تتوسَّدُ مخدَّتها الباردة جدا بفعل مكيّف الهواء، وتبتسمُ لنفسها. تقلّبُ رأسها يمينا ويسارا لتتوصل إلى الوضعيّة المثالية له، ثم تسحبُ الغطاء حتى طرف ذقنها وتلتفُّ به.
الغرفة باردة تماما كما تفضلها في ليلة صيفية كهذه، مظلمة، هادئة ومحبّبة. كل الظروف مهيأة لنومٍ مريح، إلا أنَّ أهمّها، النعاس، يرفض أن يُقبل. تتقلب مرّات كثيرة، تتلو عدّة سُوَر، تغلق عينيها ثم تفتحهما عشرات المرات. تعود للتقلّب وتستغرقُ في التفكير.
تحاول أنْ تنظمَ شعرا، تشغلُ لسانها بمطلعٍ ما ثم لا يعجبها تماما، فتفكّر: شيء حلو، رقيق... انسيابي. لو أقدر أن أجمع كل معاني الضوء واللون والحلاوة في شعر... آه لو أقدر فقط! يقتضي ذلك عدة تقلبات، ثم تيأسُ ساخطة وتقسمُ بهجران النظم إلى الأبد.
تظلُّ ناقمة لثوان، ولا تلبث أن تتشاغل بترديد أنشودةٍ سمعتها هذا النهار، فتكتشف أنها نسيتْ كامل كلماتها. تستغرب بعض الشيء، وتقرر أن ترجع إلى كتب تقوي الذاكرة التي لابد أنها لاتزال على أحد الرفوف في مكان ما، ولا بأس أن تعود للأنشودة لتتذكر كلماتها جيدا للمرة المقبلة.
تسحب الغطاء الذي انحسر عنها الآن إلى نحرها مرة أخرى، وفجأة يطرأ على خاطرها وجه ما، أثيرٌ، في مكان ما، بزمن ٍ ما، مضى وانقضى. تبكيها الذكرى، ثم تضحكها، ثم تبكيها من جديد! تعزم في داخلها: إنها المرّة الأخيرة، لا أريد أن أتذكر مرة أخرى أبدا... فما وراء الذكرى إلا الوَجَع!
يثقل رأسها قليلا، تظن مستبشرة أن النعاس قد أزفَّ أخيرا، فتغلق عينيها بهدوء في انتظار أن تغفو، ولكن الدقائق تمر ولا نوم في الأفق. وبينما ينعس جفناها شيئا فشيئا وينغلقان، تطوف حوادث اليوم أمامها كطيف سريع...
تتذكر حين لاججتْ والدتها، فتتألم وتقسم: غدا سأطيع كل ما تقول... إنها تبغي صلاحي!
تمر أختها الصغيرة على خاطرها فتتأثر حين تذكرتْ أنها عنّفتها اليوم لسبب تافه، تَعِدُ نفسها: غدا سأقبّلها ولن أصرخ في وجهها مرة أخرى!
تذكر امتحانها الذي لم تحضّر له كما يجب، تعزم قائلة: غدا سأبذل أفضل جهدي! غدا سأقلع عن أكل الشيكولاتة، لن أقضي أوقاتا طويلة على الشبكة العنكبوتية، لن أنشر الفوضى في غرفتي... و... و...
في الصباح تستيقظ، تنهضُ من السرير من دون أن ترتبه، تبدأ يومها بقطعة كبيرة من الشيكولاتة، تتناوش مع أمها، تعنّف أختها لأنها استخدمت زجاجة عطرها، تصفق الباب لتتجه إلى الجامعة. تتشاغل بنظم أبيات جديدة في محاضرة البرمجة، تعود إلى المنزل بعد الدوام لتقضي سحابة يومها على الشبكة العنكبوتية. في المساء تتأخر في النوم لأنها تركت التحضير للامتحان حتى آخر لحظة.
حين تضع رأسها على الوسادة في الليل، تتقلب لمرات كثيرة جدا، تستمتع بالوسادة الباردة ثم تغوص في التفكير... غدا... غدا لن أغضب أمي، وسأصالح أختى الصغيرة... تبا، لماذا لا أجيد نظم الشعر؟ ربّاه، إنها المرة الأخيرة... الأخيرة!
مريم حسين المهدي - بريطانيا
العدد 2037 - الخميس 03 أبريل 2008م الموافق 26 ربيع الاول 1429هـ