العدد 1959 - الأربعاء 16 يناير 2008م الموافق 07 محرم 1429هـ

تناقضات الرئيس بوش في كتاب جديد

قبل أن يشرع في إعداد كتابه للقارئ أجرى روبرت دريبر ست مقابلات صحافية غير مسبوقة مع الرئيس الأميركي جورج بوش داخل البيت الأبيض عامي 2006 و2007.

ولم تقتصر لقاءات الكاتب مع الرئيس دون غيره. ولكنه التقى أيضا السيدة الأولى لورا بوش، نائب الرئيس ديك تشيني، وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس، وزير الدفاع دونالد رامسفيلد وكبير المستشارين الرئاسيين كارل ريف علاوة على 200 شخصية أخرى.

وهناك من يقولون إن روبرت دريبر حقق ما يمكن وصفه بـ «المعجزة»؛ إذ طرق كل الأبواب الصحيحة ليصبح أول كاتب يحدثنا من منظور شخصي عن سنوات بوش الذي صمم على إنجاز أمور رئيسية وظل متمسكا بتفاؤله في مواجهة تدني شعبيته.

لقد صوّر الكاتب الرئيس الأميركي باعتباره شخصا متفائلا واثقا بقدراته مع اقتناعه في الوقت نفسه بأن أي تشكيك في تلك القدرات سيقلل من زعامته. كما أشار الكاتب غير مرة إلى أن الرئيس يفرط في التفاؤل ويتجنب الاعتراف بالأخطاء ويكره الانتقاد ويتحاشى الاستماع إلى الأخبار السيئة ويرفض إلى حد ما أن يسدي أحدهم نصيحة إليه.

بوش من وجهة نظر الكاتب

في أولى المقابلات قال الرئيس للصحافي: «ربما لن يمكنك فهم رئاسة بوش بصورة كاملة إلا بعد وفاتي».

قال دريبر: «إن الرئيس بوش بدا منفعلا صباح اليوم الذي أجريت فيه أول مقابلة معه. وكان قد أجّل خطابا رئيسيا مقررا عن الوضع في العراق بعد أن أصدرت لجنة معنية بدراسة تطورات الحرب تضم أعضاء من الحزبين الجمهوري والديمقراطي تقريرها الذي قالت فيه: إن الوضع في تلك الدولة محفوف بالمخاطر ويشهد تدهورا على رغم إصرار الرئيس بوش على القول إن التحالف بقيادة الولايات المتحدة في العراق يحرز تقدما».

وهناك سؤالان مهمان يتعين على كل من يتناول رئاسة الرئيس بوش أن يحاول الإجابة عنهما وهما: هل الرئيس بوش يفتقر إلى الذكاء؟ ولماذا قرر غزو العراق؟

من السهل أن نتجنب الإجابة عن السؤال الأول المتصل بذكاء الرئيس بوش من عدمه ولكن الإجابة عنه صعبة. إنه لا يتسم بالغباء. ولكنه بسيط ويميل إلى إعطاء الانطباع بأنه ساذج. أما إذا تعلق الأمر بالقضايا السياسية فإنه يغوص في التفاصيل الدقيقة لو أراد ذلك. ولكن كل من يعرف الرئيس يدرك أن الإجابة عن السؤال جزئية وليست كاملة. وربما يتحول السؤال إلى: كيف يستخدم الرئيس ذكاءه؟ ولِمَ يستخف بآراء خبراء السياسة؟

وربما تساعد الإجابة عن هذا السؤال مؤرخي حقبة الرئيس بوش على الإجابة عن أسئلة صعبة أخرى من بينها كيفية فهم تحوله السريع من الحرب ضد تنظيم «القاعدة» إلى التركيز فقط على صدام حسين والعراق.

ويقول الكاتب دريبر إن «الرئيس بوش ليس من النوع الذي يمكنه الاستفاضة في الحديث عن سيرته الذاتية كما لا يساعد غيره على معرفته والغوص داخل أعماقه». وأشار الكاتب إلى أن الرئيس بوش قال له في إحدى المقابلات: «أنت المراقب ولست أنا. إني لا أشعر بالارتياح حينما أتحدث عن نفسي وأحاول تحليلها».

وخلص الكاتب إلى القول إن «الرئيس بعد ست جلسات معه لم يكشف إلا عن النذر اليسير عن أسلوبه وطريقته في التفكير».

إنه الرئيس الذي يفخر بأنه يقرأ نحو مئة كتاب كل عام ويروّج لرفع مستوى التعليم والمتخرّج من جامعتي YALE وHARVARD والمتزوج من أمينة مكتبة، وعلى رغم ذلك يقول إنه لا يتعلم الدروس من خلال قراءتها. ولو كان الرئيس أمضى وقتا أكثر في القراءة عن العراق ودراسته لاختلف قراره النهائي بشأن العملية العسكرية في تلك الدولة.

وحينما يُواجَه الرئيس بوش بنتائج الاستطلاعات في أداء مهماته أو تسيير الحرب في العراق يتجهم وجهه ويقول: «لا يمكن ان يسمح المرء للاستطلاعات ان تتحكم في الأسلوب الذي يفكر به. إني أدرك تماما ان العراقيين والعدو والقوات الأميركية والشعب الأميركي يرصدون تصرفاتي على نحو دائم».

بعد أن قرر الرئيس إرجاء خطابه عن تطورات الوضع في العراق شرع في الاستعداد لبرنامج عمله اليومي الذي تضمن زيارة مقررة للجنود الجرحى جراء حرب العراق في مركز WALTER REED الطبي ومقابلة أسرهم الحزينة.

ويقول الكاتب إن «الرئيس يبدأ برنامجه بالاطلاع على التقرير اليومي الذي تتصدره أنباء العراق سواء ما يتعلق منها بأعداد القتلى والجرحى والمناطق المستهدفة وغير ذلك».

علاقة بوش بالمالكي

كان رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس موضوعين رئيسيين في الحوار الأسبوعي بين الرئيس بوش ونظيره البريطاني طوني بلير عبر الشبكة التلفزيونية المغلقة. وكان الرئيس يردد دائما: «يتعين احتضان هذين الرجلين وتعزيز مواقفهما».

لقد حاول الرئيس مسبقا مع رئيسي وزراء العراق السابقين إبراهيم الجعفري وإياد علاوي. ولكنهما لم يكونا من النوع الذي يستهويه. وغير أنه بالنسبة إلى المالكي - الذي التقاه للمرة الأولى في بغداد في يونيو/ حزيران 2006 - لم يكن أمامه مجال للاختيار؛ إذ كانت الأوضاع تشهد تدهورا مستمرا. ولكن بمرور الوقت كان الرئيس بوش يبدي إعجابا ببعض تصرفات المالكي وخصوصا ما يتعلق منها بالخطة الأمنية في العاصمة العراقية. وكان يرد على منتقدي المالكي بقوله: «لدينا شخص أفضل بكثير من سابقيه».

وأعرب الرئيس بوش مرارا أمام مساعديه ووسائل الإعلام عن أن المالكي سينجح في مهمته. بَيْد أنه في الوقت نفسه كان يلمّح إلى بعض مساعديه بأن عمله يحتم عليه غرس الثقة بحكومة بغداد.

يذكر الكاتب أن المالكي بلغته شائعات عن أن هناك محاولة انقلابية يتم تدبيرها للإطاحة بحكومته وأن الرئيس بوش وسفيره في بغداد زالماي خليل زاد ربما يؤيدان تلك المحاولة. وهنا رد المالكي بأسلوب عملي تمثل في طرح خطته الأمنية التي أدهشت الرئيس بوش ونالت إعجابه.

بوش لا يتذكر القرارات الرئيسية

ومن الحقائق التي أوردها الكاتب ولم توردها وسائل الإعلام في حينها اعتراف الرئيس بوش بأنه لم يكن على علم بعزم المسئول الإداري المدني الأميركي في العراق بول بريمر حلّ الجيش العراقي؛ مما تسبب باندلاع العنف العرقي في أنحاء البلاد وأن سياسة إبقاء الجيش العراقي في مكانه لم تُنفذ.

وحينما سأل الكاتب الرئيس بوش عن رد فعله على قرار بريمر أجاب أنه لا يتذكر على وجه الدقة. ولكنه طلب منه توجيه السؤال نفسه إلى مستشاره للأمن القومي ستيفن هادلي.

ومن الأمور الأخرى التي لفت الكاتب الأنظار إليها ثبات الرئيس بوش على إصراره أن لدى صدام حسين ترسانة من أسلحة الدمار الشامل حتى بعد ثلاث سنوات من فشل جهود قوات التحالف في العثور على أي أثر لتلك الأسلحة.

تناقضات بوش في كتاب جديد

كما اعترف الرئيس بوش خلال لقاءاته بالكاتب بأن حكومته لم تخصص وقتا كافيا للتخطيط لمواجهة احتمال اندلاع عنف عرقي واسع النطاق في العراق.

وقال الرئيس إنه اعتقد بأن العنف الذي اندلع بعد الحرب سيتقلص بعد الإطاحة بصدام حسين ونيل الشعب العراقي حريته.

وسلط الكاتب بعض الضوء على أمور أخرى فيما يتعلق بشخصية الرئيس بوش وتفاؤله المفرط، فيقول دريبر: «بدا واثقا بأن نتيجة انتخابات مجلسي الكونغرس ستأتي في صالح حزبه الجمهوري على رغم استطلاعات الرأي التي أظهرت توجها مختلفا لصالح الديمقراطيين».

