العدد 1959 - الأربعاء 16 يناير 2008م الموافق 07 محرم 1429هـ

«غطاء العجوز» ملاذا لمئات العائلات في سترة

لمواجهة البرد وعجْز المؤسسات الرسمية

قرع بابها مجددا هذا العام مستغلا تخاذل أبواب ونوافذ منزلها الخشبية عن حمايتها منه، عدوُّها عاد لينهش عظامها في ليلة كالحة فما كان منها سوى أن تلتحف بغطاء احتفظت به لمواجهة عدوٍّ رَهَنَ نفسه للنيل منها يُطلَق عليه «البرد القارس».

«أم إبراهيم» تلمّست «الوسط» يوم أمس (الثلثاء) حكايتها في مواجهة ليلة سُجِّلت واحدة من الليالي الأدنى في درجات الحرارة. في منزل سأمت جدرانه صرير الرياح لاذت العجوز بغطائها الذي أخفت تحته ثغرات في أداء حكومي عاجز عن انتشال مواطنيه من تحت خط الفقر، وثغرات في مشروعات بلدية تضع معاييرها العقدة في المنشار، ولم يغفل غطاؤها من ستر ثغرةِ كلٍّ من وزارتي «الإسكان» و «البلديات» في عرقلة مشروع الإيواء ووزارة «التنمية» التي لم تجدْ حرجا من دعم المنكوبين خارج البحرين.

ما كان من «أم إبراهيم» سوى قرع أبواب المجلس البلدي لتصطدم بمجلس أنهكه التجاهل وسأم استجداء العون من مؤسسات الدولة ليوجِّه دعوة إلى المحسنين لرفع معاناة أكثر من 380 عائلة في سترة تواجه العدُوَّ ذاته في ليالٍ لا يكون فيها سوى «غطاء العجوز» حلا وحيدا.

****

في مملكة المؤسسات والقانون

حكاية «العجوز» التي تختبئ تحت غطاء متحدية برودة ليلة لا تعرف الرحمة

سترة - زينب التاجر

اختبأت تحت غطاء سبق أن قامت بركنه العام الماضي في أحد زوايا منزلها المتهالك في جزيرة سترة، منتظرة أن يبعث عدوها اللدود جنوده للنيل منها على غرار كل عام، إذ لم تكن حرب تلك العجوز مع البرد القارس وليدة اليوم إلا أن ضراوتها ازدادت ليلة أمس الأول التي سجلت واحدة من أدنى درجات الحرارة التي شهدتها المملكة، من صرير رياح تهز أبواب ونوافذ منزلها الخشبية إلى أمطار أتت على الأخضر واليابس فيه مرورا بتعاون الحشرات على نهش جسمها الذي أكل الدهر عليه وشرب وصولا إلى برودة لا ترحم.

لم تجد تلك العجوز ملاذا سوى أن تلتحف بغطائها فأخفت تحته ثغرات في أداء حكومي عاجز عن انتشال بعض مواطنيه من تحت خط الفقر، وثغرات أخرى في مشروعات بلدية تغض الطرف عن حالات تستوجب قليلا من الإنسانية، ولم يغفل غطاء العجوز عن ستر ثغرة وزارات الإسكان والأشغال وشئون البلديات والزراعة في التعامل مع مشروع الإيواء الذي لم يبصر النور والمجلس الأعلى للمرأة ووزارة التنمية الاجتماعية التي لم تجد حرجا في دعم المنكوبين خارج المملكة وعوضا عن ذلك آثرت لعب دور المتفرج، فما كان من العجوز سوى قرع أبواب المجلس البلدي. إلا أن طموحها اصطدم بمجلس أنهكه التجاهل وسئم من استجداء العون من مؤسسات وهيئات الدولة التي مازالت تحبو ولا تعي سوى تطبيق القانون وإن كان ظالما، فما كان من ذلك المجلس سوى دعوة المحسنين إلى رفع معاناة أكثر من 380 عائلة في جزيرة سترة تواجه العدو ذاته في ليالٍ لا يكون فيها سوى «غطاء العجوز» الحل الوحيد.

«أم إبراهيم» عجوز تلمست «الوسط» يوم أمس (الثلثاء) حكايتها في مواجهة عدوها، فلم تعدم الوسيلة في قضاء ليلتها بعد أن تملص الجميع من المؤسسات والهيئات من مسئوليته تجاه مواطنة كفل لها الدستور حق الحياة الكريمة، لتتوسط منزلها الذي لا تتجاوز مساحته خمسة أمتار في سبعة، والمكون من طابقين، إن جاز التعبير أو بمعنى أدق من غرفتين وحمام وممر أسفل السلم خصصته كـ «مطبخ» في حين خصص الطابق الثاني لغرفة من الخشب لابنتها وزوجها وطفلهما.

باب مفتوح على مصراعيه ونوافذ لم تقاوم هبوب رياح الشتاء تحت سقف منزل قد يصطدم رأسك به عند دخولك، وعبثا تحاول البحث عن مكان تجلس فيه من دون أن تبصر حشرات هنا وهناك أسفل أرضيته الخشبية وممر ضيق الناظر له يدرك أنه مطبخ لا يستطيع المرور فيه سوى شخص واحد، وعلى مقربة من الباب كومة من الأغطية الشتوية لعلها خصصت لمواجهة عدو لا يشفق على قاطني هذا المنزل.

مواطنة بلا وطن

ثلاث عوائل يصل عدد أفرادها إلى ثمانية تشاركوا الحياة في منزل بإيجار شهري يقيهم هجير الصيف وبرودة الشتاء وإن كان متهالكا، ولاسيما بعد أن أخذ الله أمانته وتوفت المنية رب المنزل لتجد العجوز نفسها وحيدة مع بناتها الخمس فيه، إلا أنها تعكزت عصاها ولم تعدم الوسيلة في إيجاد ما يمكن أن تواجه به كل شتاء عدا الغطاء لتطرق باب مجلس بلدي الوسطى الذي وقف عاجزا أمام حالتها مكبلا بمعايير في مشروعات بلدية لا تنطبق عليها ومن باب إنساني رفع طلبها لوزارة شئون البلديات والزراعة للبت فيه إلا أن الطلب اصطدم بعدم كفاية المعايير، إذ لم ينطبق على تلك العجوز سوى معيار واحد وهو كونها «مواطنة على هذه الأرض الطيبة» لتمسي مواطنة بلا منزل وبلا حقوق وبلا وطن.

ولم تكن وزارة الإسكان أكثر رحمة، وبعد كر وفر من مراوغتها وتملصها من مسئوليتها تجاه تلك العجوز جاءت الأخيرة ببشرى حصول العجوز على شقة في مدينة عيسى، بيد أن فرحتها كانت يتيمة ولم تدم، إذ منَّت الوزارة عليها بشقة لم تكن أفضل حالا من منزلها المتهالك فما كان منها سوى رفضه والتعفف والعودة إلى برودة ورطوبة جدران منزلها وضرب كفٍ بالآخر، واللافت أن الشقة وقعت على أصحابها الجدد.

آخر محاولاتها رسالتان إحداهما لمكتب رئيس مجلس الوزراء والثانية للمجلس الأعلى للمرأة.

وعلى رغم كبر سنها فإنها أصرت على إيصال رسالة عبر هذه السطور، إذ قالت: «قدمنا سواحلنا قربانا للحصول على حقنا في سكن ملائم وفتحنا وطننا للاستثمار أملا في تحسن الظروف المعيشية، إلا أننا مازلنا في دائرة الفقر».

ومن جانبه، شدَّ ممثل الدائرة السادسة في المجلس صادق ربيع على يد ولي عهد البلاد وثمن حركته الأخيرة ضد الأداء الحكومي المتخاذل، على حد وصفه، آملا ألا تكون التشكيلة الوزارية الجديدة كـ «لعبة الشطرنج»، تتغير مواقع شخوصها؛ فالوطن بحاجة إلى أشخاص يتناسبون والمشروع الإصلاحي للملك وتوجهات ولي العهد.

ورأى أن ملف الفقر لن يغلق إلا بتدشين زيارات لتلك القرى والمناطق التي نستغرب وجودها في مملكة النفط والاستثمار والقانون، آملا أن تشهد زيارة وزير «البلديات» قريبا حلحلة لقضايا جزيرة سترة العالقة والتي لا تعد هذه القصة سوى غيض من فيض منها.

ومع توقع انخفاضٍ أكثر في درجة الحرارة على مدى الأيام الثلاثة المقبلة لن يكون لتلك العوائل سوى ملاذهم الوحيد حتى يخط المعنيون توقيعا ينتشلهم مما هم فيه.

العدد 1959 - الأربعاء 16 يناير 2008م الموافق 07 محرم 1429هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً