العدد 2067 - السبت 03 مايو 2008م الموافق 26 ربيع الثاني 1429هـ

نحو صحافة جديدة

الصحافة هي مسرحية الإنسان وليس ثمة فصل أخير تنتهي عنده

إنّ قصّة حرّيّة الصّحافة هي قصّة الإنسان نفسه، في تعايشه مع نفسه، وفي تكوينه لحضاراته المتعاقبة، هي حرّيّة التّعبير منذ سقراط وأفلاطون وأرسطو، وهي حرّيّة التّعبير ضد الرّموز الدّينيّة خلال العصور الوسطى، وهي أزمة الإنسان في أخلاقه كما كانت مشغلا من مشاغل فلاسفة الأخلاق: هيوم، إيمانويل كانت، جون ستيوارت ميل، توماس هوبس. هي أخيرا قصّة فلاسفة الحرّيّة. وهي القصّة التي لم تنته حتّى اليوم، فمسرحيّة حرّيّة التّعبير والصّحافة ليس لها فصل أخير يختتم الإنسان به روايته.

حرية الصحافة هي ألا تعيقني بعد أن تدعي السماح لي

ليست وحدَها مفاهيمُ الحرّية والدّيمقراطيّة وحرّيّة التّعبير هي ما يصنع الصّحافة الحرّة، فالسّلطة أو الدّولة تستطيع أنْ تخلق العديد من العراقيل التي تكبح جماح أيّ صحافة حرّة تريد أن ترى الوجود. لذلك ليست حرّيّة التّعبير أو حرّيّة الرّأي إجرائيّا سوى سقوط للعوائق التي تحول دون أن يعبّر المرء بفطرته الطّبيعيّة عن ذاته وعن مجتمعه. وهذه العوائق لا يصنعها سوى الرّمز الفاعل اليوم «الدّولة»، بعد أن استطاع الإنسان أنْ يحجّم الرّموز الأخرى التي كانت تتلاعب بحرّيّته.

الصحافة الحرة تعزيز للدولة لا انقلاب عليها

حتّى ننتج صحافة حرّة علينا أنْ نحقّق شرطا مهما وهو شرط الاستقلاليّة عن الدّولة أو أيّ سلطة من السّلطات الفاعلة والجديدة في المجتمع، فالسّلطة وآليّاتها الجديدة ليست العائق الوحيد لكنّها الأكثر أهميّة وتأثيرا من بين العوائق الأخرى. وليست العمليّة عكسيّة بالضّرورة، بمعنى أنّه لا يستلزم أنْ تعتقد الدّولة أنّ حرّيّة التّعبير في الصّحافة هي بالتّحديد نهايتَها. فإذا ما حاولت الدّولة أنْ تعيد قراءة الأمر بشكل مختلف فهي ستكتشف لا محالة بأنّ المجتمع الحرّ، الذي يمتلك أفراده إرادة حرّة وصحافة حرّة وعقولا حرّة، لا يحتاج للثورة. لأنّه باختصار لا يَتّخذ خيار الثورة إلاّ حين يفقد حرّيّته وإرادته في التّعبير عن نفسه.

تطورت الدول في آلياتها فلماذا لا تتطوّر الصحافة؟

حينما قال فولتير: إنّه لا يستطيع التّفكير دون إذن الملك وحين أبدع الفرنسيّون في مجازاتهم الأدبيّة في التّعبير عن مدى انزعاجهم من كبت الحرّيّات، كانت الإشكاليّة في حرّيّة الصّحافة هي إشكاليّة مواجهة سلطة كلاسيكيّة فقط، إشكاليّة نابليون الذي أعلن صراحة أنّه لا يستطيع أن يحكم البلاد أكثر من ثلاثة أشهر في ظل حرّيّة الصّحافة. الآنَ نحن أمام السّلطة بصورتها الجديدة المعقّدة، تطوّرت الدّولة ومفاهيم سيطرتها وقمعها للحرّيات في ظلّ هذه الكونيّة الجديدة المرتكزة على التّكنولوجيا، ونحن في عصر المابعديّات المتكاثرة، تطوّر كل شيء، وبقيت الصّحافة مستهلكة أو عديمة الحراك، فالاقتصاد الحديث والدّولة الحديثة ابتكرا من وسائل الاتّصال المؤثّرة ومن أشكال السّيطرة الكثير. والصّحافة ذات الأدوار التّاريخيّة بدأت تستعذب الغياب والكلاسيكيّة، أو أصبحت أداة للسّلطة من دون أنْ تدري، أو لعبة تشكلها إمبراطورياّت رأس المال الإعلاميّ.

نحتاج إلى صحافة جديدة

نحن بالفعل في حاجة ماسّة إلى صحافة جديدة، صحافة تستطيع أنْ تنتج أدوات جديدة في صراع الإنسان مع نفسه، هذا الصّراع الذي لا يهدأ ولا يتوقّف. إنّ الصّحافة المدنيّة هي مفهوم لا تبلوره فترة من الفترات، هي مفهوم مدنيّة الإنسان، تغيّراته وتبدّلاته، مفهوم الإنسان في الأمس كيف كان، واليوم كيف هو، وفي الغد كيف يكون ويتشكّل.

العدد 2067 - السبت 03 مايو 2008م الموافق 26 ربيع الثاني 1429هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً