«دعني أخبرك شيئا يا سايمون. الناس هنا جاهلون نوعا ما، والجهل يولّد الخوف، والخوف يولّد العنف، لذا كن على حذر».
كانت تلك نصيحة قدمها لي سائق شاحنة بعد أن أوصلني إلى قرية صغيرة في تكساس، وأنا في طريقي من هيوستن إلى أوستن قبل 25 سنة.
كان الأمر مسليا وقتها، ولكن النصيحة بقيت في ذهني. وعندما بدأت السفر إلى دول مزقتها النزاعات العنفية، أدركت كم كانت نصيحة رجل غريب إلى راكب غريب في بلاد غريبة صحيحة في الواقع.
يولّد الجهل الخوف، والخوف يولّد العنف. كانت هذه أول فكرة تجول في خاطري عندما بدأت أبحث في أثر الخوف على النزاع العربي الإسرائيلي.
قمت بزيارة عمل إلى “إسرائيل” والضفة الغربية مرتين في السنوات الأخيرة لعقد ورشات عمل في مجال الإنتاج في شبكة «معا» التلفزيونية الفلسطينية. برزت العلاقة بين الجهل والخوف وجرى التركيز عليها بشدة خلال العديد من الأحاديث مع إسرائيليين وفلسطينيين. لاحظت فروقات في المواقف تجاه «الآخر» عبّر كل من الفلسطينيين والإسرائيليين الذي عاشوا كراشدين قبل الانتفاضة الأولى، وهؤلاء الذين كانوا أصغر سنا من أن يتذكروا الكثير قبل ذلك، عنها.
ماذا كان الفرق؟ كان لمعظم الذين زادت أعمارهم على الأربعين أصدقاء أو شركاء في العمل من «الطرف الآخر» قبل الانتفاضة. أصبحت عبارة «قبل الانتفاضة» بالنسبة لي عبارة تماثل «قبل السيد المسيح» أو «بعد السيد المسيح».
يقول صلاح، وهو خزّاف من الخليل إنه كان يصدّر، قبل الانتفاضة، منتجاته الخزفية إلى أوروبا مع صديقه الإسرائيلي شلومو. كانا يتناولان الطعام في منزل كل منهما، ويمارسان الأعمال التجارية معا، إلا أن التواصل الوحيد بينه وبين صديقه القديم في “إسرائيل” اليوم هو مكالمة هاتفية عابرة.
لا يخاف صلاح من اليهود أو الإسرائيليين كأناس، فهو يعلم أن الأرضية المشتركة بين الشعبين أكثر من خلافاتهما، إلا أن السياسيين قد قاموا بتخريب تلك الأرضية المشتركة.
هاجرت عمتي زيلدا المقيمة في تل أبيب من إنجلترا قبل 30 سنة. أخبرتني أنها كانت تستمتع قبل الانتفاضة بتناول الطعام مع أصدقائها العرب في مطاعم عربية، وهو أمر لا يمكن حتى التفكير فيه اليوم. لا تخاف زيلدا من المسلمين أو الفلسطينيين، ولكنها تخاف المتشددين المتطرفين من كافة المعتقدات، وتخاف من “إسرائيل” إذا بقيت على المسار نفسه.
تجسّد هذه الأمثلة توجهات ومواقف جيل ما قبل الانتفاضة، فهم لا يخافون «الآخر»، وهم يعلمون أنهم لا يتشاركون فقط بالمصالح الإنسانية المشتركة وإنما بالكثير من تراثهم الثقافي.
قارن ذلك بجهل جيل ما بعد الانتفاضة. لا يملك الإسرائيليون والفلسطينيون الشباب سوى معرفة محدودة «بالآخر»، وهذا ليس ذنبهم. وإذا ما واجهوا بعضهم بعضا فإن ذلك يحصل عبر نقطة تفتيش أو خلال عملية عسكرية، وهي مواقف لا تنير إنسانيتهم المشتركة وإنما تعزز الجهل والتحامل والخوف.
هناك مئات من السواح على جبل جرزيم للاحتفال بعيد الفصح عند السامريين، وهي مناسبة بهيجة عائلية إلى حد بعيد. تبرز مجموعة من الشباب الإسرائيليين بين الجمهور المختلط، فهم يحملون الرشاشات. أسأل أحدهم لماذا يحمل السلاح. «لكي نحمي أنفسنا»، يجيبني. «يتوجب علينا أن نقود سياراتنا عبر الضفة الغربية للوصول إلى هنا، وأنت لا تعلم متى يهاجمك هؤلاء الناس (الفلسطينيون)». كان يخاف من شعب لم يكن يعرفه أو يفهمه، وقد أدى به خوفه إلى حمل السلاح ولأن يكون مستعدا للعنف.
يشن الطلبة في جامعة الأقصى في رام الله حملة نشطة لانتخاب اتحادهم الطلابي. يضع أحد أنصار حماس إكليلا حول عنقي معلنا: «أنت تحب حماس وتكره “إسرائيل”. أنت تكره اليهود، أليس كذلك؟» لم يكن ذلك سؤالا في الواقع.
«كلا، ليس كذلك في الحقيقة»، أجبته وأنا أزيل الإكليل من حول عنقي. لم يقابل هذا الشاب يهوديا في حياته من قبل، أو على الأقل، يهوديا غير مسلح، وبالتأكيد لم يقابل بريطانيا نصف يهودي غير صهيوني مثلي. كل ما يعرفه عن اليهود هو أن “إسرائيل” هي الدولة اليهودية التي أعلنت عن نفسها وتحتل بلده. كان يخاف، مثله مثل نظيره الإسرائيلي، أناسا لم يكن يعرفهم، وكان على استعداد مماثل لرد عنفي.
بوجود وجهات النظر هذه، لدى الناس بالتأكيد سبب كافٍ ليخافوا بعضهم بعضا، لأن العنف، كما نعلم جيدا هو النتيجة اليومية لهذه المخاوف.
ما هو الأمل إذن بالتوصل إلى حل؟ ليس الكثير، ما لم يتم تحقيق تغيير جاد حقيقي.
لن يتعرف الشباب في رام الله أو الخليل أو تل أبيب أو القدس على الآخر أبدا كأفراد ويكتشفوا النواحي المشتركة بينهم طالما يستمر بناء الحواجز وتعزيزها.
أعتقد أنا وبعض أصدقائي من فترة ما قبل الانتفاضة أن الحل الممكن الوحيد هو أن يعيش المسلمون واليهود والمسيحيون وغيرهم معا متساوين، ينظرون إلى بعضهم بعضا كجيران، يعملون على تحقيق النواحي المشتركة بينهم ويتفهّمون خلافاتهم.
ولكن هناك أمر وحيد أكيد، وهو أن الحل المستدام يتطلب جهودا مستمرة لدحر الجهل بالآخر، مثل الخدمة الإخبارية هذه
العدد 2501 - السبت 11 يوليو 2009م الموافق 18 رجب 1430هـ