العدد 48 - الأربعاء 23 أكتوبر 2002م الموافق 16 شعبان 1423هـ

فيلسوف حواسي عند ملتقى العالمين

ميشال أونفري فيلسوف غريب، ولد العام 1959 في قلب الريف الفرنسي وكافأته جوائز أدبية كثيرة. لكن استاذ الفلسفة يرفض الالقاب التكريمية والصفارات الإعلامية. وهو اليوم يعلم مادة الفلسفة في ثانوية تعليم تقني في مدينة قان، منطقة النورماندي (شمال غرب فرنسا) ويمضي بقية وقته في الكتابة. ينشر هذه الأيام جمالية القطب الشمالي، بوصفها أفكارا برزت من رحلة نحو منبع العلاقة المملوءة بالاسرار بين الأب والابن.

سبق لهذا الكاتب ان نشر حوالي خمسة عشر كتابا. يلخص كتابه «صحيفة هندوسية» بأجزائه الثلاثة وانطلاقا من عنوانه، فكرا لم ينفصل ابدا عن الاحساس... يرتبط الفكر الفلسفي عنده بحياة فلسفية، كشاهدة على منحى صادق وأصيل. وهكذا تطرح الأسئلة وتتم الاجابات مع تطابق مع الغير. يدعو إلى نمط من العيش يسأل الحكمة، بدلا من دراسة تقشفية لاشياء تعتبر فلسفية محضة. وهنا يبرز مجمل فنه في كتابة متدرجة واضحة وفي متناول الجميع. لأن في كنه بعض العبارات تحاك اسئلة لا متناهية. لا يفرضها لأنه يقدر ويحترم قراءه. تحرك الدهاليز القراء فيتوقفون، مع علمهم بالقدرة على المتابعة انطلاقا من أي صفحة وفي أية لحظة. لا حد لثقافته، يؤدي به شغفه الفضولي إلى مختلف الاكتشافات. يهوى لوكراس فينكب على دراسة الفن والتاريخ القديم. ورحلاته لقاءات بمن أحب من الكتاب، من بلين وحتى كيركغارد.

عناوين مؤلفاته اعياد باخوسية على طريقة رابليه مثل: بطن الفلاسفة، فن التمتع، العقل الشره، نظرية الجسد العاشق... ميشال أونفري هو شاع ايضا. وقع عاشق الموسيقى الحاذق ايضا كراسة أوبرا بتوزيع اريك تانغي. حاز العام 1993 على جائزة مديسيس الشهيرة من فئة محاولات ادبية عن مؤلفه: نحت الذات. عرفت مؤلفاته منذ عدة سنوات طريقها إلى الترجمة، ومنها إلى حوالي عشر لغات (اوروبية وايضا برازيلية ويابانية وصينية ورومانية) فليس إذن غريبا ان يتولى إدارة قسم ترجمة مجموعة الفلسفة الاوروبية المعاصرة. هل يهتم الكاتب بجوائزه؟ يبدو كل كتاب ثمرة تجربة تستحق الفهم، كما لو أن الكلمات تبلغ وزن حساسيتها المرهفة عندما يلقى بها على الصفحة البيضاء. يدعو إلى الاستخفاف وإلى المجون لكن صحة نظرته إلى العالم تضع كل صناعة في حال ارتباك.

وصل والده إلى الثمانين من العمر، وللاحتفاء بعيد ميلاده دعاه إلى زيارة القطب الشمالي. والده مزارع نورماندي لم يغادر أبدا ارضه، لكنه سبق وأسر لابنه منذ عشرين عاما بهذا الحلم بينما كانا في حقل يزرعان البطاطا. وظهر كتاب من هذه الرحلة تحت عنوان: «جمالية القطب الشمالي». تشهد الرواية الخجولة على الزمن بمختلف اشكاله، بعيدا عن تدفق عواطف بين فلاح تخشبت يداه وابن عالم. فاللامتناهي سيق الانسان، لكنه لا يوجد إلا اذا وجد الانسان للبرهنة عليه.

على هذه الارض القطبية حيث الحجر هو الشكل الاول لأي شيء، تجاورت جغرافيا الكرة والعناصر المناخية قبل وصول الشاهدين. يدعو هنا المسافر إلى تأمل الحق، المخبأ وراء شبائك السياح والمناظر المخادعة في مظهرها. يتجرأ أونفري في مزجه بين تجانس الاصوات والتكرار، على اسلوب غير اكاديمي تحمل القارئ إلى جوار احاسيسه القطبية. من جملة ما كتب: «انه إحساس بغد خلق العالم، وشعور للناظر كونه معاصرا لقدوم الكوكب، لخلق فوري للقارات وللاحجام وللقطع... «ويضيف»: «هناك السكون، يخيم السكون دائما على هذه العلامات وهذه الهالة القدسية والتي لا تأثير عليها من إنسان أو ريح أو كلمة أو طاقة. تمر هذه اللحظات العنيفة في وقت مفعم بعطر القديم المعاصر للتاريخ الغربي أول للأسطورة الإغريقية». تضيء صفحات الكتاب صور ألان شوزينسكي، وتسرد اسم الأزمنة التي تعبر بين الرحلة والفكرة منذ العصر الحجري حتى عصر الحياة وحتى زوالها.

يصف ميشال اونفري العلاقة بين أبيه وبولوزي، دليل من القطب، عراف وفنان وشاهد عصرين، لا يعرف أين موقعه في هذا العالم. فهو يرى ارضه حيث ولد تتغير وتجف، وتضعف كتلة الجليد ويسخن الطقس. يتصدع الجليد ويتساقط من دون ارتعاش لحضور الإنسان ويغطي المساكن القطبية محدثا دويا هائلا. يقدم ميشال أونفري هنا مفتاح الطبيعة البشرية: «تمتحن هنا الحلولية كما اختبرها الإنسان الأول: مخاوف، قلق، ضيق، مشاعر ممتزجة، اضطراب امام الاتساع الذي يغمرنا، يفيض ويتجاوز». يكشف كتابه، بوصفه صورة عن التمرد الجيولوجي طبيعة الكاتب، فنان ممتلئ الحواس، وإنسان الأحاسيس

العدد 48 - الأربعاء 23 أكتوبر 2002م الموافق 16 شعبان 1423هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً