أكد اقتصاديون أن الدُّول الخليجية لن تستطيع تحقيق جميع الشروط المطلوبة للوصول إلى الاتحاد النقدي في العام 2010. وقالوا: «إن الدُّول الخليجية لن تستطيع تطبيق جميع الشروط للوصول إلى الاتحاد النقدي في الموعد المحدد والتي تتضمن تقييد الدَّين العام بنسبة 60 في المئة من الناتج المحلي وضمان عدم ارتفاع العجز في الموازنة العامة عن نسبة 3 في المئة من الناتج المحلي وألا يتجاوز متوسط التضخُّم بين الدول الخليجية 2 في المئة».
وأشاروا إلى أن الدول الخليجية غير قادرة على تنفيذ الشرط المتعلق بنسب التضخم وخصوصا قطر والإمارات اللتين تعانيان من مشكلة التضخم بشكل كبير.
وقالوا خلال الندوة التي نظمتها «الوسط» بشأن الاتحاد النقدي الخليجي: «إن تحديد العام 2010 لإصدار العملة الخليجية الموحدة هو من أجل أن تثبت الدول الخليجية أنها جادة ومصممة على موضوع الاتحاد النقدي».
وأكدوا وجود تناقض في تصريحات محافظي البنوك المركزية الخليجية، فالبعض منهم يرى أن كل الأمور تسير على ما يرام في حين يصرح البعض منهم بأن مشكلة التضخم لن تسمح بالمضي قدما.
وذكروا في الندوة التي شارك فيها كل من عضو لجنة الشئون المالية والاقتصادية بمجلس النواب جاسم حسين والباحث الاقتصادي جعفر الصائغ أن الدُّول الخليجية تمكنت من الانتهاء من بعض الخطوات في طريق إنشاء المجلس النقدي في العام 2009 ويمكن أن يعتبر ذلك نواة لإنشاء البنك المركزي الخليجي, بعد هذه الخطوة سيتم وضع الضوابط الخاصة بعمل البنك ومكان مقر البنك.
وفيما يأتي نص النَّدوة:
*بعد إقرار وزراء المالية والاقتصاد في دول مجلس التَّعاون الخليجي اتفاقية الاتحاد النقدي والنِّظام الأساسي للمجلس النقدي الخليجي الموحد، هل يعني ذلك أن الدول الخليجية انتهت من الأمور التمهيدية وبدأت في تنفيذ الخطوات العملية لإصدار العملة الخليجية الموحدة؟
- جاسم حسين: لم يتخذ القرار النهائي لحد الآن وكل ما حدث هو أن محافظي البنوك المركزية لدول المجلس رفعوا توصية الى وزراء المالية وسترفع هذه التوصية الى قمة مجلس التعاون التي ستعقد في مسقط في نهاية شهر نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل, لقد تم الانتهاء من بعض الخطوات في طريق إنشاء المجلس النقدي في العام 2009 ويمكن أن يعتبر ذلك نواة لإنشاء البنك المركزي الخليجي, بعد هذه الخطوة سيتم وضع الضَّوابط الخاصة بعمل البنك ومكان مقر البنك, في تصوري هناك نوع من التسرُّع في وتيرة إنشاء الاتحاد النقدي في العام 2010 على رغم أنني أعتقد أن الظروف الآن غير مناسبة أصلا وأنا لا أميل الى إنشاء الاتحاد النقدي في هذه الفترة, وأعتقد أن المطلوب الآن هو التركيز على السُّوق الخليجية المشتركة, فحتى الآن نحن لم ننتهِ من موضوع الاتحاد الجمركي عمليّا فلم نتفق على بعض الأمور؛ كتوحيد الإيرادات الجمركية كما أنه لا يزال هناك تفاوت في الرسوم المفروضة على الواردات, إن الاتحاد الجمركي دخل حيز التنفيذ في العام 2003 في حين أن مشروع السُّوق الخليجية المشتركة قد دخل في حيز التنفيذ في العام الجاري 2008 ولذلك يجب ترك هذه الأمور لتتخذ مجراها الطبيعي بحيث تتحرك جميع وسائل الإنتاج في الخليج من دون أية عراقيل.
أعتقد أن تحديد العام 2010 لإصدار العملة الخليجية الموحدة هو من أجل أن تثبت الدول الخليجية أنها جادة ومصممة على موضوع الاتحاد النقدي, أعتقد أن ما سيحدث هو الآتي: سيتم تأسيس المجلس النقدي كما سيتم اختيار المدينة التي ستستضيف مقر البنك المركزي وأتمنى أن تكون المنامة على رغم وجود منافسة قوية من قبل كل من دبي والدَّوحة وأعتقد أن دبي مؤهلة أكثر من الدَّوحة فلديها الإمكانات والبُنى التحتية اللازمة لذلك في حين تتميز البحرين بخبرتها في مجال الصيرفة والخدمات المالية بجانب وجود الكوادر الوطنية المؤهلة... لقد اختار الاتحاد الأوروبي مدينة فرانكفورت الألمانية لمقر البنك المركزي الأوروبي بسبب كونها مدينة تجارية ضخمة.
تحقيق الشُّروط المطلوبة
*ولكن الأسباب التي ذكرتها؛ هل تعتقد أنها ستؤجل موعد تطبيق الاتحاد النَّقدي؟
- حسين: أعتقد أن الاتحاد النَّقدي لن يرى النور في العام 2010 بسبب أن الدُّول الخليجية لن تستطيع تطبيق جميع الشروط للوصول الى الاتحاد النَّقدي والتي تتضمن تقييد الدَّين العام بنسبة 60 في المئة من الناتج المحلي وضمان عدم ارتفاع العجز في الموازنة العامة على نسبة 3 في المئة من الناتج المحلي.
*ولكن ألا ترى أنَّ الوفرة المالية التي تملكها الدُّول الخليجية نتيجة ارتفاع أسعار النَّفط يمكن من خلالها توفير هذين الشرطين؟
- حسين: نعم ولكن لدينا موضوع التضَّخم؛ فمن بين الشروط هو ألا يتجاوز متوسط التضخم بين الدول الخليجية 2 في المئة وأيضا ما يخص نسب الفائدة وأخيرا الاحتياطي النَّقدي, المشكلة الآن هي في التضخم، فحتى الآن فان الدِّراسات تشير الى أن الدول الخليجية غير قادرة على تنفيذ هذا الشرط وخصوصا قطر والإمارات التي تعاني من مشكلة التضخم بشكل كبير, هناك دراسة حديثة صدرت عن مركز دبي المالي العالمي أشارت الى وجود بعض الدُّول المؤهلة وبعض الدُّول غير المؤهلة لتطبيق الاتحاد النقدي على رغم أن بعض الدول لا تنشر النسب الحقيقية للتضخم، فمثلا ما تنشره البحرين من أرقام غير صحيح بالنسبة إلى التضخم إذ تزعم أن نسبة التضخم في البحرين أقل من 4 في المئة وذلك خلافا للحقيقة فنسبة التضخم في البحرين هي في حدود 10 في المئة، أعتقد أن التضخم سيكون العائق الرئيسي في هذه القضية.
*بالإشارة إلى دراسة مركز دبي المالي العالمي فإن هذه الدراسة تؤكد إمكانية تطبيق الاتحاد النقدي في العام 2010؟
- حسين: من الممكن ذلك ولكني أعتقد أن هذا الموعد مستعجل جدّا، فالآن يجب التركيز على السوق المشتركة بحيث يتم تشكيل سوق خليجية واحدة فعلا, هناك استعجال في هذا الأمر كما أن هناك ضغوطا.
*ولكن إيجاد عملة خليجية موحدة أليس ذلك عاملا مساعدا في تطبيق السّوق الخليجية المشتركة؟
- حسين: بالطبع، إن ذلك سيساعد ولكن من خلال تجربة الاتحاد الأوروبي فإنه لاتزال هناك بعض المشاكل في موضوع اليورو, وبالرجوع إلى الموضوع فإنني أرى أن الدول الخليجية سوف لن تبدأ في مشروع الاتحاد النقدي في العام 2010 وأن ما سيحدث هو أنه بعد تأسيس المجلس النقدي والبنك المركزي في العام 2009 سيتم إعلان تأخير الموعد ليقال إن الدول الخليجية اتخذت بعض الخطوات العملية ولكنها تريد تأخير تدشين الاتحاد النقدي لوقت لاحق, وأعتقد أن التوقيت السليم هو 2014, نحن لا نحتاج إلى أن نكون في عجالة من الأمر.
- جعفر الصائغ: إن العمل في تأسيس الوحدة النَّقدية بدأ منذ أكثر من عقد من الزَّمان منذ تأسيس مجلس التعاون الخليجي وأعتقد أن الوحدة النقدية تعتبر ضرورة للانتقال إلى مرحلة جديدة إذ انه من دون الوحدة النقدية لن يكون هناك تكامل اقتصادي حقيقي بين دول مجلس التعاون كما لن يكون هناك تقدم في مسار مجلس التعاون، فإما أن يواصل المجلس تقدمه أو أن تتوقف جميع المؤسسات ويبقى مجلسا للتَّعاون فقط, لقد اتخذت الكثير من الخطوات خلال السنوات الماضية لتأسيس الوحدة النَّقدية وتم وضع المعايير كما تم الطلب من جميع الدول العمل على تحسين المؤشرات وتهيئة أنفسهم للوحدة النقدية, ومن المفترض أن يكون العام 2010 هو البدء الفعلي للوحدة النقدية, إن العملية توقفت في بعض الأحيان كون أن بعض الدول لم تكن لديها الرغبة لعدة أسباب، منها سياسية ومنها اقتصادية وذلك حدث أيضا في الاتحاد الأوروبي.
بالطبع لقد تم اتخاذ عدد من الخطوات المهمة في هذا المجال كتوحيد ربط العملات الخليجية بالدولار الأميركي, لكن كان من المتوقع ألا ينتهي العمل في العام 2010 بسبب أن الخطوات المطلوبة لا تقتصر على توحيد المؤشرات, إن ما تم في الاجتماع الأخير هو الاتفاق على تعيين مجلس نقدي من المفترض أن تكون من مهماته وضع الأسس للوحدة النقدية والانتقال إلى تأسيس البنك المركزي, إن إنشاء المجلس النقدي يعني أن هذا المجلس هو الذي سيحدد موعد البدء الفعلي لإنشاء البنك المركزي وموعد إطلاق العملة الموحدة ويحتاج المجلس النقدي إلى عقد عدة اجتماعات لكي يستطيع اتخاذ مثل هذه القرارات ولذلك فسيحتاج إلى عدة سنوات أخرى. من المؤكد أن إطلاق العملة لن يكون في 2010 أو 2011 ولكن من المتوقع أن يحدث ذلك في 2012 أو بعدها.
«التضخم»… المشكلة الكبرى
*لو ناقشنا الشروط الموضوعة وما تحقق منها وما لم يتحقق، فما هي النتيجة؟
- حسين: إن تقرير مركز دبي المالي العالمي يشير الى أن دول الخليج تستوفي جميع الشروط باستثناء معيار التضخم وخصوصا في قطر والإمارات، فبحسب التقرير فان متوسط التضخم في الدول الخليجية في العام 2007 كان 6.91 في المئة وشرط التضخم يتضمن ألا تزيد نسبة التضخم في أية دولة على 2 في المئة عن متوسط التضخم العام في الدول الخليجية ما يعني أن نسبة التضخم في أية دولة يجب ألا تكون أكثر من 9 في المئة حدّا أقصى في حين أن دولة قطر عانت من تضخم وصل الى 14 في المئة في العام 2007 والإمارات 12 في المئة ولكني أعتقد أن الرقم الخاص بمتوسط التضخم في الدول الخليجية غير صحيح وانه أعلى من ذلك.
*ولكن كيف تؤثر نسبة التضخم على تطبيق الاتحاد النَّقدي، ولماذا وضع هذا الشرط؟
- حسين: إن معنى ذلك هو أن بعض الاقتصادات ستفرض واقعها على الاقتصاد في الدُّول الأخرى، إن التَّضخم يعني أن الدَّولة تحتاج إلى اتخاذ قرار بزيادة أو خفض مستوى الصَّرف ما سيؤثر على الشُّروط الأخرى وأسعار الفائدة ما يمكن من أن تصدِّر مستوى التضخم لديها إلى الدُّول الأخرى. لذلك أرى أن الدول الخليجية يجب أن تواجه التحديات الاقتصادية الموجودة لديها حاليّا من أمور كالتَّضخم والأزمة المالية العالمية التي تحدث الآن، ولذلك فأرى أن هناك استعجالا في الأمر لأسباب سياسية إذ إن الدُّول الخليجية تؤكد أنها تستطيع الوصول الى الاتحاد النقدي في الموعد المحدد ولكن ما أتوقعه هو أنه في العام 2009 سيتم إعلان تأجيل تنفيذ المشروع مع الحديث عن أن دول الخليج مصممة وأنها ستواصل العمل في المشروع لكنها يجب أن تراجع الشروط الموضوعة وأن الظروف العالمية تفرض نفسها.
*تم الحديث عن أن عددا من الدول الخليجية ترغب في أن يكون مقر البنك المركزي لديها، كدولة قطر والإمارات والكويت فما الذي سيضيفه وجود المقر في هذه الدول إليها، وهل سيكون اختيار دولة المقر عائقا أمام تنفيذ المشروع أو تأجيله على الأقل؟
- الصائغ: لا أعتقد أن اختيار دولة المقر سيكون عائقا أمام الوحدة النقدية إذ ستدخل دول المجلس كل على حدة في محاولات لتكون هي مقر البنك وبالطبع فإن المجلس النقدي سيلعب دورا في الاختيار وسيقوم برفع توصية بالمكان الأنسب ولكن لا أعتقد انه ستكون هناك خلافات كبيرة بشأن هذا الموضوع.
- حسين: إن اختيار أية دولة لتكون مقر البنك المركزي سيضيف إليها أولا السمعة العالمية، فدائما مَّا تتصدر دولة المقر الأخبار خلال الاجتماعات، فمثلا بروكسل التي تستضيف مقر الناتو ليست بالدولة المهمة على خريطة العالم إلا أنها اكتسبت سمعة عالمية من خلال وجود مقر الناتو فيها, ويبقى السؤال بشأن المنافسة بين الدوحة ودبي والمنامة لاستضافة مقر البنك المركزي الخليجي والكويت بدرجة أقل كون الكويت لا تمتلك بنية تحتية كبيرة في مجال الخدمات المالية وأعتقد أن دبي أكثر تأهيلا من غيرها لاستضافة المقر ولذلك أتوقع أنها ستفوز بذلك كما أن دبي لا تستضيف في الوقت الرَّاهن أية مؤسسة مالية خليجية مشتركة بخلاف باقي الدول الخليجية وأيضا تعتبر دبي في الوقت الراهن مدينة تجارية عالمية، فمن مصلحة الخليج أن يختار مدينة ذات سمعة عالمية, أتمنى أن تستضيف البحرين المقر ولكن يجب أن أكون واقعيّا في الوقت نفسه.
تسمية العملة الخليجية
*فيما يخص تسمية العملة الخليجية الموحدة، هناك عدة خيارات مطروحة كالدينار الخليجي و الدرهم هل تم اختيار أي منهما؟
- حسين: لم يتم تحديد اسم معين حتى الآن لكنني أفضل اختيار اسم جديد غير الدينار أو الدرهم أو الريال حتى لا يغضب أي طرف, فمثلا الدول الأوروبية اختارت اليورو ولم تختر الفرنك أو الجنيه واليورو تسمية صحيحة, أتمنى أن نخرج بشيء جديد.
*ألن يؤثر انسحاب عمان من الاتحاد النقدي وعدم وضوح موقف الكويت على الاتحاد النقدي؟
- حسين: من المفترض أن يتم اتخاذ القرار الاستراتيجي بشأن الاتحاد خلال القمة المقبلة التي ستعقد في مسقط في حين أن عمان انسحبت من الاتحاد وحتى الآن لم تبدِ الرغبة في العودة مرة أخرى إلى المشروع. لقد اتخذت عمان قرارها في العام 2006 وتم إعلانه بشكل واضح في العام 2007 وهي تعتقد أن هذه الخطوة جاءت لمصلحة اقتصادها إذ إن لعمان خصوصية حيث تم اكتشاف النفط فيها بشكل متأخر في العام 1968 وعملتها تعتبر الأضعف بين العملات الخليجية وتريد ربط عملتها بالدولار كنوع من الاستقرار كما تريد أن تظل عملتها ضعيفة لكي تجلب المزيد من الاستثمارات, ويمكن أن تتغير الأمور بعد فترة من تدشين المشروع ونجاحه.
* المسئولون في السلطات المالية الخليجية يؤكدون عدم وجود عوائق أمام قيام الوحدة النقدية في العام 2010؟
- حسين: أرى أن هناك تناقضا في تصريحات محافظي البنوك المركزية الخليجية، فالبعض منهم يرى أن كل الأمور تسير على ما يرام في حين يصرح البعض منهم بأن مشكلة التضخم لن تسمح لنا بالمضي قدما, يبدو أن هناك تباينا في الرؤى وأنه لا يوجد انسجام كامل ولذلك فإنني أستغرب من هذا الحديث, أعتقد أن هناك استعجالا في هذا الموضوع، فدول الخليج غير مهيأة الآن للاتحاد النقدي وهي لم تنته إلى الآن من الاتحاد الجمركي وحديثا بدأ مشروع السوق الخليجية المشتركة وإننا نرى في الوقت الحاضر الكثير من مشاكل الجمارك بين الدول الخليجية كما نلاحظه حاليّا في قضية تكدس الشاحنات ومشاكل مرور البضائع عبر جسر الملك فهد في حين أن الاتحاد النقدي مشروع أكبر من ذلك كثيرا ولا بد من تحقيقه, أتفهم أن يوضع تاريخ معين لإطلاق العملة الخليجية بهدف وضع حد للتكهنات وذلك قرار صائب ولكن أتمنى ألا نتخذ خطوات مستعجلة الآن فلا بد أن تكون الظروف الاقتصادية مهيأة لذلك, وكما أسلفت يجب التركيز حاليا على السوق المشتركة فلابد أن تكون سوقا واحدة وحرية كاملة لكل وسائل الإنتاج وتأسيس المؤسسات وحرية شراء العقار وهذا ما نحتاج إليه.
- الصائغ: كان من المتوقع أن تحدث خلافات بين دول المجلس لتطبيق الوحدة النقدية إذ إن الوحدة النقدية تعني فقد الدول صلاحيتها النقدية، أي إعطاء صلاحيات البنوك المركزية للبنك المركزي الخليجي فلم يكن من السهولة أن تقبل أية دولة بذلك ولذلك كان من المتوقع أن تمر عملية إقناع الدول بالتخلي عن صلاحياتها النقدية بعوائق وفترات صعبة حتى تقتنع جميع الدول, لقد أخذ الاتحاد الأوروبي فترة ناهزت خمسين عاما حتى تم تطبيق الوحدة النقدية هناك.
- حسين: أتفق مع ما طرحه جعفر الصائغ من أن الاتفاق على الاتحاد النقدي يحتاج الى فترة من الزمن, إن قمة مسقط المقبلة هي القمة الـ 29 لمجلس التعاون الخليجي وتم خلال هذه الفترة إنشاء منطقة للتجارة الحرة واتحاد جمركي وسوق مشتركة ولكن لماذا هذه القفزات السريعة فلا يمكن إنجاز الاتحاد النقدي خلال سنتين فقط, نقدر أن الدول الخليجية اتخذت هذا القرار لكنها غير ملزمة به ولا أحد يلزمها بذلك كما أن الموعد المحدد ليس مقدسا ولا يمكن الرجوع عنه, إن التضخم فرض نفسه على الدول الخليجية في الوقت الراهن فلا يمكن الحديث عن الاتحاد النقدي في ظل وجود هذه الحالة من التضخم الكبير.
- الصائغ: عندما تأخر الاتحاد الأوروبي 50 عاما فإن دول الاتحاد خلال هذه الفترة اتفقت على مبادئ رئيسية وعملت بها، فقد وحدت العملات الأوروبية تجاه العملات الأخرى في حين أن دول مجلس التعاون لا يوجد لديها توحيد لسعر صرف عملاتها بالنسبة إلى العملات الأخرى فيما عدى الدولار كما أنهم اختلفوا في ذلك أيضا إذ انسحبت الكويت من ربط عملتها بالدولار وفضلت أن تكون لها سلة عملات, أما ما يخص عمان فهي انسحبت من المرحلة الحالية فقط ولم تنسحب نهائيا, إن مشكلة الكويت هي أنها اعتادت على ربط عملتها بسلة من العملات وليس الدولار فقط وعندما وجدت أنها خسرت عندما تخلت عن سلة العملات حاولت أن تقنع دول مجلس التعاون بفك الارتباط بالدولار ولكنها لم تستطع ذلك لأن الدول الخليجية رفضت سلة العملات ولذلك تخلت الكويت لوحدها عن ربط عملتها بالدولار فقط، المشكلة ليست في ذلك فقط وإنما الدول الخليجية فشلت خلال الفترة السابقة في توحيد سياساتها النقدية كما لم تكن هناك إجراءات جادة من قبل مجلس التعاون لتوحيد المثبت.
خلال الأزمة العالمية التي تمر بها الاقتصادات العالمية لو كانت هناك عملة موحدة لكان ضرر هذه الأزمة أقل على الدول الخليجية, فالآن تمر دول المجلس بمرحلة انتقالية مهمة جدّا وهذه المرحلة تتطلب العمل الجماعي وتوحيد السياسات النقدية وتستوجب على هذه الدول أن تكون هناك وحدة اقتصادية خليجية وان تنتقل الى مرحلة التكامل الاقتصادي وهو ما يعني التعجيل بتوحيد العملة الخليجية, أعتقد أن بقاء الدول الخليجية بعيدة عن الخطوة الجديدة وهي الوحدة النقدية سيؤدي الى خسارتها بشكل كبير كما أن استمرار دول المجلس بهذه الوتيرة قد يهدد الاتحاد الخليجي بشكل عام وقد يؤدي الى هروب رؤوس الأموال وسيزعزع الثقة لدى المستثمرين والعكس صحيح إذ إن الاتحاد النقدي والتكامل الاقتصادي سيؤديان الى التكامل وسيؤديان الى الاستخدام الأفضل للموارد الطبيعية وسيؤديان الى تعزيز الثقة لدى المستثمرين وجذب الاستثمارات الخارجية وستكون هناك سوق كبيرة لدى مجلس التعاون ومن ثم سيكون ذلك حافزا للدول الأخرى لتنضم الى دول مجلس التعاون الخليجي.
الوفرة المالية وتسريع الوحدة
*هل ترى أن الوفرة المالية لدى الدول الخليجية تعزز الاتجاه نحو التكامل الاقتصادي والوحدة النقدية أم العكس، فمادامت هذه الدول في وضع مريح فإنها لن تفكر في الأمور التكاملية؟
- الصائغ: إن الوفرة المالية من المفترض أن تكون حافزا للوحدة النقدية وليس العكس، فوفرة السيولة تتطلب مراقبتها وتحقيق الاستخدام الأفضل لها, أعتقد لو كانت دول المجلس في إطار تكاملي لكانت هذه الوفرة استخدمت في استثمارات حقيقية, إن ما نشاهده الآن هو تحول الاستثمارات الى قطاع العقارات فقط وذلك ليس استثمارا له بعد استراتيجي وإنما لتحقيق فوائد مؤقتة فقط كما أن هذا النوع من الاستثمار ليس منتجا ولا يوفر فرص عمل ولا يؤدي الى تنويع مصادر الدخل وكل ذلك بسبب عدم وجود رؤية مشتركة.
*يقول البعض إن إصدار العملة الموحدة في 2010 هو قرار سياسي، فماذا لو تم اتخاذ هذا القرار بشكل سياسي بعيدا عن البعد الاقتصادي هل سيؤدي ذلك الى فشل تجربة الاتحاد النقدي؟
- الصائغ: إن كان القرار الاقتصادي مبنيا على قرار سياسي بحت فانه ستكون لذلك سلبيات كثيرة ولكنني لا أظن أن أصحاب القرار في هذا الموضوع سيتخذون قرارهم من خلال الأبعاد السياسية فقط, فإن ما يفصلنا عن الاتحاد النقدي لا يتعدى سنة وثلاثة أشهر في حين كانت الدول الخليجية في السابق قريبة من الوحدة النقدية ولكن بسبب التضخم والأزمة المالية ابتعدت هذه الدول عن الوحدة النقدية.
وردّا على هذا السؤال، فإنني أرى أن للقرار السياسي احتمالين؛ فإما أن يخلق هذا القرار السياسي الرغبة الجادة ويجبر المسئولين على اتخاذ قرارات وخطوات جادة، فان القرار السياسي في النهاية هو إجبار جميع الدول على اتخاذ الخطوات اللازمة لتوحيد السياسات النقدية وذلك ما سيؤدي الى الوصول الى الوحدة النقدية, أما في حالة كون القرار السياسي لن يجبر هذه الدول على اتخاذ القرارات اللازمة فان ذلك سيكون كارثة.
بدأت فكرة إصدار عملة موحدة لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية مع نشأة المجلس. فقد أشارت الوثيقتان الرئيسيتان للمجلس، النظام الأساسي والاتفاقية الاقتصادية الموحدة للعام 1981، إلى الخطوط العريضة والمعالم الأساسية والعامة لبرنامج تعاون وتكامل اقتصادي لدول مجلس التعاون.
وضمن مجالات التعاون الأخرى التي استهدفها إنشاء المجلس تناولت الاتفاقية الاقتصادية الموحدة مراحل التكامل الاقتصادي حيث تحدثت بالتفصيل عن منطقة تجارة حرة وتوحيد التعرفة الجمركية، وتناولت بإجمال متطلبات السوق المشتركة والاتحاد الاقتصادي والنقدي بما في ذلك ما نصت عليه المادة «22» من الاتفاقية الاقتصادية الموحدة بأن «تقوم الدول الأعضاء بتنسيق سياستها المالية والنقدية والمصرفية وزيادة التعاون بين مؤسسات النقد والبنوك المركزية بما في ذلك العمل على توحيد العملة لتكون متممة للتكامل الاقتصادي المنشود فيما بينها».
ومنذ ذلك الوقت بدأ العمل لتحقيق التكامل بين دول المجلس، فقد أنشئت في إطار المجلس العام 1983 لجنة محافظي مؤسسات النَّقد والبنوك المركزية في دول المجلس بهدف تنفيذ ما نصت عليه هذه المادة وتنسيق السياسات النقدية والمصرفية، وتفرع عن لجنة المحافظين لجان متخصصة لدراسة الجوانب الفنية للتعاون والتكامل في مجالات الإشراف والرقابة والتدريب المصرفي ونظم المدفوعات. وفي العام 2002م أنشئت لجنة الاتحاد النقدي.
وخلال الفترة ما بين 1985و1987 أجرت لجنة المحافظين مشاورات مكثفة بين الدول الأعضاء للتوصل، كخطوة أولى نحو العملة الخليجية الموحدة، إلى مثبت مشترك لعملات دول المجلس، وطرحت حقوق السحب الخاصة SDR كمثبت مشترك غير أنها لم تحصل على الإجماع.
ونظرا إلى الاستقرار النسبي في أسعار الصرف التقاطعية لعملات دول مجلس التعاون خلال الثمانينيات والتسعينيات، ولكون إقامة الاتحاد النقدي وإصدار عملة موحدة تعتبر مرحلة تكاملية متقدمة يسبقها في الغالب، ووفق النظرية الاقتصادية مراحل تكاملية أخرى، هي منطقة التجارة الحرة والاتحاد الجمركي والسوق المشتركة، فقد كان الرأي السائد داخل مجلس التعاون في مطلع التسعينيات أن الوقت لم يحن بعد لبحث تفاصيل إقامة الاتحاد النقدي وإصدار العملة الموحدة، ولذلك ارتأى وزراء المالية والمحافظون بدول المجلس تأجيل بحثه إلى نهاية عقد التسعينيات.
وبنهاية عقد التسعينيات، ونظرا إلى تحقيق تقدم فيما يتعلق بالاتحاد الجمركي لدول مجلس التعاون ولنجاح الاتحاد الأوروبي في موضوع «اليورو»، وانطلاقا من توجه دول المجلس إلى تعزيز العمل الاقتصادي المشترك وتبني آليات وبرامج زمنية لتحقيقه أعيد بحث موضوع العملة الخليجية الموحدة، وقرر المجلس الأعلى في قمته التي عقدت في مملكة البحرين في ديسمبر/ كانون الأول 2000 تبني الدولار الأميركي مثبتا مشتركا لعملات دول المجلس في المرحلة الحالية، ووجه وزراء المالية والمحافظون بإعداد برنامج زمني لإقامة الاتحاد النقدي وإصدار العملة الخليجية الموحدة.
البرنامج الزمني
للاتحاد النقدي
وافق المجلس الأعلى في ديسمبر 2001 على البرنامج الزمني لإقامة الاتحاد النقدي، والذي يقضي بتطبيق الدولار الأميركي مثبتا مشتركا لعملات دول المجلس في المرحلة الحالية قبل نهاية 2002، وهو ما تم تطبيقه بالفعل من قبل جميع دول المجلس في الموعد المحدد. كما يقضي البرنامج بأن تتفق الدول الأعضاء على معايير تقارب الأداء الاقتصادي ذات العلاقة بالاستقرار المالي والنقدي اللازمة لنجاح الاتحاد النقدي قبل نهاية 2005، وذلك تمهيدا لإطلاق العملة في موعد لا يتجاوز الأول من يناير/ كانون الثاني 2010، وذلك ما تناولته متطلبات الاتحاد النقدي والاقتصادي، التي نصت على أنه «بهدف تحقيق الاتحاد النقدي والاقتصادي بين دول مجلس التعاون بما في ذلك توحيد العملة، تقوم الدول الأعضاء وفق جدول زمني محدد بتحقيق متطلبات هذا الاتحاد بما في ذلك إحراز مستوى عال من التقارب بين الدول الأعضاء في السياسات الاقتصادية كافة، ولاسيما السياسات المالية والنقدية والتشريعات المصرفية ووضع معايير لتقريب معدلات الأداء الاقتصادي ذات الأهمية لتحقيق الاستقرار المالي والنقدي، مثل معدلات العجز والمديونية والأسعار».
وخلال السنوات الخمس الماضية عكفت اللجان المعنية في مجلس التعاون على تنفيذ هذه الفقرة، واستكملت بحث معايير التقارب الاقتصادي وتحديد مكوناتها وطريقة حسابها والنسب والحدود المقبولة للتقارب الاقتصادي، وذلك من خلال الدراسات المقدمة من الدول الأعضاء والأمانة العامة، مع الاستفادة من الدراسات التي أعدها البنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي لهذا الغرض، وأنشئت بالأمانة العامة وحدة متخصصة لدراسات الاتحاد النقدي للمساعدة فيما يتطلبه إقامته وإصدار العملة الخليجية الموحدة من دراسات وأبحاث وعمل مستمر لتأمين فرص نجاحه.
وقد أقرّ المجلس الأعلى في دورته السادسة والعشرين (أبوظبي، ديسمبر 2005) المعايير الآتية لتحقيق تقارب الأداء الاقتصادي والاستقرار المالي والنقدي:
1 - معايير التقارب النقدي، وتتمثل في معدلات التضخم ومعدلات الفائدة ومدى كفاية احتياطات السلطة النقدية من النقد الأجنبي.
2 - معايير التقارب المالي وتتمثل في نسبة العجز السنوي في المالية الحكومية إلى الناتج المحلي الإجمالي، ونسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي.
وقد ناقشت لجنة المحافظين في العام 2005 وفي اجتماعها في أبريل/ نيسان 2006 طريقة حساب وقياس هذه المعايير وتحديد نسب العجز والمديونية القصوى المسموح بها.
كما ناقشت البدائل المقترحة للسلطة النقدية المشتركة التي ستتولى مهمات إصدار العملة الخليجية الموحدة وإدارة السياسة النقدية الموحدة.
وتوصلت اللجنة إلى توصيات محددة بشأن هذه المواضيع. وبناء على تفويض من المجلس الأعلى، في دورته السابعة والعشرين (ديسمبر 2006)، اعتمدت لجنة التعاون المالي والاقتصادي تلك التوصيات في مايو/ أيار 2007
العدد 2224 - الثلثاء 07 أكتوبر 2008م الموافق 06 شوال 1429هـ