أهلا وسهلاً بكم أعزائي المستمعين في حلقة جديدة من برنامج "مسامرات ثقافية" والذي نستضيف فيه في كل لقاء مبدعاً أو مثقفاً أو ناقداً لنحلق في أفق تجربته الإبداعية والثقافية ولنكون ضيوف عليه فنعيش معه لحظات في أفق أجمل.
- يلذ لنا في هذه السانحة أن نحلق إلى حيث يأخذنا الشاعر حسين فخر بأحلامه في مقابلة تستقرأ الأطر التواصلية ما بين الباث والنص والمتلقي وما حولهم من أجواء وضلال ولننظر إلى أي مدى يمكن إعادة شيء من الإيمان بجدوى الشعر في زمن تتفتت فيه الذات لأشلاء حيث لن يبقى لها إلا ذاتها، وفي هذه المقابلة دخلنا مع الشاعر حسين فخر في أضلة نسجه لنفسه فتساءلنا عن الحلم تارةً وعن ما خلفه من انشغالات إلى ما وراء استعاراته وحدود كونه الشعري ومدى تطويعه للغته إلى حواره الخفي أو الظاهر مع الرفقة الشعرية، حيث تصعد النبرة ثم تهبط ثم تختفي ثم لا شيء إلا الغبار، ثم إلى انجاز نصه عبر الذات أو الأخر ثم إلى جدوى الشعر حيث لا ملاذ للذات إلا بالشعر الذي يعيد لها ألقها علها تلتقط أشلائها وتهب من وهدة إلى رماد أخر، مرحباً بك الشاعر حسين فخر في هذا اللقاء في "مسامرات ثقافية".
أهلاً وسهلاً
- إلى أين يأخذنا حسين فخر بأحلامه الشعرية وما حلمه لنفسه وما حلمه لقارئه؟
أحلم أن أضع البحر في قنينة والضوء في كيس بلاستيكي وأصعد بهما للطابق الثاني حيث أسكن وأنام مطمئناً أيضاً بأنهم لن يهربا مني ثانية، كما أحلم بقارئ نسى أخذ حقنة تطعيمه ضد دوار البحر ولا يلبس نظارة شمسية.
- أبو علي ألا تفترض أن في إجابتك نومة غرور فحين نام المتنبي ملئ جفونه عن شواردها كان منشغلاً بالتعبير عن هموماً كبرى بينما ينشغل الشاعر الآن بالهموم الصغيرة هل من تغير في البوصلة الشعرية.
وسأفترض أيضاً أنه استغل آلته الشعرية ليوهمنا بذلك، فأبوالطيب المتنبي لم ينم كان مشغولاً بصناعة الحب مشغول إلى حد إقناعنا أنه نام عن شواردها وسأفترض أنني غير مشغول بقضايا الكون الكبرى بقدر انشغالي بتفاصيل الإنسان الصغيرة، لقد خدعنا المتنبي لأن آلته الشعرية تعمل بمحركين نفاثين ولأننا أيضاً بحجم الخديعة ومهيئون لها.
- كيف تأثث كونك الشعري وما الأشياء التي تستهويك حينما تكتب القصيدة؟
أحب طائرة البوينق طراز 747 أمكث الطائرة العمودية لأنها أقل من أن تقل، أحب الطيارين والمهندسين نحن أصحاب كار واحد، قد تسألنا ما علاقة الكون الشعري بطائرة البوينق ما المساحة المشتركة مثلاً والهندسة ؟؟؟ القصيدة التي لا تطير ولا تمتلك أنظمة ملاحة جيدة تفتقر إلى السمو تفتقر إلى وظيفتها الأساسية، لا أتعامل مع النص أو مع القصيدة باعتبارها نص شفهيا فحسب لذلك أعمد إلى الهندسة الداخلية.
- جميل، انتهيت إلى الكلام عن النص الشفاهي، وفي الكلام عن النص الشفاهي يفترض النص الكتابي أيضاً بعيداً عن ثنائية الشفاهية والكتابية أو حتى قريباً منهما إلى أي مدى تستهويك الحداثة المتواصلة في النص القديم والتي تتجاوز أحياناً الكثير من المحدثين.
علاقتي وطيدة مع المتنبي كما هي وطيدة مع أبي فراس الحمداني أقف محترماً ما أفرزه العصر الذهبي تحديداً، هل تعلم ما هي مشكلة الحداثة هي اقتراح القطيعة وممارستها دون الالتفات للقيم الفنية والجمالية للنص أتذكر رأي مماثلاً لرونار برت يشير فيه إلى سبب إخفاق المشروع الحداثي في المشرق العربي يرجع إلى أنهم حاولوا الانطلاق من لا شيء، ثمة نص قديم يغرق في حداثته ضمن المعاير الفنية وثمة نص حديث أشبه بالمحاولة الأولى لكتابة قصيدة المشكلة ليست في الشكل فحسب المشكلة في فهمنا للحداثة باعتبارها قطيعة لذلك لا أعجب إذا صادفت شاعراً حداثياً لم يسمع بأبي العتاهية مثلاً.
- بدأت في إجابتك مع المتنبي وانتهيت إلى لأبي العتاهية وجرت الإجابة أسماء كثيرة، هل يصنع الشاعر موضعه بنفسه أم يصنعه عبر الآخرين؟
شجرة التفاح تحتاج لأن تكون مثمرة لمساحة ضوئية مناسبة كما تحتاج إلى تربة هشة طينية هشة الشاعر شجرة التفاح لا يمكن له النمو فوق كعب أسمنتي، الشجرة تصنع نفسها من خلال التمثيل الضوئي والآخرون يكتبون القصيدة قبل الشاعر في أوقات كثيرة وأحايين كثيرة، لذلك القراءة هي تمثيل الكتابة.
- هل الجماعة الشعرية حقيقة أم هي نسق مصطنع للقراءة.
هذا السؤال يقترح صيغة قطعية لكي تسأل لماذا المطر عليك أن تدرس سلوك السحب وسيرتها الذاتية، لا يمكن للسحابة أن تمارس مهمتها خارج جمهرتها خارج هذه الجمهرة وأجد أن من الصعوبة أن نفهم المطر أيضاً من غير اقتراح هذه الجمهرة.
- هل هذا اعتراف ضمني بالآخرين المجايلين بعد معارك سابقة أثارت جلبة وتصريحات متطايرة هنا وهناك؟
إذا كان رأيي مختلفاً عما قلته سابقاً فهذه فضيلة، الحية التي لا تغير جلدها لا تستحق الحياة كما يقول نيجين، ما قلته سابقاً أن الكتابة ما هي إلا كتابة على كتابة، المشهد لوحة فسيفساء إيرانية تحتاج لقطع كثيرة جداً صغيرة وكبيرة أيضاً حتى يكتمل المشهد، بالنسبة لي لم أخض حرباً ضد أي أحد من قط، وغير مشغول بهذا أنا مشغول بما أنا فيه، قلت رأيي الشخصي ولهم أن يقولوا أو يتقولوا فهذا شأنهم.
- حسين فخر أين يضع أسمه بين الأسماء التي تجايله وتجايل تجربته زماناً أو مكاناً؟
أضعه في الموضع الذي يضعه أي شاعر يحترم قيمة ما يكتب، وقد قلت من قبل أنني أنتمي إلى حاصل جمع قائمة كبيرة مما كتب، للشاعر خواص قريبة من خواص الإسفنج أنا لست يتيماً أسيئ فهمي لأسباب عاطفية وسيساء أيضاً لكنني سأعيد ما قلته بأيماني بأنني كل هؤلاء، أنا بوذي جداً في هذه المسألة وغير منشغل بالأبوة الروحية بقدر انشغالي بأداء روبرت دنيرو.
- كأنك تراوح بين أن تكون أباً في جيلك بينما لا يضيرك الاعتراف ببنوة لمن سبقك؟
ولما كل هذا القلق لا تشعرني بأنني بحجم منطاد.
- لماذا تخلخل الأيمان بجدوى الشعر، وإلى أي مدى مازلت تؤمن بجدوى الشعر في هذا الزمن الذي أبتعد كثيراً أو يحاول يبتعد عن الحالة الشعرية؟
أنت تحاول فتح الأندلس على حصان شمعي، هل تؤمن بأثر الفراشة، هو كذلك تلك هي الجدوى أنا مؤمن بفتنته وهذا ما يجعلنا أغض الطرف عن جدواه تكفينا حالة الإقامة على الماء الشعر نوع من البذخ الفاخر إذا أردت أن تكون حواريه فإياك أن تسأل ماذا بعد ذلك هو هكذا مثل الرمح الأعمى.
- كأنك تحيلني إلى إستراتيجيتك الشعرية وأنت تكتب؟
هذه الإحالة يمكن أن نسميها بجدوى الشعر.
- من هو قارئك الضمني الذي تفترضه وأنت تصنع القصيدة وأن تكتب، من هو متلقيك؟
لا أجد وصف علمياً أو شعرياً في لحظة الكتابة هذه حالياً وأن أتلقى مثل هذا السؤال الذكي لذلك أقترح أن نتحدث فيما قبل اللحظة وقد شبهت الشاعر سابقاً بدودة القز هل أضيف هو نحلة جبلية ويمر بكل ما تمر به العملية الإنتاجية يعطي مما يأخذ لم يبقى متسع للافتراضات إذاً هل وجدت القارئ الضمني لدي.
- كأنك تفضل الهرب إلى مناطق سابقة للرصد أو متأني أو متأبي على الخمس؟
هذه مكونات الطبخة أعطيتك هذه المكونات وهذه سر الطبخة، أما طريقة التحضير فكل طاهي ملعقته الخاصة.
- أجدني كلما أخذتك إلى حبسة الضوء حتى نكشف ما وراء نصك أخذتنا إلى ضلال الاستعارة وما تخبئه وراء نصك فتصوغ نصاً أخر خلال هذا اللقاء، ما النسق الذي يصدر عنه حسين فخر فيجعل من نصه يصل، هل هي الصورة الذهنية عنه كشاعر أم المكانة الثقافية للشعر أم المحتوى الشعري الذي يصوغ فيه نصوصه؟
النص أو زهرة النص تحتاج إلى ضل ذي ثلاثة شعب يحتاجه بشكل مجتمع لا يمكن قراءة محمود درويش خارج ما تقترحه سيرته الذاتية خارج ما تقترحه مشاغله النضالية التي أفرزت محمود كما لا يمكن التعاطي مع نصه دون الالتفات لسلطة أسمه التي حفرها بكم هائل من الموسيقى الأخرى، وفي الحالتين لا تستطيع تلقي محمود بوصفه محتوى شعرياً فقط.
- هل تعول على المتلقي في نصك، أم تعول على النص نفسه؟
علمياً يمكن للإنسان أن يعيش برئة واحدة إذا كانت تؤدي وظيفتها الفسيولوجية بصورة صحيحة.
- أصر مرة أخرى هل تنجز معناك عبر ذاتك أم عبر النص نفسه أم عبر المتلقي وعلى أيهم تراهن؟
في هذه أنا لست بوذياً كما قلت لك مسبقاً لكنني أقرب إلى الصوفي الحلولي وإن كان ولا بد من إجابة لا تحتمل المراوغة فأنا أضع النص أولاً وأثق في الأخر مع هامش جيد للخطر النصر ردائي أخرج مستتراً به مع أنه شفاف جداً.
- شكراً حسين فخر على هذا اللقاء أعتقد أننا هكذا قطعنا المسافة التي كلما حاولنا معك عبرها أن نأخذك إلى فسحة الضوء أخذتنا إلى فسحة الضلال حيث يلذ لك أن تذهب دائماً ولعلها لعبتك التي تجيدها والتي كلما قطعتها أثرت الكثير من الجلبة لكنك في كل مرة كما في هذه المرة عدت لتمسح الغبار المتطاير من معارك سابقة، في النهاية شكراً لكم أعزائي المستمعين وإلى لقاء أخر في "مسامرات ثقافية" قادمة.