العدد 1723 - الجمعة 25 مايو 2007م الموافق 08 جمادى الأولى 1428هـ

نحن والأجنبي

عندما أصيب المشرف العام على الشركة - وهو منصب اعتباري وشرفي، غير أن صلاحياته وسلطته غير محدودة وتفوق صلاحيات المدير العام - بوعكة صحية واستدعى ذلك نقله بسيارة الإسعاف، فإن العمال وأكثر الموظفين رفعوا ايديهم ابتهالا إلى الله أن تكون خاتمته في هذه الوعكة! بينما وجدنا الموظفين المديرين المستفيدين من وجوده ومن (كراماته) أبدوا القلق والخوف (المصطنع) على صحته حتى أن أحد الزملاء قال (مازحا) انه لو كان هو موجودا آنذاك لرافقه في سيارة الإسعاف! ذلك أن استنفارا جرى في الشركة، فالعيون تترقب والشائعات تتوالى حتى لتشعر أن الكرة الأرضية كادت تتوقف عن الدوران!

هذا (المشرف) الذي يمسك بزمام الأمور وبأدق تفاصيل ومفاصل الشركة تجاوز السبعين من العمر وهو بالمناسبة آسيوي! ولكن لأنه شخصية تحفة وفذة و(يتيمة الدهر)، فإنه لا أحد يمكن أن يسمح له أن يتقاعد أو يفكر في الاستغناء عن خدماته. لا ننكر أن المدير الأجنبي أحيانا كثيرة أفضل و(أكثر إنصافا وعدلا) من المدير البحريني، إذ ان الأجنبي غالبا لا يهمه دينك ولا مذهبك! ولكن ان تكرّس جميع الصلاحيات والسلطات في يد واحدة فهذا مدعاة للاستئثار والاستبداد والتسلط!

ومما يجلب المرارة والغصة ان يتحكم فيك وفي مصيرك ومستقبلك شخص أجنبي جاء من وراء البحار لا يعرف تاريخك ولا تقاليدك ولا ظروفك، فتراه يصنع لنفسه بطانة من مواطنيه فينعم عليهم بالمميزات والتسهيلات والعلاوات فلا يشتكون معه جوعا ولا بردا! وأنت حينئذ مضطر إلى أن تجامل أو (تنافق) هؤلاء وتتحمل صلفهم ووقاحتهم وتسكت عن اخطائهم وذلك لأنهم (مسنودون) ويتكئون على جبل، وإن كان ذلك الجبل عظاما هشة وجلودا مهترئة وعيونا غائرة من الهرم والشيخوخة!

ليست لدينا عقدة من الأجنبي، ولا نشعر بعنصرية او لنا اعتداد متطرف بقومية، إلا اننا نفقد قيمة المواطنة والاحساس بتلك الميزة عندما نجد ذلك الأجنبي يستغل نفوذه وسلطاته في رفع من يشاء وخفض من يشاء، وعوضا عن ان يشعر المواطن في الشركات (الوطنية) بأنه مكرم وله منزلة ومكانة، فانه يرى نفسه دائما في الظل مهمّشا منكمشا، بينما الآخرون يترقون ويحصلون على الامتيازات، ولا يمكن له ان يطالب، وإذا طالب بحق مشروع تم الالتفاف على طلبه او تجاهله بينما زميله الأجنبي يكاد لا يشير حتى يتوافر له ما يخطر على باله.

يفقد الموظف المواطن في مثل هذه المؤسسات (الخاصة) الرغبة في العمل فضلا عن إجادة الانتاج، وربما لايزال التجار مسكونين بهاجس أن المواطن كسول وقليل الصبر على الجهد، وهذا كان حاصلا فعلا قبل عدة سنوات، أما الآن فمع شحّ الوظائف ومنافسة الأجنبي ومتطلبات العرض والطلب، فإن البحريني على رغم كفاءته و خبرته ومهاراته، صار يقبل أي عمل يمكن ان يوفر له ولأطفاله العيش الكريم، بل ويعضّ عليه بالنواجذ، وقد يكون هذا الحرص مدعاة لإذلاله وتهديده بين حين وآخر!

ولابد هنا من دخول مصطلح (الفساد) في هذه الاشكالية، وعند الحديث عن الفساد المالي والاداري فإن الكثيرين لا يشيرون إلا إلى بعض الوزارات والمؤسسات الحكومية، في حين انه في بعض الشركات المتوسطة هناك فساد وتلاعب يُلمس ويرى بالعين المجردة! إذ يمنح التاجر ذلك الأجنبي الأبيض او الأصفر (الخيط والمخيط) ويلقي له الزمام، وعندها لا يتردد ذلك المدير في أن يطلب من شركة مياه معدنية ان تملأ بركة السباحة في الفيلا الخاصة به بالماء المقطّر، أو يشترك في قنوات تليفزيونية أو يذهب للسينما برفقة اسرته أو يصلح سيارة ابنه على حساب الشركة!

وبعد ذلك على البحريني أن يقنع براتبه والذي يرمونه عليه من فتاتهم كل عامين، وأن يغض الطرف عن التبذير والإسراف على أنفسهم، والبخل والتقتير إذا وصلوا عنده!... فهل يعيد بعض تجارنا النظر في قناعاتهم، ويراجعون (حساباتهم)؟! لا أعتقد!

جابر علي

العدد 1723 - الجمعة 25 مايو 2007م الموافق 08 جمادى الأولى 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً