أهلاً وسهلاً بكم زوار الوسط اون لاين في محطة جديدة من برنامج مسامرات ثقافية
ويسرنا أن نلتقي بالشاعر كريم رضي فأهلاً وسهلاً به...
• الشاعر كريم رضي؛ أصدرت ديوان "أحاديث صفية"، في هذا الديوان تقول:
أنا يا صفية هذا الكلام
رماني على حجرٍ طيّبٍ
أنا يا صفية شمس المنام
أنا وصفية لصان
صفية تلعب بي
وتمنحني عرسها طفلة
وصفية تكبر في اليقظات
صفية أيقونة الوجد
يا لصفية...
إلى آخر الاستعارات التي أكثرت فيها من مفردة صفية أو اسم صفية، من هذه صفية التي يتخذ منها الشاعر قناعاً ليقول ما يريد؟ هل احتملت كل ما أردت قوله حتى توقفت عن النشر طويلاً؟
- أنا دائماً كررت في الرد على هذا السؤال على أننا نحن كثيراً ما نكون مفعمين بفكرة أن الرمز أو مرجعية القصيدة هي سابقة على القصيدة، ولكن أنا أعتقد أن العكس، لكي نتحدث عن صفية ليس بالضرورة أن تكون صفية موجودة قبل القصيدة، إنما هي قد توجد قبل القصيدة، فالقصيدة هي البداية للعالم لا تلتهي القصيدة عن العالم، العالم يتكي على القصيدة، وبالتالي اليوم مهمتي أنا كشاعر ومهمة أيضاً القارئ أن يبحث عن صفية بعد قراءته القصيدة وليس قبلها.
ما أريد أن أقوله إن صفية جاءت من القصية ولم تأتِ القصيدة من صفية.
• إذاً، صفية في هذا الديوان هي معطىً جديد، صناعة جديدة، صورة جديدة، ليست صورة سابقة. إذاً، الجزء الآخر من السؤال، أعود إليه، وهو هل احتملت كل ما أردت قوله حتى توقفت طويلاً عن النشر؟
- لا أعتقد أن هناك بالنسبة للشاعر مفردة أو قصيدة أو ديوان حتى بأكمله أو مجموعة من الدواوين تحتمل كل ما يريد أن يقوله، لو لم يبقى من الدنيا إلا يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتى يكمل شاعر قصيدته.
فأنا أعتقد أن الشاعر يموت ومازال في نفسه أشياء كثيرة لم يقلها، ومازال أكثر ما يحلم بأن يقول كل ما يريد قوله، لا أعتقد طبعاً. ولكن التوقف عن النشر، وهو طبعاً مختلف عن التوقف عن الكتابة، لأن النشر مسألة أخرى في الكتابة. التوقف عن النشر له أسباب عملية أكثر مما هي أسباب إبداعية، أسباب ترتبط بالانشغالات، ترتبط بأولويات، نحن للأسف بشكل عام، ماعدا قلة من الشعراء، بشكل عام لا نضع الشعر ونشر هذا الشعر والوصول إلى قارئ الشعر في أولوياتنا، غالباً ما تسبق هذه الأولويات أولويات أخرى تتعلق بالحياة وبالعمل وبأمور كثيرة.
• أعتقد سنعود إلى هذه الجزئية بعد قليل، ولكن أقول في قصيدتك اعتماد كثير على ثيمة البوح التي تصنعه المناسبة أحياناً، وقد يأخذك الإيقاع لأن تردد كلمة ما، فتكون هي مفتاح القول لديك، كما هي حالة صفية أو كما هي بعض القصائد الأخرى...
- أنا لابد أن أذكر هنا أنني في الأصل شاعر مناسبات بامتياز، ونشأت في هذا الجوّ وبدأت أكتب الشعر في هذه الأجواء واستمريت لفترة طويلة أكتب الشعر في هذه الأجواء ولازلت الآن على خجل - ولست كما كنت سابقاً - أراود هذه الكتابات، فلا مناص من أن تكون قصيدتي ليست قصيدة مناسبة بالمعنى المتعارف عليه ربما، ولكن هناك مناسبة معينة تتحكم في هذه القصيدة أو في أجواء هذه القصيدة، والمناسبة هي قد تكون ثيمة معينة، وقد تكون فكرة محددة ملحة أكثر مما هي تداعيات، ربما لدى الآخرين الذين لم يأتوا في الأصل بشعر المناسبات، غالباً لديهم قصيدة لتداعيات متتالية، بحيث إنك لا تجد ثيمة معينة أو تجد جوهراً للقصيدة هذه وإنما عدة جواهر.
بالنسبة لي أنا أعتقد أن كتابتي لفترة طويلة لقصائد المناسبات واستماعي إليها أيضاً جعل عندي القصيدة تكاد تكون جاهزة قبل كتابتها، فأنا غالباً ما تكون عندي القصيدة جاهزة في ذهني، تقريباً على الأقل شطر كبير منها أو على الأقل الشطر الأكبر منها جاهز في ذهني وأردده قبل حتى أكتبه على الورق، وهذا طبعاً مسألة موروثة كوني ارتبطت لفترة طويلة بشعر المناسبات، الآن لا أريد أن أقول هذا إيجابي أو سلبي ولكن هذا هو واقع تجربتي.
• ولذلك أعتقد أنك تميل في كتابتك إلى وضوح قد تفضحه المناسبة أحياناً... هل تحاول عبر هذه العملية، تخليص القصيدة من الغموض حتى تكون قريباً من متلقيك؟
- أنا طبعاً مهتم جداً بموضوع المتلقي، وأنا أعتقد أنه نحن جاءتنا فترة بسبب كنا مضطرين لأن يكون لدينا ردة فعل على ما يطالبون بالاحتكام لذائقة المتلقي والاحتكام لذائقة الجمهور، جاءتنا فترة تطرفنا وقلنا كلاماً ربما لم نكن نعيه حول أن المتلقي ليس مهماً وحول أن ليس من المهم أن القارئ يفهم ما نريد قوله.
أنا أعتقد واقع تجربتي لا يقول ذلك، بالعكس أنا جداً مهتم بأن أصل وأوصّل للمتلقي ما أريد قوله، مع إتاحة المجال طبعاً لعدة تأويلات يملكها المتلقي ولكن أنا مهتم جداً بالشخص المتلقي وبإلغاء مسافة الغموض التي تفصل بين الكاتب والقارئ.
• في معجمك تجتمع مفردات مثل العشق والثورة، وأيضاً لفتات يصنعها الإحساس بالفجيعة أحياناً. هل تشعر أنك تأخرت عن زمنك قليلاً وأن هذه الحالة تراوح بين أن تكون موجودة وأن تكون قد تم تجاوزها؟
- طبعاً أنا أعتقد أن الشاعر دائماً مصاب بشعور أن الزمن يسبقه، معظم الشعر، وأنا أتكلم عن معلمنا الكبير قاسم حداد وغيره من الشعراء، دائماً أنت لما تقرأ في أشعار هؤلاء تشعر بأن هناك إحساساً بأن الزمن يسبقه وأن هذا الإحساس بالفقد والفجيعة إحساس بأن هناك أموراً كثيرة فاتته، وكان عليه أن يستدركها وأموراً كثيرة كان عليه أن يقولها.
فأنا أعتقد أن هذا أحد محركات الكتابة، هناك إحساس دائماً بأن الزمن أسرع مما نريد قوله أو أن الزمن أكثر تقدماً مما نريد البوح به، وهذا يولّد دائماً إحساساً بالفقد والفجيعة، والإحساس بالفقد والفجيعة هنا ليس فقط الكلام عن فقد الأشخاص ولا فقد الذكريات ولا فقد اللحظات، هو فقد أكبر من هذا، هو فقد للمعنى.
بالنسبة للشاعر، الفجيعة الأكبر هي فقد المعنى، فهو في لحظة معينة أو في معظم اللحظات يشعر أن هناك معينة تسرّبت من بين يديه أو تتسرّب من بين يديه، دون أن يمسك بها في اللحظة المناسبة، لأن المعاني بالرغم ما يقولون ملقاة على قارعة الطريق ولكن تحتاج لمن يلتقطها في الوقت المناسب.
• في قصيدتك شيء من سيرة ذاتية أحياناً، ماذا وراء هذا السرّد، أو الميل إلى السرّد أحياناً، حتى في مقالاتك وأنت تكتب شيئاً من السيرة أيضاً، ماذا وراء دسّ هذه السيرة في القصيدة، دسّ هذه السيرة في الكتابة؟
- أنا أعتقد أن الشعر بشكل عام هو سيرة ذاتية حتى لو لم يكن يتحدث بشكل مباشر عن السيرة الذاتية. ولكن ما يجعل هذا المسألة أكثر إلحاحاً في العالم العربي تحديداً أو في العالم الثالث بشكل عام، العالم الذي من الممنوع عليك أن تتحدث فيه عن سير الآخرين، ليس متاحاً لك أن تتحدث عن سير الحكام، لأن الحكام لا يقبلون أن تقول عنهم ما تقول، وليس متاحاً أن تتحدث عن سير المجتمعات، لأن المجتمعات أيضاً من قراء ومن جماعات اجتماعية وسياسية ليس متاحاً لك أيضاً أن تقول عنها ما تريد أن تقوله.
فالملاذ أن تتحدث عن سيرتك الذاتية، وليتك تسلم، على الأقل هذا أهون الأخطار وأهون الشرور، ربما لن يتدخل أحد في أنك قلت عن نفسك كذا وكذا.
• إذاً، هو هرب للذات...
- لك أن تسمي ذلك كذلك، ولكن طبعاً هو هرب لابد أن يكون إبداعي، طبعاً الفرق بين السيرة الذاتية في الشعر وفي النص الإبداعي عن السيرة الذاتية في النص التقريري أو النص التاريخي هو أن هذا الهدف الأساسي للسيرة الذاتية في القصيدة هو ليس الحديث عن السيرة الذاتية. الهدف الأساسي هو الشعر، وتأتي السيرة الذاتية كمادة مكوّنة للقصيدة.
العكس هو في نشر السيرة الذاتية بالشكل التقريري حيث تكون السيرة الذاتية وإبرازها وتاريخها وتوثيقها هو... بالنسبة للشعر ليس مهماً حتى أن تكون الأحداث فعلاً قد حصلت كما هي في تاريخ الشخص.
• تحمل على عاتقك أعباء جيل شعري، ولقد حاولت أن تنظر له في "إخوة عنترة"، هل تؤمن بأبوّتك للجيل التسعيني؟ ماذا يضيف التسعيني والألفيني للتجربة الشعرية؟
- لا أؤمن طبعاً بأبوّتي لهذا الجيل، ربما الأصح أن أؤمن بالإخوّة مع هذا الجيل، أخ أكبر ؟؟؟؟ لأن الأخ الأكبر عبارة "مش كويسة"، لأن الأخ في مصطلح جورج ارويل هو الشخص المهيمن والمسيطر، إنما أخ هو أخ حنون.
• أقول إنك نظّرت له في "إخوة عنترة"، وأيضاً ماذا يضيف الجيل التسعيني وحتى الألفيني للتجربة البحرينية الشعرية؟
- هو بالتأكيد كل جيل جاء للتجربة الشعرية البحرينية، التجربة الشعرية العربية، أضاف الكثير لهذه التجربة لأنه حينما نتكلم عن الجيل فإننا نتكلم عن مجموعة من الشعراء يخرجون في فترة واحدة، في موجة واحدة معينة مع بعضهم بعضاً، ويضعون لمساتهم على هذه المرحلة بما يبقي هذه اللمسات مستمرة لفترة من الزمن بحيث تطبع التجربة الشعرية في البلد بطابعهم.
وأنا أعتقد أن الجيل التسعيني مشكلته أنه أول جيل جاء في فترة انهيار الايديولوجيات الشمولية الكبرى التي شكّلت مادة خصبة، وانهيار الشمولية الكبرى، شكّلت مادة خصبة لفترة طويلة للتجربة الشعرية المعاصرة في البحرين.
هذا الجيل جاء – أستطيع القول – مع نهاية الثمانينات وبداية التسعينات، وهي المرحلة التي شهدت انهيار هذه الشموليات في العالم العربي وغيره. وطبعاّ هذا كان جيداً من ناحية لأنه جعل هذه الكوكبة أو المجموعة تأتي من غير وصاية مسبقة على إبداعها الأدبي، وأيضاً هو سيء من ناحية أخرى، لأنه ليس هناك ربما ما يربط هذه المجموعة بحيث تشكل موجة كما شكّلت السبعينيين أو الطليعيين الذين جاءوا بموجة الحداثة الشعرية والواقعية الاجتماعية في الشعر في البحرين.
هذه التجربة جاءت إلى حد ما تجربة أفراد، وحاولوا هم كما تعلم، حاولوا من خلال لقاءاتهم، ومن خلال عدة جلسات في أسرة الأدباء والكتاب، أو حتى جلسات الإخوانيات في بعض المنازل أن يؤسسوا هذا النوع مما تأسس في فترة السبعينات، ولكن هذا لم يكن ممكناً، لأن فقدان هذه الشمولية الضاغطة والمهيمنة والتي تدفع بهذا الجيل باتجاه محدد وباتجاه يضع بصمته على تاريخ التجربة الأدبية والتجربة الإبداعية، فقدان هذا الضاغط جعل هؤلاء الشعراء، وهو ما وصلوا إليه اليوم، أنهم جزر كأفرا، جزر منعزلة.
هذا الأمر لم يكن موجوداً في التجربة السبعينية التي جاءت في ظل حراك عربي وعالمي سياسي واجتماعي وثقافي أدى إلى أنك لما تقرأ لقاسم حداد في البحرين وتقرأ لعلي الشرقاوي في البحرين كأنك تقرأ شاعراً عربياً في موقع آخر، هذا النوع من توارد المفردات، هذا النوع من تماثل أجواء القصيدة بشكل عام، كل هذا لم يكن موجوداً في التسعينات.
وكما ذكرت هذا كان إيجابي من ناحية، وسلبي من ناحية أخرى.
بالنسبة للجيل الأخير، الجيل الحالي أو الجيل الألفيني، أنا أعتقد أن هذا مهمته أسهل من ناحية وأصعب من ناحية أخرى، هي أسهل لأن هذا الجيل، حتى في البحرين الآن أصبحنا في واقع جديد مختلف، على الأقل الجيل التسعيني عاصر فترة في البحرين مازال فيها الصراع مع التاريخ، مازال الصراع بين الثقافة والتاريخ صراعاً حاداً جداً، مازال التاريخ يمضي في اتجاه والثقافة تمضي في اتجاه آخر، كان هناك نوع من المواجهة.
من بعد مرحلة الانفراج الأمني والسياسي في العام 2000، أنا أعتقد تشكّل واقع جديد. أنا لا أقول الآن هناك أصبح بالإمكان الحديث عن صلح كامل بين المثقف والتاريخ في البحرين، لكن هناك واقع مختلف وبحاجة إلى مقاربة مختلفة، فهو سهل من ناحية الآن الصوت أصبح بإمكانه أن يكون مرتفعاً أكبر سواء في الثقافة أو في السياسة أو في غيرها، وبالتالي المبدع الآن لم يعد يخشى ما كان يخشاه المبدعون السابقون بأن يكون هناك رصد لكل مفردة ولكل كلمة، ولكن نشأت سلطات أخرى بإزاء سلطات الدولة الآن. يعني الآن سلطة القارئ وسلطة المجتمع لا يمكن إهمالها. فإذاً هناك صعوبات.
ثم السؤال الأهم الآن؛ عن ماذا س؟؟؟؟؟ إذاً؟ (الصوت مشوش هنا).
• هناك كنت تفرش وتنظّر إلى الجيل التسعيني في "سيرة عدنية"، "إخوة عنترة"، الآن أيضاً أجدك لديك فرش جديد للجيل الألفيني وهو جميل، هناك تحسس أحياناً من مفردة الجيل بالذات الجيل التسعيني، ما وراء هذه الحساسية، حساسية تسمية الجيل؟
- طبعاً نحن لابد أن نؤكد أننا حين نستخدم مفردة الجيل فنحن نستخدمها فقط لسبب إجرائي فقط، لا نقصد بأن هذه المجموعة كانت منفصلة تماماً عن بعضها البعض، وإنما كان في الجيل السبعيني لم يكن موجوداً في الجيل الثمانيني، وإنما كان موجوداً في الجيل التسعيني لم يكن موجوداً فيما قبلهم وما بعدهم. لا نقصد بالطبع هذا المفهوم.
فنحن نستخدم هذا المصطلح كمسألة إجرائية ونعتقد أنه مصطلح مشروع وهو موجود في جميع الفرشات النقدية في العالم العربي. كلها اليوم تتحدث عن عدة أجيال للقصيدة الفلسطينية وعدة أجيال للقصيدة في مصر وغير ذلك.
هذا أمر مشروع جداً لأنه بطبيعة الحال كل مجموعة من الجيل تمثل هموماً معينة وتمثل مشتركات معينة. ولذلك، أنا أعتقد هذا التحفظ بالنسبة لي غير وارد، أنا أعتقد أنه تحفظ مبالغ فيه، نقدر أن نقول فيما قاله أحد العلماء عن موضوع فصل المراحل الاجتماعية، قال إننا لا نستطيع أن نفصل المراحل الاجتماعية عن بعضها البعض بمقدار ما نفصل طبقات الأرض عن بعضها البعض، فكل طبقة من طبقات الأرض توجد فيها نسبة من الطبقة التي قبلها ونسبة من الطبقة التي بعدها. فهذا الفصل ليس فصل حدي هو فصل إجرائي فقط.
• ألا تحس أن هنالك شيء من الخوف من الخروج من أُبوّة الجيل السبعيني ومركزيته، لذلك حينما وُضعت مفردة الجيل التسعيني، الجيل الثمانيني لم توضع المفردة، لم تتشكل إلا بعد أن وُضعت فكرة الجيل التسعيني، فبعد الخوف على مركزية الجيل السبعيني وأُبوّته ورد هذا التحسس...
- أنا لاحظت الذين تحفظوا على هذا المصطلح، وهم أغلبهم ليسوا من السبعينيين، حتى نقول إنهم كانوا يدافعون مثلاً عن مركزيتهم في قصيدتهم البحرينية. أنا لا أريد أن أدخل في النوايا الآن، ولكن أعتقد أن الكلام عن التحفظ على هذا المصطلح ربما يكون مبالغاً فيه.
• أين ذهب الجيل الثمانيني، ما أهم ما تركه، أهو جيل عابر، ومن عليه أن يرسم الخريطة الشعرية الآن؟
- أنا أعتقد أن الجيل الثمانيني هو جيل فعلاً أهضم حقه في المقاربة النقدية في البحرين، لأننا إذا قرأنا كشاف الذي قام به علوي الهاشمي، كشاف الشعراء في البحرين أو كشاف الشعر المعاصر في البحرين، هو وصل إلى هذا الجيل ونشر فقط صفحة واحدة وكتب عليها "شعراء طالعون" أو "شعراء واعدون" الآن لا أتذكر العبارة، ووضع مجموعة من الشعراء مبشراً بأن هؤلاء هم الجيل القادم، ولكن لم تتم مقاربة هذا الجيل.
أنا أعتقد أنه يجب، أنا أتكلم عن أحمد العجيمي، أتكلم عن جعفر حسن، أتكلم عن أحمد مدن، نتكلم عن فوزية السندي، نتكلم عن فاطمة التيتون، لأنها سبقت الجيل التسعيني، نتكلم عن جعفر الجمري.
أنا أعتقد هذا الجيل – لأسباب – لم يتوفر لحد الآن لهذه الأجيال ناقد كما توفر د. علوي الهاشمي للجيل السبعيني، ناقد على استعداد أن يضحي ربما حتى بتجربته الشعرية من أجل أن يعطي الهمّ النقدي لهذه التجربة اهتمامه، كما أن هذا الجيل نفسه لم يقم أيضاً بما قام به الجيل التسعيني من مقاربة تجربته نفسه، من النظرة المعاكسة لتجربته.
• أين يجد كريم رضي نفسه وسط هذا الانشغال بالشعر، بالهموم العمالية، العمل، الثقافة، الكتابة في الصحافة، وأنت تقول: الشعر يعيد تشكيل العالم، هل استطاع الشاعر فيك إعادة تشكيل عالمك الخاص على الأقل؟
- على الأقل أنا أحاول بشكل كبير أن أشكّل هذا العالم، وأنا أعتقد أنه الآن مهمة الفن، مهمة الفن الآن تواضعت كثيراً، لم يعد الفنان الآن مهتماً بتغيير العالم، يكفي أن يغيّر نفسه. يكفي أن يجدّ على تغيير نفسه، وأنا أعتقد أن هذه معركة كبيرة.
نحن الآن نعود للحديث الشريف المأثور الأصيل: "ميدانكم الأكبر أنفسكم". فأنا أعتقد أنني أتمنى أن أستطيع أن أحقق هذا الشيء، ولكن فقط استدراك بسيط على موضوع تعدد الاهتمامات، أنا أعتقد في الشعر العربي ظللنا لفترة طويلة نعتقد أن الشاعر هو كائن يحلق وحده بعيداً، وأن الشعر لابد ألا يرتبط بالزمن، يكون فوق زمني. الآن لا أعتقد أن هذه المقولة أصبحت واردة. الآن الفقهاء أعادوا النظر حتى الفقه فقه زمني، وأصبحوا يقولون إن ارتباط الفتوى وارتباط الفقه بالزمن، فضلاً عن الشعر الذي في النهاية صناعة بشرية لا علاقة لها بالمقدسات ولا بغير ذلك.
• ماذا ينتظر كريم رضي ليجمع شتاته ويلمّ شعثه ويطبع شذراته وإبداعاته المستمرة؟
- أتقصد ديواناً آخر؟
• ديوان آخر شرحته في جزء من السيرة كأنما، بدأته في الكتابة النثرية أو في كتابة الشعر النثري، لك مجموعة من المقالات المختلفة الجميلة التي تنظر الحالة السياسية أيضاً الآن وترصد ما يجري، كتبت في الحالة العمالية... ماذا تنتظر لتجمع هذا الشتات، تلملمه، تطبعه، تقدمه للقارئ بشكل أو بآخر؟
- أنا في الحقيقة لا أعرف ماذا أنتظر، ولكن بالتأكيد أنا أنتظر، لكن ما أعرف ما الذي أنتظره، ربما أقول كما يقول صمغ بكد: "في انتظار غودو". لكن من أنتظر؟ شيء معين لا أدري ما هو، هو الذي سيجعلني أبدأ العمل على هذا الشتات، عموماً هو الآن لم يصل الإنسان إلى مشارف الخمسين كما يقول قاسم حداد في قصيدته "شك الشمس"، يتمنى أن يكون هو مخطئاً في الحساب، لأنه يشعر بأن الأيام تتسرّب من بين يديه، وهو لم يحقق الكثير مما يريد تحقيقه كإنسان أو كشاعر، وبالتالي أتمنى أن أكون مخطئاً في حساب السنوات أو في حساب الأحداث.
فأنا – بما أني على مشارف هذا العمر – أتمنى أن أنتبه لهذه النقطة.
• في نهاية البرنامج، لا يسعني إلا أن أتقدم لك بالشكر، ولكن ثمة فاصل قصير قبل أن ننهي البرنامج، أحب أن ننتهي بقصيدة من قصائدك ونسمع شيئاً من الشعر:
- أنا سأقرأ إحدى قصائدي الأخيرة "في مديح الطغاة" وهي قصيدة لم تنشر، إن شاء الله سوف تكون من ضمن ديواني المقبل، الذي أعرف متى سيصدر!
• ... وما اسمه؟
- "كلماتير"...
في مديح الطغاة:
الطغاةُ نواطير أحلامنا
يسهرون على رصدها
وهي تفلت منهم
سلاحف ملساء
تعبر مستنقعات السبات
كلما ابتكروا شَرَكاً
راوغتهم
وفرّت إلى يقظة الكائنات
الطغاة مساكين
لو يستطيعون ناموا بجانبنا
مثل زوجاتنا
ليقيسوا مساحة أحلامنا
بالمساطرِ
لو يستطيعون أن يدخلوا معنا حلماً واحداً
علّهم يسمعون شتائمنا
في منائمنا
فيحيلوننا للمحاكم
مُتهَمين بقلب النظام
في المنام
ويا ليتهم يفعلون
سيبدون في الحلمِ أجمل مما يكونون
في اليقظات
تيجانهم من كراتين
ملابسهم من قماش الدمى العائلية
ونحن سنبدو هناك أشجع مما نكون
سنرميهم دونما غضبٍ
برصاصاتٍ ليلكيات
حتى يفيض دمٌ أزرق من حليبٍ
ومن يضحكون
سنغني انتصاراتنا قبل أن نستفيق
على صرخة الساعة الأزلية
تقرع بالذلِ أجراسنا
يأسنا فاتحٌ في خطوط بيجاماتنا
خوفنا غامقٌ في انتفاخ الجفون
والطغاةُ نواطير أحلامنا
لا يزالون في نومنا يسكنون
• بهذه القصية نأتي على ختام برنامج "مسامرات ثقافية"، شكراً للشاعر كريم رضي على هذا اللقاء الجميل والفضفضة الحلوة... شكراً لكم زوّار الوسط اون لاين، وإلى لقاءٍ قادم من مسامرات ثقافية.