العدد 48 - الأربعاء 23 أكتوبر 2002م الموافق 16 شعبان 1423هـ

ليلى العثمان... الحياة التي «تهرسك» تعلّمك كيف تكون فارسا

«هل كنت أمارس ذنوبا خلال كل تلك السنوات فحقّ عليّ العقاب؟... كيف تكون المراجعة... إن الحياة التي تهرسك تعلمك كيف تكون فارسا... كيف اكون امرأة قادرة على تجاوز كل الآم حياتي، ولا أكون قادرة على مقاومة كيدهم وظلمهم وسلطتهم... ان الانحناء لهذه الموجة يعني ان نغلق عقولنا، ونجتثّ اصابعنا، ونبتلع الامواس ملطخة بدم حناجرنا... لست اديبة عظيمة...» بهذه الكلمات الحارة والحميمية بدأت الاديبة الكويتية ليلى العثمان محاضرتها التي نظمها الملتقى الثقافي الاهلي ليلة امس الاول، ضمن برنامجه الثقافي لهذا الموسم، والتي خصصها للتداول عن تجربة العثمان في كتابة القصة والرواية، إذ تركزت على المؤثرات الاولية في تجربتها الحياتية، والتي انعكست فيما بعد على كتابتها إضافة إلى قوة التخييل، وأبرز المحطات والنقلات التي اسهمت في بلورة مشروعها الكتابي، وحصيلته 14 كتابا موزعا ما بين القصة والرواية.

«الوسط» حضرت هذه الامسية الجميلة، التي بدأت بسرد المعاناة جراء ملاحقتها ومقاضاتها، ومدى المعاناة التي لحقت بالكاتبة حين ادرجت ملفات واوراق قضيتها جنبا إلى جنب مع قضايا المرتشين والمزورين وتجار المخدرات...

ونتوقف فيما يلي عند أبرز محطات هذه الامسية، وفيما يلي حصيلتنا، تقول العثمان: «كتبت انطلاقا من موهبتي وتجربتي، ومن الوعي الذي تشكل بفضل القراءات، والاحتكاك بالناس، وبتأثير تلك الطفولة المحملة بالألم، فقد اردت لذلك اللهب الموجع ان يغادرني، فخرج وسكن اصابعي. كانت الكتابة هي الحلم الذي اجتهدت كي يتحقق. لكن فرح الانجاز هذا لم يملأني بالغرور فما زلت اشعر بأن ما انجزته لايماثل حجم الحلم الذي حلمته، منذ ذلك اليوم وحتى هذه الحظة وانا اتجاوز الخمسين أم لستة ابناء، وجدة لثلاثة أحفاد! هل هي خطيئة أن أختار الكتابة... إن كان كذلك فأنا أعشق خطيئتي، ومن كان منكم بلا خطيئة فليرحمني بحجر».

ومن هذه الكلمات المقتضبة، والتي هي في الواقع خاتمة المطاف، عرجت بنا الكاتبة قبلها، وطافت من موضوع لآخر، فاردة الحديث عن الفضاء الاجتماعي الذي ترعرت فيه، مستجلية دور الأسرة في هذا السياق، واصفة الحجم الهائل من المعاناة جراء معاملة الأسرة لها، والتي فشلت فشلا ذريعا في التعبير عن حبها، بممارسة شتّى صنوف العنف ضدها... ومن هذه المحطة، انتقلت الكاتبة إلى الحديث عن سحر المكان، وسحر البشر، ومدى تأثير ذلك في تشكيل نواة الكتابة عندها، ثم تحدثت عن محاولاتها المستمرة في التعبير عن موهبتها والتي تجلت في فنون الكتابة، ذاكرة ان محطاتها في التمثيل، والعزف الموسيقي، وكتابة الشعر، كانت بمثابة البوابة، والمحاولات الفاشلة للولوج إلى عوالم السرد المختلفة.

ووجهت بعد ذلك دفة الحديث لاستعراض مصادرها الاولى التي اغنت تجربتها، وتقول في ذلك: «لقد عشت تجربة حياتية ثرية بكل مافيها من اتراح افراح، ومتناقضات شملت بيئتي المحلية، والبيئات العربية الاخرى، ثم كانت الاسفار حول العالم، وحضور المؤتمرات والندوات، وممارسة عادة التأمل، واحلام اليقظة... كل ذلك اضاف إلى تجربتي وعمّقها، جعلني اكثر صلابة في مواجهة التحديات. ولا أُغفل تجربتي في الترمل والطلاق. في مجتمع «ذكوري» ... يعتقد ان من من حقه اقتناص المرأة وقهرها... كان عليّ ان أتحمّل تلك النظرة الآثمة التي تخترق لحم المرأة وحياتها وفكرتها، وأن أثبت جدارة المرأة وقدرتها على شق الطرق الاصعب. ان كل هدف في حياة الكاتب هو مشروع قصة او رواية، وقد اردت من خلال قصصي ان اقدم وثيقة وشهادة تعكس بصدق معاناة الانسان رجلا كان ام امرأة.. فهمومي تشترك وهموم الرجل، فهو يعاني في مجتمعاتنا ما تعانيه المرأة...

(وتضيف في السياق نفسه)... لقد حررتني الكتابة من أسر الذل والخوف الذي تربيت عليه، وهذا ما جعلني أتفجر كالبركان منذ بدأت، كتبت بجرأة وحماس شديدين، وقد كنت محظوظة يوم بدأت النشر، فقد كان مجتمعي متفتحا، تتحقق فيه الديمقراطية مع اول برلمان، مجتمع آمن بحرية المرأة وحقها في التعليم والعمل والتعبير عن مشاعرها بصوت صريح وجريء كما يفعل الرجل، وحين اعود بذاكرتي إلى تلك السنوات الذهبية، يقرض الحزن والاسف قلبي ونحن اليوم عصافير يسحب القناصة من اعداء المرأة بنادقهم ليطاردوا اصواتنا، ويحاربوا افكارنا.

(وتستطرد): 37 سنة هي عمري في الكتابة 14 كتابا هي مواليدي، وما خطر ببالي ان يأتي يوم، تشن فيه عناصر الظلام حملاتها البغيضة ضدي، فيمنعوا بعض كتبي، متصورين انهم قادرين على قصف اصابعي».

ومعاناة العثمان من جهة ثانية. كانت متنوعة ومتعددة، ما انعكست آثاره لاحقا على كتابتها، وهي التي نعمت في فترة التكوين الاول بمكتبة زاخرة تخص والدها فراحت تلتهم محتوياتها، وتحفظ دواوين الشعر، وتبدأ المحاولات الاولى والتي تصفها بأنها بسيطة في افكارها، ركيكة في لغتها وعباراتها... الا انها افردت في محاضرتها او لنقل «بوحها» مساحة واسعة لاستعراض صنوف الوجع التي سببتها الاسرة لها، ومن بين ما اوضحته وقالته:

«ذات يوم لا أنساه، وفي السنة الثانية من المرحلة الثانوية، اصدر ابي قراره القاسي ان اترك المدرسة، اذكر كيف وقفت مصعوقة، ضعيفة، نازفة... كان بداخلي شيء يصرخ ان ثوري، تمردي، قولي لا، فكيف لا... «لا» واحدة ان تخرج وقد تعطل خروجها من قبل كثيرا بسبب الانكسار... هذه القسوة حرمتني من قضاء الحرية، وحنان المدرسات، ورفقة الصديقات... لكن ابي بقدر ما كان قاسيا، كان حنونا، وهو يفتح لي ابواب مكتبته الكبيرة، الزاخرة بكنوز الكتب، فأسقطت نفسي في النعيم.. واصبحت القراءة هي الخلاص من الوحدة والفراغ والحزن، وهي النوافذ التي سافرت بي إلى بقاع العالم الواسع... احببت كتب الرحلات والمذكرات، وكتب الفلسفة وعلم النفس، وتاريخ والشعوب، اما القصص والروايات ودواوين الشعر فكانت لها الحظوة الكبرى. ومن خلالها تعرفت على الاسماء الشهيرة من عرب واجانب، فكانت تلك القراءات زوادة، ورافدا من روافد الكتابة... واظن بل اؤكد ان حماسي قد تفاقم حين قرأت للكاتبات العربيات امثال غادة السمان، لطيفة الزيات، سميرة عزام، إميلي نصر الله، ليلى بعلبكي وغيرهن من الاسماء التي اثارت فّي الغيرة المشروعة، وزادتني اصرارا ان احقق حلمي ذات يوم، واجد لي موقعا بينهن ذات يوم... وصدقوني بعد التجربة اكتشفت ان المكتبة، اشد تأثيرا وفائدة في الزاد الذي حصلت عليه، وأثرت معرفتي، وماكنت سأحصل عليه، وانا على مقاعد الدراسة.. ادرس مواد اكرهها كالرياضيات والعلوم... لم تفتح القراءات شهية الكتابة وحدها، بل اشرعت صواري الحب متأثرة ببطلات الروايات، فحلمت بحبيب يخصني، ولكن من اين يأتي الحبيب، وبيت ابي «قلعة زنده»، ولكنه التشهي المستبد، جعلني اصنع لنفسي بطلا خياليا، واكتب له رسائل حب وقصص، وبكل البراءة سلمتها لابي ليكتشف موهبتي... فكانت إبرة العقرب التي خشي من سمها، وجعلته يفتش ادراجي وخزائني عن رجل... وحين لم يجد حذر من مجرد الحلم. ومن تلك الكتابات التي قام بتمزيقها، كان يمزق عروق قلبي، ويكتم صوتي... لم استسلم ولم اخش تهديداته... واصلت الكتابة سرا وصارت كفعل الحرام الذي خشيت ان يقع عليّ حد الرجم إن ظهرت للعيون...»

وفي سياق استعراضها لهذه التجربة الحياتية تقول انه في العام 1965 خرجت من بيت أبي الذي حملت أعباءه النفسية والاجتماعية إلى بيت أكثر وعيا واحتراما للمرأة... إن زواجي من فلسطيني هيأ لي مساحة من الحرية، وأعاد صياغة الأنثى المتخمة بأمراض الطفولة، وعُقَد البيوت التي تربيت فيها على الذل والقهر... كان الزوج هو الأب الأحنّ، والصديق المعلم الذي فرح بالكتابات، وسمح أن تغادر معاقلها، في ذلك العام بدأت حريتي، ورفرفت أجنحة حلمي في الفضاءات الرحبة... فتحت الصحافة أبوابها أمامي، اندفعت أكتب المقالة، الوجدانيات، التحقيقات الصحافية، والشعر، ولم يكن القارئ يُقبل على القصة كما هو اليوم، لذلك دفنتها في الادراج وانجرفت مع التيار السائد»

العدد 48 - الأربعاء 23 أكتوبر 2002م الموافق 16 شعبان 1423هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً