الاختلاف في الرأي سمة طبيعية في المجتمعات البشرية المتقدمة منها والمتخلفة، والمجتمعات الإنسانية بعقلانيتها استفادت من الاختلافات بصورها الإيجابية وطورت من نفسها في كل الاتجاهات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والخيرية، والبعض تعامل مع الاختلافات بسلبية مقيتة أدى إلى تخلفها وتراجعها في الكثير من المواقع والميادين العلمية والثقافية والتربوية والأدبية، وأصبحت تتخبط في ممارساتها وسلوكياتها وقراراتها ومواقفها.
والاختلاف مسألة ثابتة ومشروعة ذكرت في القرآن الكريم، قال تعالى «ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين» وهو ظاهرة صحية في المجتمعات الإنسانية ودلالة واضحة على التمدن والوعي والرشد... هذا النوع من الاختلاف محمود عند مختلف طبقات المجتمع الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والإنسانية، لأن المجتمع الذي يتعامل مع مفهوم الاختلاف على أنه وسيلة للرقي والتطور في كل مناحي الحياة، حتما سيرتقي نحو الكمال المعنوي والمادي والإنساني وغير ذلك من الاتجاهات.
لا يصل المجتمع إلى هذا النوع من الاختلاف إلا إذا ما تحلى المختلف في الرأي بالموضوعية، وتجرد من كل المؤثرات النفسية السلبية التي منشأها حب الذات المعبر عنه في علم النفس بـ «الأنا السفلى»، التي من شأنها أن تحرف المفهوم الراقي للاختلاف الذي أشار إليه الرسول الأعظم (ص) بقوله «اختلاف أمتي رحمة» وتحوله إلى مصدر للنزاعات والصراعات الاجتماعية بين مختلف أطياف المجتمع الواحد.
المجتمع الذي يريد لنفسه التطور ينظر إلى الموضوعات والقضايا المختلف عليها بعين إيجابية خالية من كل الشوائب النفسية، وإذا ما تجرد المختلف من أنانيته، ستجده بموضوعيته يضع تلك المسائل المختلف عليها على طاولة البحث والتحليل ودراسة كل تفاصيلها وحيثياتها، فتراه لا يصر على الخطأ إذا ما اتضح إليه في رأيه، ولا يتغافل عن رأي صحيح أورده غيره، ولا يحاول الاستخفاف بآراء الآخرين ولا يسفه الرأي السديد. والمختلف الإيجابي يبدي رأيه المبني على أسس منطقية بعيدة عن الحساسيات النفسية والمؤثرات العاطفية، ويكون نقده ومحاكمته للفكرة وليس لصاحبها، ولا يؤثر اختلاف الآخرين معه على علاقاته الاجتماعية، وكما يقولون «الإنسان يبحث عن ضالته أينما وجدت»، ولا يشترط في ذلك وحدة المعتقد.
المصبية التي نعاني منها في مؤسساتنا الدينية والخيرية والاجتماعية أن البعض إذا ما اختلف في مسألة معينة أو في مسائل كثيرة مع الآخر في وجهات النظر، تراه يعمم ذلك الاختلاف على كل المسائل والقضايا، ما يؤدي إلى قطيعة اجتماعية بينه وبين الطرف الآخر. وأما المختلف الإيجابي تراه في يوم يختلف مع الآخر في قضية محددة، وفي اليوم الثاني يتفق معه في قضية أخرى من دون أن يسمح للمؤثرات النفسية بالتأثير عليه. المختلف الواعي والمدرك لو اختلف مع الآخر بنسبة 80 في المئة، فإنه يتعامل معه في النسبة المتبقية التي لا تتجاوز 20 في المئة، لأنه يرى تعامله معه في الأمور المتفق عليها تتناغم من السلوك السوي، وأن تعامله مع الاختلاف بهذه الصورة الراقية قد يزيد من نسبة التوافق بينهما وهو مطلب جميع العقلاء.
واختلاف الفقهاء أسوة لنا، فإنهم ينظرون إلى الاختلاف في الرأي طريقا إلى زيادة في البحث والدراسة، أما إذا ما جعلت من الاختلافات خلافات ممقوتة، من المؤكد ستؤدي إلى هلاك المجتمعات واضمحلالها، فإذا ما أخذت الاختلافات من زوايا مذهبية أو فئوية أو عرقية أو سياسية سنحكم على الرأي الآخر بحسب انتماءاتنا وليس على أساس واقعي... هنا سنجد أنفسنا في متاهات ليس لها أول ولا آخر. الاختلاف الذي منشأه حب الذات والمصالح الشخصية أو مصلحة جهة معينة، هو نقمة على المؤسسة أو المجتمع، وهو يؤدي إلى قتل الكفاءات وعدم بروز الطاقات وهجرة بعض الكفاءات والاعتماد على الفكر الواحد، وهذا سبيل إلى زيادة التأخر والبعد عن ركب الحضارة المدنية.
المختلف الذي يعتمد على أسس أخلاقية وعلمية واجتماعية، لا يمكنه أن يلغي الآخر ويقصيه من كل المواقع الاجتماعية بطرق شيطانية متنوعة، بمجرد الاختلاف معه في الرأي أو في الأسلوب أو في التنفيذ. خلاصة القول إننا إذا أردنا لأنفسنا الرقي وزيادة المعرفة، وإذا أردنا إلى مجتمعاتنا ومؤسساتنا الدينية والاجتماعية التطور والنمو، لابد لنا أن نتعلم أخلاقيات وأدبيات الاختلاف لنتعرف على كيف نختلف؟ ومتى نختلف؟ وكيف نتعامل مع من نختلف معه؟ وكيف نتكيف ونقبل الاختلاف؟ وكيف نجعل من الاختلاف سبيلا للرحمة كما أراده الرسول الأعظم (ص)، أن لا نسلم أنفسنا إلى وسواس الشيطان الذي تجعل الاختلاف وسيلة للنقمة على مجتمعاتنا والعياذ بالله.
سلمان سالم
العدد 2037 - الخميس 03 أبريل 2008م الموافق 26 ربيع الاول 1429هـ