مقدم البرنامج: حبيب آل حيدر
أحيا الشاعر التونسي المنصف الوهايبي أمسية شعرية قرأ فيه مجموعة مختلفة من قصائده وذلك في بيت الشاعر إبراهيم العريض بحضور مجموعة من الشعراء والأدباء والمثقفين ورواد بيت الشعر البحريني. حيث استضافه مركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة للدراسات والبحوث.
وقد التقط ميكرفون برنامج مسامرات ثقافية لزوار الوسط أونلاين مقاطع من هذه الأمسية الضافة.
من قصيدة الأمة ( المنصف الوهايبي)
رماد ضوئك هذا اللّـــــيل أم حجـُــــــبُ أم مــــاء حزنــــك منـــهـــلّ فمنسكــبُ
أطـــاعك الموت أم حــــطّ الأفول عــلى ذراك أم نهـــشت من لــحــمك الحقــبُ
رماد ضـوئك هـذا اللّــيل أم مـــــــدنـــي تـنأى وحـــلمي وراء الغــيب محتجــب؟
إنّــي أخو شــجن بــاد ومكتمـــــــــــــنٍُ ومــاؤه في شغاف القلب منـــــــــســـرب
وأنت كـنــت وكـــان القوم لــو وهبوا ما دون أعـمارهم ضنّـــوا وما وهبوا؟
الواقفون بظلّ الموت مــــا وقـــفــــوا كأنّـــما كنــــفاه الـــــــماء والعشُبُ
شدّوا عــــلى الموت أنـــــيابا وأفئــدة كأنّهم مـــنه أو هــــم فيه قــد نشبوا
مِ البدء كان لهم فردوســـــــهم ولهم من حوره العين إن همّوا وإن رغبوا
الحاملات جرار النّور من عـــــــــدن وذوبهنّ كروم الشّــــام تــــــــحتــــلب
الواهبات وســادا خــافقا أبــــــــــــدا للعاشقين وهنّ الخرّد الــــــــــــــــعُربٌ
لكن عدتهم فتوح عن أطــــايبهـــــا فلم يعزّهــمُ بـــحر ولا حــــــــــــــــدَب
كأنّــما الأرض كـلّ الأرض مـكّتهـم تنهدّ في ســاحها الأوثان والـنّــــصُبُ
وكلّما امتنعت هــبّوا ومــا انتظروا أن ينضج التّــين أو أن ينضج الــعـنــب
دان الـزّمان لــهم والخيل مـــورية قدحا ودان وأفـــــراس الصّبا قصــــب
واليوم لا الأرض إن جاشت غواربها أرض ولا الأهل أهل حين ننتســـــــــب
وكلّ شِعب عوى ذئب به ســـــغــب وكلّ درب عوى كــلب به كـَــــــــــــلِبُ
كأنْ أبو لهب فيهم أبو لــــهــــب لم يصل نـــارا ولا أودى بــــــــــــه لهـب
كأنَّ" سورة تبّت" لم تكن نزلت ولا النبيّ بــنور الله يخــــــــــــــتضـــــب
كأنّ عائشةً تسبى ومــــــــــاريـةً كأنْ حريمُ نبيّ الله يـــــغــــتـــــصــــــــــب
كأنّ فاطمة الزّهـــــــراء كوثـَره ُ لم يستنر بسناها السّبعة الـنّجــــــــــــــــب
وما بنى الكعبة ابراهيم في نصب أو أنّ همّ فتاه اللـــهوُ والنّـــــــــــعــــــــبُ
كأنّ رؤياه في اسماعيل قد صدقت وتلّـه ذات صــــــبح للجبيـــــــــــــــــن أب
" مثل عجوز بيتر بيخسل تقريبا"
في غرفتي في الطّـابق العلويّ أشيائي كما خلّفتها:صحف مكدّسة ومذياع ومائدة وكرسيّ ودولاب وسجّـاد ومرآة وألبوم لعائلتي التي كانـت،ولم أفتحه إلاّ مرّة(أمّ وطفلاها)،وثمّة لوحة فوق السّرير كـأنـّـها”سرّ السّـنونو”! كان يوما مشمسا ففتحت شبّاكي المطلّ علي حديقة جارتي أعني علي بلكونها،وهي الوحيدة دائما أو هكذا خمّـنت منذ رأيتها في الأزرق الصّوفيّ صحبة كلبها، ونظرت لم أرها كعادتها تقدّم ماءها للزّهـر مثل السّـامريّة للمسيح(لعـلّ بئرا غاض!) أو تعـطو بعين الدّيك نحو قرنفل يحمـرّ!لم أرها كعادتها تمـسّـح كلبها الكانيش إذ يثغو،بأزهار الحواشي أو تهدهده! وهذا اليوم لا برد ولا قيظ! وأبعـد،في الطّريق رأيت طفلا يستـحثّ حصانه الخشبيّ مأخوذا بلعبته ،ولكنّي عجبت لأنّني ماعـدت أسمع،رغم ثـقـل الصّمت،دقـّـات المنبّه أوصياح الطّفل! قلت لعلّ شيئا ما تغيّر!أم تري أذني بها وقر!؟ وأشيائي كما الأشياء!أسمائي كما الأسماء!ألبومي هو الألبوم!مرآتي هي المرآة! سجأدي هو السّجّاد!دولابي هو الدّولاب!… قلت إذن أبدّل هذه الأسماء،ألعب لعبتي الأولي:كأن أدعوك يا مذياع!.. صنبوري! ويامرآة!..كرسيّـي! وياألبوم!.. مرآتي! ويا سجّاد!..دولابي! ويا دولاب!..أنت حديقتي!”سـرّ السّـنونو”!..أنت مائدتي! ومائدتي هي السّـجّـاد! ياكرسيّ!..أنت منبّهي! ومنبّـهي ألبوم عائلتي!… سريري لوحتي!صوت المذيعة ضفدعي!صحفي سريري! الباب نهري! جارتي ديكي!… ورحت أبدّل الأسماء أسمائي،وألعب لعبة الشّعراء: شبّاكي سلحفاتـي! نبيذي ببّغائي! زهرتي قطر النّدي! الأطفال أسماكي!… وأضحك عاليا،وأقول لي”حسنا! تغيّر كلّ شيء!” كان يوما مشمسا فجلست مبتهجا إلي السّجّاد.،ثمّ ملأت كأسي ببّغاء،وأحتسيت كما أشتهيت،وكان حلوا حامضا! ونظرت في بعض السّرير لمحت نعيا بائـتا،وقرأت أخبار الطّيور فكدت أعطس مثلها،وأقول”زائرتي كأنّ بها حياء” أم تري ستزورني!؟ ثمّ اضطجعت بلوحتي،وفتحــت صنـبوري فخشخش ضفدعي!
لم أدر حقّا كيف نمت! وكم؟ سوي أنّي لمحت الضّوء أصفر من سلحفاتي ـ وكنت نسيتها مفتوحة ـ وسمعت دقـّـات من الألبوم عالية وطقطقة من الصّنبور خافتة، نهضت،وقـفت،من برد، علي الدّولاب.، ثمّ سحبت من رفّ الحديقة معطفي،ونظرت في الكرسيّ لم ألمح سوي عيني مطوّقة بزرقتها كما هي دائما. أحسست أنّي لم أنم فجلست فوق منبّهي،وسحبت سجّادي إلي ضوء الطّريق كعادتي ليلا،ورحت أقـلّب المرآة مائدة فمائدة،موائد كلّها كانت لنا(أمّ وطفلاها السّـوالف مثل أجنحة السّنونو كنت أبسم حذوها)،وذكرت أغنية لنا”قد كان عندي بلبل” كنّا نغنّيها أنا وأخي بصوت”صليحة”،فترنّ ضحكتها.وقلت إذن أترجمها إلي لغـتي،فقد،والله، تشبهني وتشبه حالتي! “قد كان عندي صرصر!” حسنا أترجم إذ أخون! وصرصري في حـقـّة زرقاء من خشب ولا قفص ولا ذهب! وأضحك عاليا،وأكاد أرقص إذ سمعت الدّيك من غضب يدقّ النّهر،وهو يصيح:”كفّ! ستوقظ الأطفال!”واستغرقت في ضحكي! فماذا تفعل الأسماك عند الدّيك!؟ قل! أم هل أصاب الدّيك مسّ!؟ غير أنّي قلت معتذرا لها،وكأنّـني أثـغـو:”خذي قطر النّدي! هي كلّ ما عندي! ولكن لو دخلت! لديّ بعض الببّـغاء،ولوحتي تحتاج من زمن إلي ديك كجارتنا العزيزه!”