العدد 1891 - الجمعة 09 نوفمبر 2007م الموافق 28 شوال 1428هـ

منظمة العمل العربية... إلى أين (4)

في الجزء الثالث تطرق الباحث إلى المعوقات التي تقف في وجه تنفيذ واجبات منظمة العمل العربية ومقرراتها المختلفة، كما انتقد آلية عملها في تحقيق أهداف العمل والعمالة في الوطن العربي.

في هذا الجزء يستمر المسئول السابق في المنظمة بتشاؤمه من مستقبل المنظمة، على رغم تأشير جوانب ايجابية في طموحات قياداتها الجديدة، وهو يحاول في هذا الجزء أن يرسم مسارات لمستقبل هذه المنظمة التي يرى أن مستقبلها يبقى أكثر تعقيدا من الحاضر والماضي.

التحديات والاستحقاقات: هل هي مرحلة تجميد الأوضاع أم نقطة انطلاق للمستقبل الواعد؟... تعيش المنظمة في هذه المرحلة حقبة جديدة تفصل بين مرحلتين مفصليتين تبعدهما عن بعض هوة سحيقة من ضياع الفرص. ذلك أن المدير العام السابق لم يترك لخليفته المدير العام الحالي إرثا من الإنجازات والفعاليات التي يمكن قياسها وتحديدها وبما يسمح له مواصلة التسيير المؤسسي المنتظم لهياكل المنظمة. ولعل تراكم الأخطاء والإخفاقات المهنية للمدير العام السابق هي التي استوجبت إصدار مؤتمر العمل العربي في دورة العام 2007 المشار إليه أعلاه بالتزامن مع انتخابه مديرا عاما جديدا، بشأن تكليف مكتب العمل العربي بإعداد خطة لتطوير عمل المنظمة والارتقاء بأدائها وبرامجها.

ومع كل التفاؤل بالقيادة الجديدة فإنه يخشى تكرار ظاهرة الخواء الفكري والمفاهيمي بسبب عدم وجود نهج أو خطة عمل واضحة المعالم كان من المفترض طرحها أثناء التنافس بين الشخصيتين الكبيرتين اللتين رشحتا لشغل منصب المدير العام، أحدهما نقابي عريق لا يشق له غبار في استيعابه للمشكلات الاجتماعية والاقتصادية والعمالية العربية. أما الشخصية الثانية فقد كانت بمثابة صمام أمن لكفالة تواصل مسيرة المنظمة وفق النهج الحكومي/ الرسمي الذي أتبعته المنظمة حتى يومنا هذا.

وتنفيذا لقرار المؤتمر والتوجهات العامة للهيئات المكونة للمنظمة، لقد كان من المتوقع والمأمول كخطوة جريئة خلاقة للمدير العام الجديد أن تبادر الإدارة العامة الجديدة بجمع نخبة من الحكماء من أولئك الذين عاصروا بناء المنظمة، من غير من العناصر التي نسجت خيوطها بإحكام حول المدير العام السابق، للاستماع والوقوف على الآراء والاستنارة بالمشورة ممن هم أهل الخبرة ومن غير الطامعين بمنصب أو جاه، كي تساعد هذه النخبة الإدارة الجديدة بمشورتها على رسم معالم المرحلة الجديدة في حياة المنظمة. ولكن من الواضح أن الإدارة الجديدة آثرت طريق السلامة والوداعة والوسائل التقليدية في التعامل مع القضايا الملحة والعاجلة، وإبقاء الشيء على حاله، والاكتفاء بتشكيل لجنة من بين عناصر المكتب، من أجل إعداد استبيان لاستطلاع رأي الهيئات المكونة، من دون أن تنير الإدارة الجديدة الطريق أمام هذه الجهات المستفتية بشأن رؤى الإدارة الجديدة لمستقبل المنظمة وبما يشكل نوعا من الاستفتاء بشأن تصورات الإدارة الجديدة. فقد فضلت الإدارة الجديدة إرسال الكرة إلى ملعب الهيئات المكونة المنظمة. فضلا عن أن مطالعة هذا الاستبيان (وهو منشور في صفحة ويب للمنظمة) يبين أن الإدارة الجديدة ما زالت مترددة في استيعاب طبيعة المرحلة المقبلة التي ستواجهها المنظمة. فقد جاءت الأسئلة خجولة غير واضحة المعالم ، بما ينبئ أن المرحلة المقبلة لن تكون مختلفة كثيرا عن سابقاتها، باستثناء تغيير المدير العام. فالتوجس المشروع في أن تبقى الأمور على حالها، بحيث تمر هذه الفترة التاريخية غير المسبوقة في عهد المنظمة، بحيث تظل تراوح مكانها، مكتفية، بالتصريحات والاجتماعات النمطية والبيانات الجذابة من دون أي تغيير عن سابقاتها ومن دون استثمار البيئة السياسية الملائمة في التقدم بأطروحات ستجد القبول والترحيب تجاوبا مع الرؤية الثاقبة لدى الإدارة الجديدة.

