإمبراطورية البريطانية بشكل رسمي، إلا أن هناك معاهدات أُبرمت بين الحكومة البريطانية والبحرين في القرن التاسع عشر والتي أعطت بريطانيا السلطة للتحكم في العلاقات الخارجية للبحرين، مما أدمج هذه الدولة في النظام الإمبراطوري البريطاني».
يحوي هذان المقالان بعض المعلومات والإشارات اللافتة. من أبرزها أن الاستعمار ما هو إلا وجه من وجوه الهيمنة، وأن الدول القوية بإمكانها أن تفرض نفوذها بوسائل أخرى غير الاستعمار المباشر. فالبحرين في تلك الفترة لم تكن مستعمرةً من المستعمرات البريطانية، ورغم ذلك كان النفوذ البريطاني واضحاً من خلال المعاهدات والاتفاقيات المتبادلة.
إثارة أخرى يطرحها المقالان تتمثل في اختلاف الخطاب بين ما يخص الداخل البريطاني وما يوجّه للخارج. فالملصقات الدعائية التي كانت تُمهر بشعار «من أجل الحرية» كانت توجه للشعوب الخاضعة للنفوذ البريطاني. وفي مقابل الشعب البريطاني الذي يرمز له بالفتية الذين يناقشون ويتعلمون ويحرسون أوطانهم دفاعاً عن التطور والتقدم والحرية، كانت الكثير من الشعوب تخضع للنفوذ البريطاني في تلك الفترة.
من جهةٍ أخرى، يبدو الرفض البريطاني لافتتاح القنصلية الأميركية لافتاً، خصوصاً مع انتساب كلا البلدين لجبهة الحلفاء في الحرب العالمية الثانية. هي السياسة والمصالح المشتركة التي جمعتهم في الحرب، وهي السياسة والمصالح المختلفة التي جعلتهم في تنافسٍ لبسط السيطرة والنفوذ في منطقة الشرق الأوسط.