ويصف دريبر في أحد فصول كتابه مرحلة ما بعد انتخابات منتصف مدة الرئاسة الخاصة بالكونغرس ومن ثم التخلي عن رامسفيلد الذي تقلصت شعبيته إلى حد كبير.

ولم يكن تراجع الحزب الجمهوري في انتخابات الكونغرس تطورا غير متوقع لدى البيت الأبيض، إذ عقد كبار مسئولي الحكومة اجتماعا استهدف الاستعداد لمواجهة أسوأ الاحتمالات وطلبوا من الرئيس عقد مؤتمر صحافي.

وفي أبريل/ نيسان 2006 دعا الرئيس عددا من المسئولين المقربين إليه لتناول العشاء وتبادل الرأي. وحينما طُرحت فكرة إقالة رامسفيلد طلب الرئيس من الحاضرين إعلان الموافقة أو الرفض برفع الأيدي وعلى رغم أن الموافقين على الإقالة كانوا سبعة والرافضين لها كانوا ستة فإن الرئيس بوش لم يستمع إلا لصوته وأبقى رامسفيلد في موقعه طوال موسم انتخابات الكونغرس للعام 2006 بحجة ان إقالته ستكون خضوعا لمطالب الديمقراطيين وأنها قد تزيد الأمور تعقيدا في شوارع بغداد.

يقول الكاتب إنه تعرض لشخصية الرئيس بوش بكل أبعادها ولكل التناقضات فيها. فاعتبره شخصية محببة إلى النفس ولكنه فظ في حديثه كما يتسم بقدر وافر من الذكاء ولكنه يكره بعناد مواجهة الحقائق التي لا تروق له.

ومن الأمثلة على عناد الرئيس قوله حين بلغته دعوات عدة جنرالات متقاعدين إلى إقالة رامسفيلد إنه لن يسمح للعسكريين بإبلاغ مسئول مدني بما يتعين عليه عمله. وقد علّق مسئول في البيت الأبيض على ذلك بقوله إن رامسفيلد يفوز بعقد عمل جديد كلما دعا أحدهم الرئيس إلى إقالته.

ويضيف الكاتب أن «أفضل سبيل لإقناع الرئيس بوش بقبول فكرة ما، هو صوغها على أنها قضية رئيسية تستدعي قرارا صعبا وأن الأفكار الكبيرة والجديدة في آن واحد هي التي تستهويه أكثر من غيرها مثل إشاعة الديمقراطية في الشرق الأوسط أو تحويل الجيش في العراق إلى قوات أكثر خفة وسرعة».

ويرى بوش أن وظيفة الرئيس هي أن يفكر باستراتيجية كي يتمكن من انجاز الأهداف الكبيرة. وضرب مثلا على ذلك بقوله إن «القضية الإيرانية تشكل تهديدا استراتيجيا يواجه جيلا من الأميركيين؛ لأن طهران تروّج لفئة متعصبة من الدين في مواجهة فئة متعصبة أخرى». كما أوضح أن «إيران قوة عدم الاستقرار في المنطقة؛ مما يسبب عواقبَ وخيمة على رأسها هيمنة المتطرفين على مصادر الطاقة واستخدامها لابتزاز الغرب، علاوة على التهديد النووي». وأوضح الرئيس أن هذا ما يعنيه بالحديث عن التفكير الاستراتيجي.

كما نفى الكاتب خدعه البيت الأبيض وأنه أحرق كل مصادره ومن بينها الرئيس نفسه بعد أن حقق هدفه المتمثل في إخراج كتابه إلى النور. وقال دريبر: «إن من السخف القول إن اتفاقا كان مع البيت الأبيض وإنه تراجع عنه لاحقا. لقد كان هناك اتفاق على أن أكتب عن الرئيس بنزاهة ومن دون إصدار أحكام مسبقة. وقد أوفيت بعهدي».

وفي الفصل الأخير من الكتاب سأل دريبر الرئيس بوش عما يعتزم عمله بعد الخروج من البيت الأبيض فقال إنه سينشئ معهدا للحرية (FREEDOM INSTITUTE) وصفه بأنه عبارة عن ورشة عمل يتلقى فيها الزعماء الناشئون من الخارج النهج الديمقراطي. كما قال إنه سيستثمر في قطاع النفط، علما أن ثروته تقدر بما يقرب من 15 مليون دولار. وقال أيضا: «قد أحصل على بعض المال من إلقاء المحاضرات كما يفعل والدي» الرئيس السابق.

العدد 1959 - الأربعاء 16 يناير 2008م الموافق 07 محرم 1429هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً