العدد 48 - الأربعاء 23 أكتوبر 2002م الموافق 16 شعبان 1423هـ

التلاوة الصوفية.. استدراك المخفي عند السماهيجي

«هذه الوريقات مثقلة بالغموض... يا الله... فكيف سيقرأونني؟!»

بهذه الكلمات يستفتح الشاعر البحريني حسين السماهيجي ديوانه الشعري الجديد، مثبتا استباقا مراوغا يحيل على إشكالية القراءة والتلقي، بعدما أوحت إلينا الذائقة الجديدة بأن أرق المقاربة النقدية ما عاد يلاحق كتابة النص الحديث. وإذا كان التقبل العام مسألة من دون قيمة المعالجة في الاعتبار النقدي الجديد، ولا يرقى للفهم القرائي التأويلي الذي يتعاكس مع الحس المشترك وتوحد الجمالية، فإن مأزق الشاعر الحديث يستدرك على تلك التقاليد ويعيد استحظارها بلغة أخرى.

التشبث بالحضور، ورهاب الرحيل والغياب العادي، يتلاحم مع إلحاح المقروئية وإدامة الارتباط. والإشاحة - المراوغة! - عن الجمهور، والتي يبديها المبدع الحداثي بكبرياء، لا تخفي إلا النزوة القديمة بالوصل والتواصل. ومن هنا يصبح البحث عن قارىء مادة ضمنية لعملية الإبداع، ويصعب على كل إدلاء شامخ أن يُقبر تلك الرغبة الآسرة، ويخفي شهوة الانتشار. إنها لازمة تتقوى مع الشاعر الحديث، الذي تتصاعد عنده ضواغط الدوائر المظلمة، فتضطره المشاهدات والحدوس المرهفة إلى استدراك المخفي واستشعار اللا متوقع. وهي حالة تفضي إلى اندلاع غربة محتدمة داخل الذات، فتتهشم المشاعر وتضطرب الأحاسيس حتى الذوبان. وفي مثل هذا الحال، يطل الشاعر الحديث على التصوف والكتابة الأسطورية، ليستظل بترشحها الدائم وإيحاءاتها الخالدة، عسى أن يجد بعدها منفذا إلى إغراء الحضور الأكثر خلودا... مع قلب موجوع يأمل استراحة ساحرة على تل الكلمات، أو مع روح كوتها بلاهة الحياة ورامت اضطجاع هادىء وسط حروف هائمة.

في هذا الديوان يقدم السماهيجي مشهدية شعرية تلتقي مع لحظات الوجع المندسة في زمن تغادره البسمات. إنه يدلف نحو المكان الذي يغترب فيه الإنساني وتعج الصرخات المدوية، حيث يتقاسم مع ولع الفرحة رضوخا ويتما وبعض دماء. المدية القرشية، وجراح العربي الشهيد، والأزمنة القانطة من استيقاظ الجزيرة... ترتطم بانتشاء الكلمة على إغفاء كابوسي من إشارة عابرة، نافحتها صورة الحلم الصوفي الذي يؤم ذكريات الرجوع إلى انتصار اللحظة الشهيدة. السماهيجي يتنصل، جاهدا، من وقعه الشعري القديم. يبحث عن تجريب آخر لتراثية الدم وكربلائية الجروح الغائرة في الوجدان. كرب الأرض وسوداوية الأفق، تصطرع أمام كومة من اختلاجات الروح، ودمدم الجراح. وبوعي من الكتابة فإنه ينجر إلى غشيان اللا وعي، والاصطدام مع الواقعين المرئي واللا مرئي.

والاصطفاف أمام مزمور اليقظة، والرحيل صوب الاعناق المقطوعة. تلك هي التلاوة الصوفية التي تثري نص السماهيجي وتجعله نصا يحفل بالقدسية والقدسيين. تتحسس فيه رهبة الغاضبين واستقامة الجوف الدموي. آه... ما باله والدم الذي لا يتوقف؟ صورة الدم والاحمرار، ومشهد السفك وحز الرقاب بالسيوف، واستقرار السهام في الكبد... يجثم ذلك كله على رؤية السماهيجي ويحولها إلى رؤيا تكتظ بكل ما هو كشفي وانفجاري. يتعانق مع التجليات ويفحص السيّر الكبرى، يخوض في عصارة المجنون، ويبحث وله الخلاص بسيد الخروج المقدس:

«أيها السيد المتدثر بالغيب

أخرج إلينا

سقيناك خمرتنا المستطابة بعد العذاب

فأجهشت حين أفقت

وكانت بقايا الكتاب

تغيبها أمة زائفة».

تنسل كلمات السماهيجي من مجون الخمرة وعناق الثمالة في صحو فجر مملوء بمكابدات الوحي وصلاة العارفين. وإذ ينقشع الليل وتحتضر مراودات الظلام الغروي، تنتصب الأحرف وتغدو قصيدة جسورة تستظل بالآهات وبقايا الأرض المصلوبة:

«أيها المنذور للخوف المعمد بالدماء

كنت العروق لنبضهم

لكنهم... سلبوك خمرتك الشهية

فانتبذ أقصى صياصيهم

وانصب لخيمتك الوحيدة

مهجة تحنو على هذا العراء»

العدد 48 - الأربعاء 23 أكتوبر 2002م الموافق 16 شعبان 1423هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً