العدد 48 - الأربعاء 23 أكتوبر 2002م الموافق 16 شعبان 1423هـ

المجتمعات العربية تُعاني قلقا في الهوية

قال محمد الرميحي في محاضرة له بعنوان: الثقافة العربية وحوادث 11 سبتمبر/ أيلول ان المجتمعات العربية تعيش قلقا متعلقا بالهوية، كما انها تقاوم مسألة الاقتراب من الآخر والتعرف عليه، موضحا ان الحرب من أجل الثقافة هي ميزة القرن الحادي والعشرين... وان الثقافة السياسية العربية أفرزت تخلفا وعجزا عن إنزال المبدأ على الواقع، وقال في المحاضرة التي شهدت إقبالا متميزا في افتتاحية الموسم الثقافي الجديد لمركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة للثقافة والبحوث: إن العالم بعد الحادي عشر من سبتمبر مشغول بالحرب على الارهاب، والارهاب نشاط غير مبرر، لأن نتائجه كارثية على الآخر ومدمرة على النفس، وحيث ان الفاعلين في (كارثة سبتمبر 2001) كانوا عربا ومسلمين، لا تدفعهم مظلمة محددة، بقدر ما تدفعهم كراهية معممة، ويعملون على نطاق عالمي، مقصدهم الولايات المتحدة، والتي تقدر خسارتها المادية فقط بما يقارب المئة بليون دولار إبان عام واحد فقط، عدا الخسارة المعنوية والبشرية، حيث هز الفعل كيان الولايات المتحدة كما لم يهتز قط في تاريخها الحديث، وبالتالي فإن (عدوا) جديدا يظهر ولأول مرة في تاريخ الصراعات الدولية، شيء آخر غير ما تعودت عليه الحروب تاريخيا، انه عدو في شكل ثقافة هي (الثقافة) العربية الإسلامية.

وأضاف ان التاريخ عرف فيما سبق من حوادث ان الحرب تشن ضد بلد أو جماعة، ولكنها لا تشن ضد ثقافة، ضد ممارسة حياتية، وما يرتبط بها من أفكار، فالمطالب الغربية تجاه العرب هي اليوم تغيير المفاهيم العربية الإسلامية، وكذلك تغيير المناهج التربوية وباختصار تغيير (عقلية) أفرزت مثل هذا العمل!

لذا فإن العرب بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001 وضعوا تحت المجهر، المجهر المكبر لأكبر دولة في العالم اليوم وأقواها، ومعنى ذلك ان العرب أو ثقافتهم تتحمل المسئولية الجماعية لأعمال ارتكبها أفراد منهم، والمسئولية تقع على كاهلهم كافة، تاريخ وثقافة.

تلك هي المعضلة التي نواجهها اليوم، وهي معضلة لا يحق لنا دفن رؤوسنا في الرمال لنتجاهلها، كما انها مشكلة لا تتلاشى مع الوقت، في ظل الظروف التي تسود عالم اليوم.

فبعد (الهجوم على برجي التجارة العالمي في نيويورك، البنتاغون في واشنطن) شهد العالم اصطفافا جديدا في محاولة غير مسبوقة لترتيب العالم من جديد، ساحتها هذه المرة ليس الاقتصاد ولا السياسة، بل الثقافة، ومظهرها الصراعي هو الأقسى، وزمنها هو الأقصر، وفي يقيني ان ما شهدناه حتى الآن هو مجرد كتابة على الهامش (التغيير في أفغانستان والحرب ضد الارهاب في العالم، وحتى الحرب في فلسطين)، وما هو متوقع في المستقبل سيكون أكبر وأكثر تأثيرا، انه محاولة لتغير في الفكر وتشكيل للثقافة، لدي مجتمعات مختلفة على رأسها الثقافة العربية، ولعل القرار التي اتخذته حكومة البوسنة في صيف 2002، بمنع تدريب اللغة العربية هو رأس جبل الثلج.

وأضاف محمد الرميحي في المحاضرة التي ألقاها حديثا هناك قضيتان مركزيتان يجدر ان تناقشا في هذا الإطار، من أجل تفكيك المعضلة التي أمامنا وسبر غورها ومن ثم فهمها:

علاقة الغرب بالعالم العربي تاريخيا، ومعضلة التحديث في العالم العربي.

هاتان القضيتان هما محور المشكلة المتضخمة اليوم، وفي طيات هذين الملفين تكمن الكثير من الإجابات عما نشاهد ونرى اليوم من علاقة متوترة بين (الثقافة العربية/ الإسلامية) من جهة وبين الغرب بالمعنى الشامل من جهة أخرى.

في الموضوع الأول نجد ان خلال القرنين الماضيين على الأقل، أي المئتين سنة الأخيرة، فإن (الغرب) بمعناه العام قد وجد له موضع قدم (البعض يفضل كلمة التدخل أو الاحتلال) في معظم مناطق الشرق العربي، وذكر انه في معظم أشكال التدخل استخدم (الثقافة) بمعنى من المعاني، والتاريخ حافل باستخدام (الثقافة) في سبيل تبرير أو تفسير التدخل الغربي في شئون العرب.

كما تم استخدام (أسلحة الأفكار بديلا عن أسلحة النار) في الكثير من الصراعات، وهي الفكرة المركزية التي تبنتها الولايات المتحدة نفسها، فاستخدمت (الثقافة) بمعنى من المعاني، في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي.

وأوضح الرميحي أن العلاقة المتشابكة بالغرب رافقتها ظاهرتان متعاكستان:

فهم مغلوط وضبابي للغرب، وخصوصا في الولايات المتحدة (للثقافة) العربية وبالتالي لما يضمره العرب تجاه الغرب. وفهم مغلوط لقطاع واسع من العرب المسلمين للثقافة الغربية كما تتجلى في النصف الثاني من القرن العشرين.

من هذا الفهم المغلوط في الاتجاهين تراكمت صور ضبابية عن أحد الجانبين للآخر، زادتها ضبابية مصالح عميقة، منها (الحرب الباردة) بكل ما حملت من رياح ومعارك، ومنها أطماع (الحركة الصهيونية) بما تمثل من مصالح جذرية في منطقتنا العربية، وهي الفوز بوطن في الأرض العربية.

أمثلة الفهم المغلوط للغرب من جانب العرب كثيرة، زادها تعقيدا ما يحدث في فلسطين من (حق يفتقر إلى القوة) وقوة (تمتلك كل شيء وتعتبره حقا) ولا أرى موضوعا يلخص الفهم المغلوط بين الثقافتين العربية والغربية كما مثله بيان (المثقفين الأميركيين) الذي نشر منذ أشهر في الصحف الغربية، ورد بعض المثقفين العرب عليه في الصحف العربية، فلو هيئ لدارس ان يقرأ البيان ويمحصه، ويتابع الردود العربية التي نشرت ويدرسها سيتبين له حجم الهوة بين الثقافتين السائدتين في القطاع النخبوي من المجتمع.

واستعرض الرميحي مختلف الاجتهادات والاتجاهات الفكرية العربية التي قدمت اقتراحاتها ليصل إلى نتيجة وجود ضمور خطير في الفقه السياسي والإداري والتنظيمي، وفقدان جدلية الاكتساب والاستيعاب أفرز تخلفا في الثقافة السياسية وعجز عن إنزال المبدأ على الواقع من أجل الخروج من المأزق الذي تواجهه الأمة دولا فرادى أو مجموعة في عصر متغير، هذا المأزق، الذي يتمثل في انغلاق النسق (الثقافي) بجوانبه الاقتصادية والسياسية والمعرفية، أفرز حكما سيئا، أصبح مصدرا رئيسيا لعدم الاستقرار، الذي ولد بدوره ردة فعل بعضها أخذ شكل الارهاب.

وقال: لقد زاد القلق على الوضع الثقافي العربي بزيادة تقدم وسائل الاتصال والتقنية الحديثة من جهة، مع زيادة الضغوط الاقتصادية والسياسية في المجتمعات العربية من جهة أخرى، من دون انفراج أو توقع انفراج. فالمجتمعات التي تعيش قلقا متعلقا بالهوية، تخشى توحيد الأشكال، وتخاف تلاشي المتمايزات، وترهب الانصهار، وتقاوم التعرف على الآخر، في الوقت الذي تراقب فيه هذه المجتمعات من حولها مسيرة حركة عامة وعاصفة، رامية إلى إزالة الحواجز بين المجتمعات مصحوبة بـ «عولمة» تفجر اصطدام الهويات الخاصة، سواء كانت عقائدية أو قومية أو اثنية أو دينية، في كل مكان، في دول العالم الثالث، وفيما بين المجتمعات (حروب أهلية)، وحتى في الدول المتقدمة، عن طريق ظهور اليمين العنصري.

كما تناولت المحاضرة قضية علاقة الثقافة بالتنمية وبالاقتصاد حيث ذكر: يدخل الجانب الثقافي في الاقتصاد العالمي بشكل أسرع وأكبر، إذ نرى ان الجانب الأكثر نموا في الاقتصاد العالمي في السنوات الأخيرة مرتبط ارتباطا وثيقا بالعامل الثقافي، فالصناعة الثقافية تدخل قطاعا مستقلا وأساسيا في صنع الثروة، وبات العامل الثقافي عنصرا مكونا تتزايد أهميته ونسبته في الناتج الدولي العام، لذا فإن مضمون تلك المنتجات المولدة من الصناعة الثقافية بات موضوعا سياسيا واستراتيجيا، فالمسألة ليست في إنشاء الصناعة الثقافية بل وفي مضمونها أيضا.

ويختتم الرميحي محاضرته بنقد بعض أوجه الثقافة العربية ذاكرا أهم المعوقات وداعيا إلى تجاوزها، ويقول في ذلك:

لا يحتاج المتابع العربي إلى كثير تفكير حين الحديث عن المعوقات في الثقافة العربية، فتقرير التنمية البشرية للعام 2002 الذي صدر أخيرا يعيد ما قيل كثيرا في الثلاثة عقود الأخيرة من مؤسسات وأفراد عرب، فغياب عمل المؤسسات والتقاعس في السعي لاكتساب المعرفة الحديثة، والنقص الشديد في الحريات، يكونون ثلاثية قاصمة لظهر التنمية العربية، وهي عوامل ثقافية في الأساس.

وكذلك وضع المرأة العربية التي نتغنى بها كأم للأجيال يتردد الكثير من النقد عن مكانها في المجتمع العربي الحديث، فهي مازالت تئن تحت قيود كثيفة من الممانعة. أما انتشار الأمية الأبجدية والثقافية العامة، فمشاهد وملحوظ، فالتعصب ونبذ الآخر وسيادة الكراهية للمختلف وعدم المساواة آفات في الثقافة تقابلها قيم التسامح وتقدير المعرفة والعلم، ودعم شبكات الأمان الاجتماعي لحماية الضعفاء واحترام الثقافات الأخرى، وتقدير كرامة ورفاه الإنسان وحقه في المشاركة.

مؤكدا: ان الإنفاق على الثقافة في مجتمعنا العربي إنفاق شحيح، فالموارد المالية تحبس لدى أناس يجهلون دور الثقافة المتميز في التنمية، فتعطل التنمية ويسود التعصب، والانفاق على العمل الثقافي هو جزء من الإنفاق على المعرفة

العدد 48 - الأربعاء 23 أكتوبر 2002م الموافق 16 شعبان 1423هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً