يقول صاحبي إن جهاز الكمبيوتر الذي لديه ومنذ أن اشتراه كان يفتح أي قرص (ديسك) يحوي معلومات يضعه فيه ويتعامل معه من دون أية مشكلات تذكر، ولكنه حديثا قام بتثبيت برنامج (قوي) لمكافحة الفيروسات لأنه حصل عليه «ببلاش» أولا، وثانيا لكي يجاري التطوّر! لكنّ صاحبي اليوم نادم اشدّ الندم على تلك الخطوة (غير المدروسة)! وذلك بعد أن صار الكمبيوتر المطيع المريح ذاته، «يتحجّج» ويتلكّأ ويرفض فتح الأقراص ذاتها التي كانت محل ترحيب، وذلك لأنه صار يتعرّف على بعض الفيروسات الموجودة في الأقراص فيرفض البرنامج فتحها أو يهدد بعواقب وخيمة في حال فتحها! عندما نذكر هذا الأمر نضحك منه ولكننا في الوقت نفسه نجده ينطبق على كثيرين منا بصورة أو بأخرى!
في الصلاة مثلا، عندما تعلّمناها صغارا كانت من ضمن الصلاة بعض (المستحبات) التي نؤديها وظللنا لسنوات نقوم بها، ولكن عندما علمنا بعد ذلك انها (مستحبات) لا تؤثر على صحة الصلاة أصبحنا نؤديها على عجل او نتكاسل في تأديتها! في العمل مثلا، ولمدة طويلة نسبيا، لم نكن نعلم اننا نستحق الحصول على ثلاثة ايام إجازة مدفوعة الأجر في السنة بحسب قانون الشركة، فلذلك كنا لا نتغيّب إلا للضرورة مع حرصنا فيها على إبراز عذر مقبول ان حدث ذلك، ولكننا عندما علمنا بذلك الامتياز صرنا نصرّ على الحصول عليه أولا بأول! ولكن ذلك الحرص وضعنا في دائرة الشك والاستفهام والاتهام بالتسيب وعدم الانضباط!
كذلك لم نكن نعرف عن بعض رواتب الموظفين الأجانب والامتيازات (الخيالية) التي توفرها لهم شركتنا (الوطنية)! فكنا راضين قانعين مسالمين... ولكن عندما عرفنا ذلك أصبنا بالإحباط وصرنا نتذمر ونلعن «سلسفيل» أنظمة الشركة!
في السياسة أيضا، لم نكن نعرف ما «حقوق الإنسان» أو « الطائفية» أو « التمييز» أو « توزيع الثروة «... وغيرها من مصطلحات لم يكن يفهمها او يتعامل معها او يستخدمها إلا النخبة المثقفة والمنتمون للجمعيات والمتمصلحون.
ولكننا منذ عرفنا وفهمنا صرنا نتتبع الأخبار ونطارد التصريحات والتلميحات ولا نترك منتدى او موقعا إخباريا إلا وغزوناه، فنحقق ونعلّق ونحلّل وندلّل ونعيش الصراع والحذر، والقلق من الآخر، ونرسم صورة قاتمة للمستقبل، ونتمنى أحيانا لو بقينا في جهلنا وسذاجتنا وعمانا!
كما قال المتنبي
ذو العقلِ يشقى في النعيم بجهلهِ وأخو الجهالةِ في الشقاوةِ ينعمُ!
وعلى هذا فإن الأنظمة السياسية التي تجد شعوبها لا تعرف هذه الأمور ولا تتناولها في منتدى أو صحيفة أو مجلس... تجدها في راحة وطمأنينة، فتمعن في السكوت وكتمان هذه الأمور، بل وتشجع على تجهيل الناس والتعتيم على ما لا يستدعي أن يعرفوه ببدائل (إلهائية) لا حصر لها.
جابر علي
العدد 2067 - السبت 03 مايو 2008م الموافق 26 ربيع الثاني 1429هـ