فالتحديات في عالم العمل عربيا وإقليميا ودوليا باتت أكثر تعقيدا وأعمق تأثيرا وأبعد مدى من أن تستوعبها عناصر الإدارة والجهاز البشري للمنظمة في الوقت الراهن، فقد «تكلست» في عصر المدير العام السابق. وذلك أنه، مهما ستتسلم هذه الإدارة من ردود غنية وثرية بالأفكار والمقترحات من الجهات الجاري استفتاؤها واستطلاع رأيها، فإن المهمة الأكثر صعوبة بل التحدي والرهان الحقيقيين هما في وضع هذه الردود في إطار مخطط واضح المعالم، وقابل للتنفيذ، للنشاط المستقبلي لمنظمة العمل العربية على الساحتين الدولية والعربية. وهذا جل ما نتمناه.

محاور العمل المستقبلي

أولا: نهضة حقيقية وجادة في مجال تنشيط معايير العمل العربية:

لقد طالت فترة سبات نشاط المنظمة في مجال اعتماد معايير العمل العربية، من اتفاقات وتوصيات عمل عربية. وهذا لا يعني أن هذا النشاط الحيوي بات من المخلفات البالية التي تجاوزها الزمن. لقد أهمل هذا النشاط المعياري من بين الأنشطة الأساسية المنظمة في خضم نوع من تجاهل أو الجهل بقيمة هذا النشاط، ودوره كأداة مثلى للتقدم الاقتصادي، والنهوض بالعدالة الاجتماعية في الوطن العربي بشكل متوازن. أن الأنشطة التشريعية هي تجسيد للمبادئ وترجمة لأهداف منظمة العمل العربية. لقد اسقط هذا النشاط من جداول أعمال مؤتمر العمل العربي. ولا يمكن الادعاء بأن الحصيلة الراهنة من اعتماد المعايير حتى الآن هي وردية ومشجعة، أو أنها تدعو للمزيد من إضافة أرقام إلى رصيد عدد المعايير. بل يجب الاعتراف بأن هذه الصورة، التي يجب أن تكون مشرقة، يشوبها الكثير من الظلال وتعتريها بالفعل جملة من النواقص و الثغرات. وهذا ليس بمبرر مقبول يجيز إسقاط هذا النشاط أو حصره في اجتماعات روتينية للجنة الخبراء القانونيين سنويا، والتي تقدم تقارير باتت نمطية لا تقدم ولا تؤخر، والتي تحيلها سنويا إلى المؤتمر، الذي يحيلها بدوره إلى إحدى لجانه الدائمة التي تكرر سنويا تقاريرها الموضوعة سلفا. وهكذا ندور في حلقة مفرغة مع إضاعة الجهد والمال. إن إصلاح العطب الذي أصاب النشاط المعياري لمنظمة العمل العربية يتطلب مراجعة كاملة لهذا النظام بدءا من حيث حسن اختيار موضوعاته بعناية فائقة، ومن دون ازدواجية مع معايير العمل الدولية، مرورا بمشاركة جادة أوسع من الشركاء الاجتماعيين الثلاثة، انتهاء بالعمل على تذليل عقبات التصديق، ومراجعة المعايير القائمة، ودراستها بصورة منهجية وتعديلها أو استكمالها إذا اقتضى الأمر أو نقضها وإلغائها بعد الرجوع إلى المؤتمر.

