المجتمع هو ذلك الكمّ الهائل من الثقافة، والفكر، والعادات والتقاليد، والرؤى، والأيدلوجيات الإنسانية، والتي تُترجم على أرض الواقع من خلال بعض السلوكيات والممارسات ذات البُعد الثقافي، والتي يمارسها الإنسان البشري.
لمّا أن عرفنا ماهية المجتمع – أي مجتمع بشري - وفهمنا مكنوناته وما يختزنه في دواخله من فكر وثقافة وغيره يتحُّتم علينا إذا ما أردنا فهمه الفهم الموضوعي الصحيح، أن نقرأ ذلكم المجتمع قراءة وافية مستوفية، في ُبناه التحتية ونقرأ كل حيثياته وندرس كل المفاهيم والمسلمات التي يمارسها عبر مساراته التاريخية.
أن نفهم مجتمعا ما عبر نظرةٍ عابرةٍ ولوهلةٍ خاطفة ونطلق عليه حكمنا سواء أكان إيجابيا أو سلبيا لهو انتقاص ومجانبة إلى روح الإنصاف والموضوعية، المجتمع بما يحمله من ترسانة معرفية ليس وليد لحظته بل هو نتاج تراكمات وتجارب ومخاضات كثيرة خاضها وكابدها عبر كل مقاطعه وأدواره في الحياة.
نعم لنقرأ المجتمع القراءة الواعية والهادفة في آن والتي تدفع بنا نحو الأمام والتطوير والإصلاح، نعم لننتقد الذات ونجتهد في تطويرها وترميم كل الشروخ التي تعتريها، ولكن لا يجوز أن نمارس أساليب مرضية «جلد الذات «، صحيحٌ أنّ هنالك الكثير من السلوكيات المغلوطة أو الصحيحة والتي نمارسها في واقعنا تحتاجُ إلى نقاشٍ وفهمٍ من قبل المجتمع، وتحتاج أيضا إلى تبريرات شرعيةٍ وعقلائية.
تصحيح السلوكيات الاجتماعية يعني فحص ثقافي كامل للجسد، للوقوف على مكامن القوة والضعف، لكي تتمُّ عملية المعالجة العاجلة عن أن تستفحل وتنتشر في أجزاء أخرى من الأعضاء الاجتماعية، والتصحيح هو أول خطوة في مشوار النهوض بالكيان نحو ممارسة سليمة للمفاهيم، بعيدا عن كل الممارسات الملتوية والتي ترجع بالسلب على مسيرة أي مجتمع من المجتمعات البشرية.
يقولون إن «السؤال هو أول المعرفة وبداية العلم» ولكن أي سؤالٍ هو الذي يكون طريقا إلى التنوير والعلم؟ هل هو سؤال الفضول وسؤال العناد أم سؤال التفهم وسؤال الحقيقة «سل تفهما ولا تسل تعنتا فعندما نسأل أو نطرح إشكالا عن هذه النقطة أو تلك ليس الهدف من ورائه اللجاجة أو السؤال لمجرد السؤال وإنما هو لمغزى ويحمل هدفا ساميا ألا وهو الحقيقة التي هي أعلى مراتب العلم وأرقاها، نحن لا نمارس «السفسطة» ولا نتبناها وليست هي من مفردات حواراتنا ونقاشاتنا الاجتماعية .
قديما قال ديكارت قولته الشهيرة «أنا أفكر إذا أنا موجود»هذا الإنسان هو تصغير لهذا المجتمع بل لهذا الكون الواسع بمعنى أنّ هذا الإنسان الصغير في حجمه هو نفسه تنطوي فيه كل هذه الأكوان ، كناية عن عقله وسعة إدراكه وما يحويه فكره «أتحسب أنك جرمٌ صغير وفيك انطوى العالم الأكبر»أمير المؤمنين علي «ع»، فعندما يفكّر المجتمع وُيعملُ هذه الطاقة البشرية العظيمة لأجل الارتقاء بإنسانيته في مجالات الحياة كل الحياة عندها يمكن إطلاق صفة الوجود عليه وإلاّ فما هو الفارق بين المجتمع الخاوي الذي لا يفكر وبين الميت الذي فارق هذه الدنيا.
حركة المجتمع في التاريخ ليست على وتيرة ثابتة وليست على إيقاع متوازٍ بل هناك مقاطع تاريخية كثيرة كان فيها لصفة الجمود وجودها الكبير على المشهد الاجتماعي وفي مقاطع «زمكانية»أخرى كان لسمة الحركة الديناميكية الوجود الأبرز والصفة الغالبة على المسرح ، وللسبب ذاك وغيره من الأسباب الموضوعية الأخرى يتحتّم على أي مثقف أو مفكّر أن ينظر إلى المجتمع حال تشخيص حالته ككل ناظرا إلى ماضيه ومستقبله ومجمل الملابسات المحيطة به ولا يتأثر من أجواء لحظته كون الأخير لا يعطي المشهد الكلي بتفاصيله ودقائق أموره وربما يعطي نتائج عكسية أو مغلوطة.
صوغ المفاهيم الثقافية والاجتماعية لا تعني انقلابا أبيضا على عاداتنا وتقاليدنا الصحيحة، بل هي تعزيزٌ إلى وجودها وترسيخها في ذهنية ووعي المجتمع بعد أن ندرسها ونضعها على طاولة البحث والمناقشة، انظروا إلى الهندام الجديد عندما يلبسه إنسان أيَّ إنسان، ألاّ يكون ذلك الإنسان موضع إعجاب وارتياح الناس الذين من حوله كذلك هو الصوغ لمفاهيمنا وإرثنا الشعبي فما أجمل أن نمازج بين التراث وبين التجديد فكلما كان الشيء يتجدد كلما كان موضعاَ لإقبال الناس ومحلا لإطرائهم بخلاف الرتابة فهي تقضي على الممارسات الشعبية وتجعل منها فضفاضة من غير روح.
في رواية «ألف ليلة وليلة»لابن المقفع التي ترجمها وصاغها بصياغة العربية الفصحى محاولات إلى الاقتراب من فهم المجتمع عبر تفكيكه وتقسيمه إلى طبقات اجتماعية متعددة وانتقاد مواضع الخلل فيه عبر أسلوب قصصي جميل وشخوص تعكس الطبيعة البشرية، المتحصل من كل الكلام المتقدم أن النقد إلى الظواهر الاجتماعية والسلوكيات البشرية هو بداية في طريق إصلاح وتدعيم عجلة التجديد والإبداع الإنساني والتي هي محل تقدير وتبجيل كل الثقافات والحضارات البشرية قديمها وحديثها.
ميثم مسعود
العدد 2513 - الخميس 23 يوليو 2009م الموافق 30 رجب 1430هـ
تتمة أخرى
4- النقد البناء هو وسيلة الرقي والتقدم كما ذكرتم وبه تترقى الأمم وتنشأ الحضارات ويترتقي الفرد، فهو في الحقيقة ما نطمح إليه.
أشكركم مرة أخرى على المقال، وهذه شذرات تقبلها مني.
دمت بحفظ الله
تتمة
2-مقولة ديكارت للأسف خاطئة، فهو يريد أنه لما كان مفكراً كان موجوداً ولكنه قدم الأنا على التفكير بمعنى أنه أثبت وجوده ثم التفكير ثم وجوده مرة أخرى وهذا خطأ منهجي، فعبارته المشهورة يريد منها نفي التشكيك عن نفسه بإثبات أن التفكير دليل على وجوده وهو كما وصفنا.
3-مثقف اليوم هو عبارة عن (مقلد) يستمد آليات نقده من بيئة مغايرة للموضوع الذي ينقده، آليات خلقها المناخ السيئ الذي عاناه النصارى واليهود من التناقضات في العهدين ثم تتطبق على القرآن والسنة!.
نقد بناء
السلام عليكم.
أشكركم على هذا المقال الجميل فعلاً وأدعوا الله لكم التوفيق والتسديد في حياتكم العلمية والعملية، لدي بعض الملاحظات أرجوا تقبلها وهي كالتالي:
1- مثقف اليوم يعاني من أزمة توقع على الذات فهو إنسان أشبه بسوبرمان يعتبر أكثر الناس حشرات، همه فقط إكثار المصطلحات والغرق في النظريات الغربية وتنتابه دائماً هستيريا النقد والإبتعاد كلياً عن نقد السلطات الظالمة.