في تصريحات تكشف جزءا من طبيعة العلاقات بين أقوى رجلين في إيران، المرشد الأعلى علي خامنئي، ورئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام ورئيس مجلس الخبراء هاشمي رفسنجاني، قال رفسنجاني إن خامنئي «حبه»، لكنهما عندما يختلفان معا يطيع رفسنجاني خامنئي.
وأوضح رفسنجاني متحدثا إلى مجموعة من الطلاب الإيرانيين في جامعة «شريف» العريقة في طهران، بشأن أداء الحكومة الإيرانية ليل السبت الماضي، أنه يختلف مع الكثير من سياسات الرئيس محمود أحمدي نجاد. كما رفض تشبيه النموذج الإيراني بنموذج كوريا الشمالية، واعترف أن الثورة الإيرانية ارتكبت أخطاء في أيامها الأولى، وأن من بين تلك الأخطاء استيلاء الإيرانيين على السفارة الأميركية في طهران العام 1980، واحتجاز الدبلوماسيين الأميركيين لمدة 444، موضحا أنه كان مع خامنئي بمكة المكرمة للحج، وعلم بالحادث من الراديو.
وبعد إلقاء كلمته، التي بثتها ونشرتها صحف ومواقع إيرانية عديدة، بدأ رفسنجاني الرد على أسئلة مكتوبة من قبل عدد من الطلاب، عندما سأله أحد الطلبة: «هل أنت على تواصل دائم مع القائد؟ وما هو مستوى وطبيعة هذه الاتصالات؟». فرد رفسنجاني قائلا: «لن تجد شخصين في هذا البلد، أقرب من بعضهما البعض مثلي أنا والقائد الأعلى»، عندها سأله الطالب مجددا: «هل ما زلت تحبه؟»، فرد رفسنجاني، الذي يرأس مجلس الخبراء وهي الهيئة التي يحق لها عزل وتعيين المرشد الأعلى لإيران، «أحبه كثيرا... حبي هو السيد خامنئي. أنا والسيد خامنئي أصدقاء قريبين من بعضنا بعضا، وموضع سر بعضنا بعضا لأكثر من 50 عاما. ونتشاور مع بعضنا بعضا بشأن كل شيء». وأوضح رفسنجاني أنه يتناول العشاء مرة كل أسبوعين بشكل منتظم في منزل المرشد الأعلى، حيث يبحث مع خامنئي «قضايا الساعة لمدة ساعة أو ساعتين».
وتابع: «قبل أن يصير خامنئي قائدا أعلى، كنت أنا أذهب إلى بيته مرة في الأسبوع، وفي الأسبوع الذي يليه هو يأتي إلى منزلي. لكن بعدما بات قائدا أعلى...أنا من يذهب إليه على الدوام». لكن على رغم تأكيد رفسنجاني على علاقته الوثيقة مع خامنئي، إلا أنه أشار ضمنا إلى اختلافات بينهما في وجهات النظر بشأن بعض القضايا. وأوضح رفسنجاني في كلمته بجامعة «شريف»: «نحن نحل هذه المشاكل بالاتفاق على أنه عندما نختلف في وجهات النظر، أتخلى عن وجهة نظري لأنني أستطيع أن أقول إن القائد قرر هذا. ومن واجبي قانونيا ودينيا أن أطيعه. فهو القائد ونحن التابعون».
وانتقد رفسنجاني مجددا حكومة أحمدي نجاد، موضحا: أنه لا معنى لأي شيء إذ لم تكن المصانع ومعامل التكرير مستقلة. وتابع متحدثا بشأن حكومة أحمدي نجاد: «للأسف اليوم نحن نواجه خطر الاعتماد على الآخرين وفقدان الاستقلالية التي نتمتع بها بسبب الزيادة الهائلة في الاستيراد. هذا ليس جيدا لصناعاتنا الوطنية». كما انتقد رفسنجاني النموذج الكوري الشمالي، موضحا: «الاستقلال ليس كافيا لأن هناك بلادا مثل كوريا الشمالية، أغلقت حدودها بحيث لا يدخل أو يخرج أحد. لديهم استقلال سياسي، لكن إيران لا تريد أن تكون مثلهم، لأننا يمكن أن نصمد أمام القوى العظمى في العالم»، داعيا بشكل ضمني إلى انفتاح إيران على العالم، والتخلص من أفكار العزلة التي يقترحها بعض المحافظين داخل إيران.
وفي هجوم غير مباشر على السياسات الاقتصادية لأحمدي نجاد، قال رفسنجاني: «البعض يظن أن مساعدة الفقراء يعني إعطاءهم شيئا من أجل أن يأكلوه». وتابع: «لكن أنا أؤمن أننا يجب أن نتحرك بطريقة تؤدي إلى مساعدة الفقراء على الوقوف على أقدامهم بحيث يعيشون بكرامة». وكان تعليق رفسنجاني ردا مباشرا على ملاحظة لأحمدي نجاد قبل 3 أيام. فقبل نحو أسبوع، انتقد رفسنجاني السياسات الاقتصادية لحكومة أحمدي نجاد، قائلا إنها شعبوية تضعف أسس الاقتصاد الإيراني، فرد عليه أحمدي نجاد يوم الخميس الماضي قائلا: «أنت تخليت عن الناس. يجب أن تعلم أن الناس ليسوا عائلتك أو جزءا من أصدقائك. الناس هم هؤلاء المستعدون للتضحية بحياتهم من أجل البلد والثورة في زانجان ومناطق أخرى من البلاد. نحن مستعدون لحل جذور المشاكل الاقتصادية، على الرغم من رغبات جناح أناني لا يريد أن تمضي الإصلاحات الاقتصادية قدما».
وفي جزء آخر من كلمته انتقد رفسنجاني بعض الأفعال التي تمت خلال الأعوام الأولى للثورة الإيرانية، ومن بينها احتجاز الرهائن الأميركيين في السفارة الأميركية في طهران 1980، موضحا أنه «لم تكن كل تطورات الثورة في أيدينا». وتابع: «حتى عندما حدثت أزمة الرهائن، لم أكن أنا والسيد خامنئي على دراية باحتجاز الرهائن الأميركيين في السفارة. كنا في مكة في ذلك الوقت وسمعت الأنباء من نشرة منتصف الليل في الراديو وأن وكر الجواسيس تم اقتحامه، وأن بازروكان، مهدي بازروكان رئيس الوزراء الإيراني آنذاك، استقال احتجاجا. بعض الأحداث التي تمت يمكن أن ننتقدها الآن. ونتمنى أن لم تكن قد حدثت من الأساس».
كما انتقد رفسنجاني «التشدد» و «الطلبة الغاضبين» خلال الثورة الثقافية في الأعوام الأولى عقب الثورة، والتي أدت إلى إغلاق الجامعات لمدة عامين بعد نجاح الثورة مباشرة العام 1979، ومغادرة الآلاف من أساتذة الجامعات لإيران بعد الثورة مباشرة، موضحا أن الكثير من هؤلاء تم «تطهيرهم» بطريق الخطأ، وتابع: «أحد الأشياء التي تمت في ذلك الوقت كانت تطهير الجامعات من الأساتذة، الكثير منهم لم يكن ينبغي أن يتم تطهيره».
وتأتي تصريحات رفسنجاني بشأن خامنئي وعلاقته معه، بينما تشهد إيران مواجهة مكتومة بين الإصلاحيين والمحافظين وخصوصا أن انتخابات الرئاسة على الأبواب. وقال مصدر إيراني مطلع لصحيفة «الشرق الأوسط» إن تصريحات رفسنجاني لا تعكس إلا جانبا من العلاقات المعقدة بينه وبين خامنئي، موضحا: «أعوام حكم أحمدي نجاد أثرت على العلاقات بينهما. فالقائد دافع باستمرار عن أحمدي نجاد على الرغم من أن حكومة أحمدي نجاد هي أسوأ حكومة تشهدها إيران منذ الثورة».
وقال المصدر إنه على رغم أن الإصلاحيين والتيار البراغماتي وسط المحافظين انتقدا بشكل دائم الحكومة، إلا أن حكومة أحمدي نجاد ما زالت تحوز على ثقة المرشد الأعلى لإيران، كما أنها قوية وسط العسكريين والمؤسسات الأمنية. وتابع: «الحقائق المؤكدة هي تزايد عائدات النفط في إيران، فقد ارتفع سعر البرميل إلى أكثر من 100 دولار، قبل أن ينخفض إلى اقل من 50 دولارا أخيرا. هذا جعل الحكومة الإيرانية الحالية ثرية، ويعني أنها كانت أغنى حكومة تحكم إيران منذ الثورة الإيرانية 1979. عندما يكون لدى الحكومة كل هذا المال، فإن هذا يعني أنه بإمكانها أن تفعل أي شيء. هذه هي النقطة الأولى.
والنقطة الثانية هي أن الاستخبارات الإيرانية قوية جدا، وهي كلها تتبع المرشد الأعلى، وكذلك الحرس الثوري والباسيدج، إضافة إلى أموال النفط جعلت المرشد الأعلى ورجاله أقوياء، موضحا أن هذا خدم أحمدي نجاد إلى حد كبير، وساهم في هز العلاقة بين خامنئي ورفسنجاني الذي لم ينس أن المرشد الأعلى فضل عمدة طهران، أحمدي نجاد، عليه في انتخابات الرئاسة 2005.
وشكك المصدر الإيراني في أن يكون خامنئي ورفسنجاني يلتقيا كثيرا الآن كما كان يلتقيان مباشرة بعد تولي خامنئي منصب المرشد الأعلى عندما كانت علاقتهما قريبة، موضحا «أعتقد أن علاقتهما أصبحت رسمية».
ويأتي ذلك فيما حذرت الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية من أن الضغط الدولي على إيران لمنعها من امتلاك السلاح النووي «يضعف». وقال مسئول بالاستخبارات الإسرائيلية، رفض الكشف عن هويته لوكالة «اسوشيتدبرس» أن إيران ما زالت تواصل تخصيب اليورانيوم، وأنها يمكن أن تكون قادرة بحلول العام المقبل على إنتاج قنبلة نووية.
من ناحيته، أعلن قائد الحرس الثوري الإيراني أن الجيش العقائدي في النظام الإيراني اعتقل أفراد شبكة تجسس مرتبطة بجهاز الاستخبارات الإسرائيلي «الموساد». وقال الجنرال محمد علي جعفري الذي أورد تصريحه التلفزيون إن «مكتب الاستخبارات في الحرس الثوري فكك أخيرا شبكة تجسس مرتبطة بالموساد». وأضاف أن أفراد «الشبكة كانوا يسعون إلى جمع معلومات عن البرنامج النووي والقطاعات العسكرية للحرس الثوري وشخصيات في النظام لنقلها إلى الموساد». وأوضح أن «كل أعضاء الشبكة أوقفوا... وضبطت أجهزة اتصالات حديثة».
وقال الجنرال جعفري إن «أفراد الشبكة أقروا بأنهم تلقوا تدريبا في (إسرائيل) لارتكاب اعتداءات واغتيالات في إيران»، وأضاف أن «تفاصيل اكتشاف الشبكة وتوقيف أفرادها ستنشر قريبا».
وأعلنت إيران يوم السبت الماضي إعدام مهندس اتصالات إيراني شنقا بعد إدانته في يونيو/ حزيران بتهمة التجسس لحساب «إسرائيل».
العدد 2273 - الثلثاء 25 نوفمبر 2008م الموافق 26 ذي القعدة 1429هـ