ثانيا: بعث برامج للتعاون التقني والخدمات الاستشارية:

النشاط الذي أصبح حلما بعد أن كان حقيقة واقعة. فبموجب هذا النشاط وحده يمكن أن تدرك الهيئات المكونة للمنظمة جدوى ومبرر وجود منظمة العمل العربية. فالحكمة أو المبرر الرئيسي لبناء جسور التعاون والتنسيق والتشاور مع مختلف المنظمات والهيئات الدولية والإقليمية ينبغي أن يكون إيجاد مصادر تمويل لأنشطة المنظمة في مجال التعاون التقني لتعزيز القدرات البشرية والمادية للهيئات المكونة لمنظمة العمل العربية. وهذا يتطلب بدوره صقل الكفاءات البشرية للمنظمة وتأهيلها بشأن كيفية وضع وتصميم برامج التعاون التقني القابلة لاستقطاب موارد التمويل العربي والدولي والأجنبي. تلك تتطلب خبرات خلاقة قادرة على التعامل مع خبراء منظمات هم أصلا مؤهلين لهذا النشاط، و يتوافر لديهم الإلمام الواعي بقواعد تصميم و متابعة تنفيذ برامج التعاون التقني. وعند إتقان تصميم برامج جادة للتعاون التقني وحده يصبح بالإمكان استدراج المنظمات والصناديق الدولية والإقليمية، وتشجيعها للمشاركة في التنفيذ والتعاون مع المنظمة في تنفيذ برامج وأنشطة عملية وملموسة.

من خلال برامج التعاون التقني وحدها يمكن للمنظمة أن تنفذ مشروعاتها الطموحة في أنشطة ميدانية في مجالات دعم جهود الدول الأعضاء من خلال الهيئات المكونة للمنظمة، في حقول «مناهضة البطالة» و»برامج تشغيل الشباب» و»تطوير أسواق العمل» و»تطوير التعليم التقني لمؤسسات التدريب المهني» وغيرها ذلك من المجالات الجديرة بتقديم الخبرة والمشورة لها، من قبل الجهاز الفني في المكتب، و/أو من قبل الخبراء الذين يتم الاستعانة بهم. و يجب أن يكون واضحا أن الموارد المتواضعة في الموازنة العادية/ النظامية للمنظمة لا ولن تسمح بأكثر من صرف الرواتب والبدلات، وتغطية نفقات السفر، التي تبتلع الحيز الأكبر من الموازنة العادية وتتجاوز في معظم الأحيان 70 في المئة من هذه الموازنة.

أما عن كيفية تمويل برامج التعاون التقني يجب إسقاط كل التوقعات بشأن إمكان تحقيق زيادات ذات شأن في الموازنة العادية للمنظمة التي تقر عادة - وبشق الأنفس - عبر قنوات رسمية عربية عليا بغرض ضبط سقف الإنفاق و جوانب الصرف التي لا تتجاوز غالبا حدود الإنفاق الإداري. وهنا تتجلى الإضافات والقدرات العالية وأساليب الإقناع الجديدة التي سيتسلح بها المدير العام الجديد في سبر أغوار المؤسسات العربية والدولية المعروفة باستعدادها لتلبية طلبات تمويل البرامج ذات الصلة بمسائل التنمية البشرية المستدامة. ولعل أولى هذه المنظمات هي تلك التي أجزلت في وعودها بدعم المنظمة ماليا عند أول زيارة خارجية يقوم بها المدير العام خارج دولة المقر.

في هذا السياق يجدر بمنظمة العمل العربية أن تسترجع تاريخ برنامج منظمة العمل الدولية في مجال التعاون التقني، وان تسترشد بما حققه هذا البرنامج من نجاحات جديرة أن يحذى حذوها في تصميم البرامج، وفي استقطاب الموارد من الدول الأعضاء من خارج الموزانة النظامية لمنظمة العمل العربية. فالكثير من الدول الأعضاء تخصص في موازنتها العامة قسطا لدعم الأنشطة الدولية والتعاون الدولي، مثال ذلك الدنمارك - الوكالة الدنماركية للمساعدة (DANIDA) وغيرها، وكذلك المنظمات الدولية مثل البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة (UNDP) الذي يمول أنشطة الدول الأعضاء و يوفر دعما ماليا لأنشطة المنظمات الدولية والإقليمية. واسترشادا بهذه التجارب الناجحة والنهج المتبع في التمويل والتنفيذ فإن البلدان العربية القادرة ماليا لن تتوان عن تمويل أنشطة تعاون تقني مدروسة وجادة، طالما توافر بشأنها «الإدارة الرشيدة» القادرة على التصميم والتسيير والتسويق والتنفيذ.

*وزير سابق في منظمة العمل العربية، الأمين العام للمركز

العربي السويسري لبحوث التشغيل وحقوق العمل - جنيف

العدد 1891 - الجمعة 09 نوفمبر 2007م الموافق 28 شوال 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً