كنت هناك قابعة بين جدران صف من الصفوف في إحدى المدارس، كنت هناك بين الجدران عندما خالجتني فكرة أن أدع قلمي ينطلق، فقد مضى وقت طويل وهو حبيس الجدران، جدران الصمت القاهر، أخذت منحى في إحدى زوايا الصف، في الحقيقة لم تكن بجعبتي ورقة لأسرد فيها كلماتي، تناولت ورقة بالية كانت مركونة فوق الطاولة، حينها استرسل قلمي في الكتابة قبل أن تتطاير الكلمات وتتبخر كالعادة، وعندها تزاحمت الكلمات وكادت أن تتناثرالحروف غاضبة، علق القلم بين أناملي برهة من الزمن، أخذت أنظر في زوايا الصف حتى بدأ يعتصرني الألم، وبدأت أتحسر على أيام مضت ومستقبل غامض في هذا المكان، ولكن بآهات خافتة صامتة، وبأنين لايسمع، ثم بدأت الكلمات تنهمر وتنساب في قافلة منظمة، مكونة هذه السطور.
كلمات قد تطول وقد تقصر ولكن دائما يكون هناك مغزى لكل حرف ولكل كلمة، وخصوصا عندما يكثر السائلون، ودائما يسألون باستغراب، أمازلت كما أنت في السلم الوظيفي نفسه، حتى بعدما حصلت على الماجستير؟ أعلم في قرارة نفسي أنهم يجهلون أو يتجاهل بعضهم السبب الحقيقي، وقد يعجز الكثير عن طرحه، أرد في كثير من الأحيان بابتسامة بائسة حتى لو كنت بروفوسورا! أبقى في السلم الوظيفي نفسه، لأنني لست منهم فهم مواطنون من الدرجة الأولى، وهناك معايير تصنف للرقي الوظيفي، وهذه المعايير لاتنطبق على أي مواطن، معايير خاصة يضعها غالبية المسئولين في المؤسسات والوزارات، معايير لاتنطبق على ذوي الكفاءات والخبرات، معايير تغض الطرف عن المؤهلات العلمية، معايير تكون في غالبية الأحيان مبهمة يجهلها الكثيرون أمثالي، ولنبقى نحن كما نحن نضمحل ونسقط في بؤرة النسيان.
قد نكون في نظرهم شيئا آخر غير الذي نحن عليه، ولكن على رغم كل هذا فأنا شخصيا أحترم تلك المعايير التي يشترط بها الرقي الوظيفي في وطني، حتى لوكانت هذه المعايير من الصعب أن تشملني، وأقدر اختياراتهم حتى لو كانت هذه الاختيارات تتجاهلني وتنكرني، لا لشيء ولكن لأني من أبناء هذا الوطن، هذا الوطن الذي أخشى عليه من الغربة وأخشى أن أكون غريبة فيه، أخشى أن تتبعثر حروفه وتتشوه كلماته وتصبح مجرد كلمات مبهمة غير مفهومة حتى لو ترجمت، ولكنها في الأصل ذات معنى وستبقى دائما واضحة بالنسبة لي، فلغة هذا الوطن لغتي مهما حرفت، قد يبحث البعض عن مغزى لهذه الكلمات، وقد يستنكرها البعض الآخر. ولكن ليعلم الجميع بأنها كلمات للوطن، وسيبقى الوطن وطنا.
نجاح ربيع
العدد 2439 - الأحد 10 مايو 2009م الموافق 15 جمادى الأولى 1430هـ