كان يزن الاشياء بميزان خاص. ينتزعها من سياقها ويدخلها في قرص حاسوبه، كأن لامذاق لها إلا ذائقته، ولا صفات بها إلا ما يختاره، وهو يفعل ذلك ويقول: «بيني وبين هذه الأشياء، أنساب مختارة، تجذبني اليها وتجذبها إليّ، ونحن كما ترى نشبه السكر والماء. نتخالط ولا نتنابذ، وهذه ما ندعوها بالأنساب المختارة، ليس وفق ما أراده الشاعر الألماني جوته في روايته الشهيرة التي تحمل هذا الاسم، ولكن شيئا منها، والفارق بين الأنساب المختارة عند جوته، والانساب المختارة عند صاحبنا، أن الأنساب الاولى تقوم بشكل طبيعي بين الأشياء وفق اخلاطها ومزاجها الخاصّين فيما الأنساب الثانية تقوم على اختيار الذائقة الواحدة التي تجد ما يناسبها فتختاره، ولا تعود عنه وتفرض عليه علاقة قد تكون طوعية في بعض الأحيان، وقد تكون قسرية في أحيان أخرى وليس ذلك بالمستهجن في عالم يقوم ليس على سيطرة الذوق الواحد ولا المزاج الواحد بل ينحو نحو فرض سيطرة من جانب واحد تكون في كل الاحوال قادرة على تبرير نفسها بشتى الأنساب والخيارات...
في ترتيب الحواس الخمس الظاهرة نبدأ باللمس والذوق والشم والسمع والبصر على قاعدة التماسّ بين الحاسّ والمحسوس. لكن الفلاسفة القدماء كانوا يعطون حاسة الذوق أهمية خاصة خارج قاعدة التماس بين الحاس والمحسوس تقوم على اعتبار اللمس ذائقة تدرك الخشن والناعم والبارد والحار، فهي ذوق باللمس وكذلك يوجد ذوق بالسمع في الاصغاء للأصوات والموسيقى وذوق النظر وذوق بالشم في رؤية الأشياء والاستمتاع بمنظرها وبرائحتها، فكانت الحواس الخمس، ادراكات ذوقية، فيها ذوق البصر وذوق السمع وذوق الشم وذوق اللمس، وهي تقوم على أساس يختلف عن قاعدة التماسّ بين الحاس والمحسوس بل يبني على قاعدة قريبة من المفهوم الذي أشار إليه جوته في الأنساب المختارة من حيث وجود علاقات بين العناصر الكيماوية من نوع يمكن أن يوجد تشبيه بها في العلاقات بين العناصر الانسانية. يشرح جوته مفهوم الأنساب المختارة في محادثة تشغل صفحات عدة من روايته «بين ادوارد والكابتن وستارلوث»، وكشف حقيقة المفهوم تحصل من خلال الحوار لكن يمكننا اختصار مفهومها بتركيز شديد كما يلي: «إن كل الكائنات في الطبيعة مما تقع تحت الحس لها جاذبيتها في نفسها ولمّا كان لكل كائن جاذبيته نحو نفسه فيجب أن تكون له صلات ايضا مع غيره ويجب ان تكون هذه الصلات مختلفة وفقا لاختلاف الكائنات. فحينا نتلاقى أصدقاء قدماء ومعارف منذ زمان طويل سرعان ما يتحدثون ويختلطون من دون أن يفسد الواحد طبيعة الآخر «كما يحدث للماء مع الخل»، وحينا آخر يصّر كل منهما على أن يظل غريبا عن الآخر وإن كان إلى جواره. ولا يمكن أن يتحدا حتى بالاحتكاك وبمزيج آلي (كما هو حال الزيت والماء فهما اذا مزجا لا لبتنا أن ينفصلا) ويمكن أن تقوم بين الناس صداقات جدية حقا لأن الصفات المتعارضة تسمح بوجود اتحاد ثم إن المواد التي إذا تقابلت وامتزجت أجزاؤها بعضها بعضا يقال عنها إن بينها وبين بعض نسبا. ويذهب جوته إلى أن الفنان يلعب دور الرابط بين الأنساب...
قبل الشاعر جوته الألماني كان صاحب الحكمة المتعالية الفيلسوف صدر الدين الشيرازي قد وجد في تشكيل العناصر وانجذاب المادة إلى صورتها ما يفيد هذا المعنى، ومن المشهور أن الفلاسفة القدماء كانوا ينظرون الى المادة كمزيج متجانس من الأخلاط والأمزجة والعناصر، واذا بلغت النسب بين هذه المكونات وهي في حال القوة كمالها الاول، وجدت الأشياء في حال الفعل وعليه تكون النفس النباتية ككمال أول لجسم طبيعي آلي تتحقق في اجتماع عناصره وأخلاطه وأمزجته صورة النبات كموجود بالفعل، وهذه العلاقة بين المكونات الثلاث تتحقق في واقع الأمر كحالات جذب أو كحالات عشقية فيها يتساوى فعل الخلق وفعل الوجود مع العشق، وكل الموجودات على هذا الأساس هي نتائج سريان العشق في الوجود، وهي على كل حال حالة يتحقق فيها وحدة العشق والعاشق والمعشوق فلا تمام للصورة الوجودية بالفعل إلا بالعشق، وهذه الوحدة معطوفة على سريان العشق في الوجود. تتجاوز من حيث أهميتها صورة الأنساب المختارة بين الأشياء والأشخاص لماذا هذا التجاوز؟
لأن في مقولة الأنساب المختارة إعتراف بوجود العشق ووجود نقيضه أي بوجود التجاذب ووجود التنافر، ولكن التنافر بدوره حالة عشقية لأنه يقوم على تنافر أشياء معينة من أشياء معينة لإنجذابها إلى اشياء اخرى، وعليه تكون القاعدة الأساسية هي التجاذب وليس التنافر هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى إن جذبة العشق الإلهي وهو أعلى درجات العشق بكل غاية كمالها. هو الأصل الساري في علاقات الأشياء فيما بينها إن حالة التنافر ليست مناقضة لحالة الجذب، ولكنها مؤيدة ومثبتة لها فلا يكون التنابذ هو القاعدة والأصل بل التجاذب اذا ما ذهب النظر إلى سريان العشق في الوجود وإلى وحدة هذا الوجود. في الحقيقة ان الوجود والعشق والخلق أفعال مترادفة لمعنى واحد لأن الوجود كان في اصله حالة عشقة كما يذهب العرفاء في تفسير الحديث القدسي الشهير «كنت كنزا مخفيا، وأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف». بهذه الكلمات القدسية اتخذ الخلق والعشق والمعرفة فلا انفصام بينها، لأنها أصل الوجود وأصل وحدته... يقودنا هذا الكلام إلى حقيقة قبّحت الجمال. فإذا كان من طبيعة الجمال أن يظهر، وإذا كان من طبيعة الانسان كذائقة شعورية بالمعنى المعطى لأولوية حاسة الذوق اخواتها الاخرى فإنني اتذوق نسب الجمال الظاهر في الاشياء، وهذه الذائقة مرتبطة بمقدرتي الوجودية والمعرفية على تذوق الجمال. هذا من ناحية، من ناحية أخرى ما أراه جميلا هو في الواقع تناسب بين جمال عام متحقق في الاشياء المرئية، وجمال خاص متحقق في الذائقة المرئية، وما يستطيع الانسان تحصيله من معرفة جمال الاشياء هو «نسب مختارة» بين الانسان والاشياء.
ان جمال لوحة فنية متحقق بنسبة معينة في اللوحة ذاتها لكن مستوى تحصيل هذه النسبة يتوقف على ذائقة الرائي أي على ما تحقق في ذاته من جمال وجودي ومعرفي، وقد تابع فلاسفة التجليات هذه المسألة من خلال طبيعة التجلي في طرفين: اللوحة الفنية والناظر إليها، ولذلك فإن هذه اللوحة الفنية التي تجذب هذا الناظر وتنفّر آخر إنما تحقق ضربا من التناسب بين مجلين للتجليات الجمالية ولذلك لا نفقد ظهور الجمال في الأشياء، ولكن بشرط أن نكون قادرين على اكتشاف تجليات هذا الجمال.
لا يرفض جوته اتحاد العناصر المتنافرة لكنه ينظر الى الفنان كرابط يحقق النسب المختار بينها فيما لا يتحقق من طبيعة الذائقة النقدية أو الفنية باعتبارها جزءا من المعادلة، فيها عند الفلاسفة من اصحاب التجليات تلعب هذه الذائقة دورا اساسيا فإذا نظر الناقد الى الاعمال الادبية بميزانه الخاص، واخذها من سياقها العام لا يكون حكمه عليها مطلقا لأن هذا الحكم هو في الواقع حكم العمل الادبي وعلى ذائقة الناقد في آن، وكذلك في بقية الأعمال. إنها أنساب مختارة عند بعض وسريان للعشق في الوجود عند آخرين لا يمكن ان يتحقّقه إلاّ العاشقون.
صورة
أراقب هذه النحلةَ
وأشاهدها تدورُ
بعيدا عني
عند رحيق الأزهارْ
لكنّي وأنا الجالسُ
مأخوذا بالصورةِ
أستفتي حواسّي
مذاقُ الشهدِ
على شفتي
ونسيم القطر على رئتي
والوجدُ اطارْ..
العدد 48 - الأربعاء 23 أكتوبر 2002م الموافق 16 شعبان 1423هـ