العدد 2143 - الجمعة 18 يوليو 2008م الموافق 14 رجب 1429هـ

هل خذلت جنوب إفريقيا إرث مانديلا؟

احتفل نيلسون مانديلا بعيد ميلاده التسعين أمس (الجمعة) كرجل دولة يلقى احتراما على نطاق واسع لكن جنوب إفريقيا تواجه عددا من المشاكل التي تمثل تحديا للحلم الذي يجسده لأمة متجانسة متعددة الأطياف.

ويلقى مانديلا الذي سجن 27 عاما لكنه سامح سجانيه السابقين إشادة كمثال ساطع للقدرة على التسامح والمصالحة.

ابتسامته وروح المرح التي يتمتع بها جعلته شخصية دولية محبوبة لها وزنها. وهو نادر بين الزعماء الأفارقة بموافقته على التخلي عن السلطة بسرعة بعد فترة ولاية واحدة فقط عقب انتهاء حقبة التمييز العنصري في العام 1994 .

وهو يسمو فوق الأجناس والآراء في جنوب إفريقيا نفسها وتبجله جميع فئات المجتمع بمن فيهم البيض الذي حارب من أجل الإطاحة بحكمهم. غير أن عيد ميلاده يأتي في وقت تشهد فيه بلاده أزمة في عهد سلفه ثابو مبيكي الذي يتعرض لانتقادات واسعة لفشله في مكافحة الايدز والفقر وتعاني البلاد من أزمة سلطة كبيرة وجرائم عنف وكارثة في زيمبابوي الدولة المجاورة لبلاده.

وفي وصف الإشادة التي لقيها مبيكي عندما أصبح رئيسا كتب رئيس تحرير صحيفة «فاينانشال ميل» بارني متومبوثي هذا الأسبوع يقول «مانديلا وحّد البلاد. ومبيكي أشاع الفرقة... من المحزن أن أرى أن (الرئيس) الحالي يحقر ميراثه».

يقول بعض المحللين إن فكرة أن مانديلا كان يمثل عصرا ذهبيا من الأمل خذلته البلاد الآن غير صحيحة.

وقال البروفسور ستيفن فريدمان بجامعة رودس «المرة الأولى التي سمعت فيها قول أحد الصحافيين أن حلم مانديلا تحطم كانت في بداية العام 1995. إنها جزء من ردة الفعل التلقائية إزاء هذا النوع من المواقف».

لكن ليس هناك شك في أن فورة حكم مانديلا تبخرت.

كثير من مواطني جنوب إفريقيا وخاصة الأكثر تعليما غادروا جنوب إفريقيا إلى دول أخرى ويتحدث آخرون عن عمل الشيء نفسه.

وقالت صحيفة «ذا ميل آند غارديان» الأسبوعية إن تقريرا بحثيا فوضت به الحكومة أظهر أن 36 في المئة من السكان لم يعد لديهم التزام نحو البلاد وان 29 في المئة يفكرون في الهجرة.

وتعاني جنوب إفريقيا من نوع من أسوأ جرائم العنف خارج منطقة حرب وخاصة في منطقة جوتينغ حول جوهانسبرغ. وتعاني البلاد من أكبر نسبة إصابة بمرض نقص المناعة المكتسب (الايدز) في العالم.

وتتهم نقابات العمال والجناح اليساري داخل حزب المؤتمر الوطني الإفريقي الحاكم مبيكي بانتهاج سياسات في مصلحة رجال الأعمال أدت إلى تأخير ثمار حكم السود للفئات الفقيرة. ويبلغ معدل البطالة نحو 23 في المئة.

ويتعرض النمو في أكبر اقتصاد في إفريقيا للخطر بسبب أزمة في الطاقة حرمت مناجم البلاتين والذهب الحيوية من الكهرباء وتهدد بإذكاء الاضطرابات بين نقابات العمال والمستوطنات الفقيرة.

ويوجه الاتهام إلى مبيكي بالقيام بوساطة غير فعالة في زيمبابوي حيث أدت الأزمة المتفاقمة إلى نزوح ملايين اللاجئين إلى الدول المجاورة وخاصة جنوب إفريقيا.

وهؤلاء اللاجئون كانوا من أهداف العنف ضد الأجانب في مايو/ أيار الماضي. ومشاهد إحراق أجانب أحياء تذكر كثيرين بأعمال العنف الوحشية في نهاية فترة التمييز العنصري.

والإجراءات الأخيرة من جانب حزب المؤتمر الوطني الإفريقي أثارت مزيدا من القلق حيث يتهم زعماء الأحزاب بارتكاب اعتداء خطير على استقلال القضاء لحماية الزعيم الجديد جاكوب زوما الذي يواجه اتهامات بالفساد يمكن أن تخرج خلافته المتوقعة لمبيكي في العام 2009 عن مسارها.

لكن بعض المحللين يقولون إن هذه المخاوف مبالغ فيها.

وقال فريدمان لـ «رويترز» إنه بينما قام مانديلا بدور «رائع وهائل» في مصالحة الأجناس، إلا أنه «لم يكن المسيح وهو ليس المسيح».

وقالت المحللة السياسية بجامعة ويتووترساند سوزان بويسون «نوع الحلم الذي كنا نعتز به كلنا في عهد مانديلا له تاريخ صلاحية».

ويقول محللون إن مكانة مانديلا في التاريخ ترجع إلى الطريقة التي تجنبت بها قيادته الملهمة وقدرته على المصالحة الحرب الأهلية في نهاية التمييز العنصري ووحدت الأجناس في ديمقراطية جديدة ضد الخلافات الكبيرة.

لكن كان ينظر إليه على أن حنكته الاقتصادية لم تكن واضحة وترك السياسة التفصيلية لمبيكي نائب الرئيس الذي أدار الحكومة آنذاك بفاعلية.

وقال فريدمان «مانديلا كان مهتما بالناس وتجاهل السياسة». وأضاف «كان (مانديلا ومبيكي) كفريق يمثلان ثنائيا جيدا لكن عندما كان أحدهما يضطر إلى الاعتماد على الآخر كانت تظهر مشكلة».

ورغم العديد من المشاكل إلا أن التفاؤل كان هو السائد.

وقالت سوزان بويسون «لاتزال هناك بالتأكيد توقعات قوية للغاية من جانب الغالبية بأن تتوافر فرصة لهذه الحكومة لتحسين الأحوال. إنه حلم دائم التكيف وليست نهاية حلم لفترة طويلة».

وقال كبير الأساقفة ديزموند توتو صديق مانديلا وزميله في الفوز بجائزة نوبل للسلام في مقال نشرته إحدى الصحف بمناسبة عيد ميلاد الزعيم الإفريقي «لدينا نعمة سابغة في الشخص الذي جعلنا نؤمن بأن الأمة المتعددة الأطياف هي أمة قابلة للحياة».

العدد 2143 - الجمعة 18 يوليو 2008م الموافق 14 رجب 1429هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً