العدد 2070 - الثلثاء 06 مايو 2008م الموافق 29 ربيع الثاني 1429هـ

مرآة النفوس

واقفة أمام المرآة، تحدّق في وجهها... جبين قصير وحواجب كثيفة كالليف تستطيل حيث يرسم القبح اسمه عليه. عيناها كفحم يقتل اللمعان. أنف مدور منتفخ وشفتاها على غير العادة ذابلتان. الجزء العلوي فيه أطول من انحناءة تزيدها شعورا بالخجل أمام الآخرين. قسمات لم ترض بها وشكل لم تحبه قط.

تكره الذهاب للمدرسة، لأنها تخشى أن يتأجج قلبها بقذفة نارية من كلام إحدى الطالبات، تسارع الخطى للجلوس في الصف الأخير، تتمنى لو أنها خفية، لا يستطيع أن يراها أحد. يتعالى صوت طالبة: أيتها القبيحة يا مليكة الشعر المجعد والخد المنتف... ثم تقهقه الطالبات.

تخرج باكية من المدرسة وتجري إلى أن تصل إلى المنزل، تدفع الباب من القهر، كانت تضم كتبها بيديها وتجري الدموع.

حل المساء، وانطوت في غرفة معزولة، تبكي لوحدها، لا تريد أن يعرف تأزمها. وهنا، استرقت تلك الصغيرة النظر إليها، تقدمت نحوها ومسحت على شعرها بيديها الناعمتين، كانت طفلة لكنها توقن أشياء وأشياء.

لماذا تبكين يا أختي؟ قالت بصوت ملائكي لطيف: لا أبكي يا عزيزتي، ليس هنالك من شيء...

انسحبت بهدوء، تحاول أن لا تضغط عليها وتزيد الأمر سوءا.

لكن نداء منها... جعلها تحتضن أختها بحنان، تأوهت لبرهة ثم رفعت عينيها كأنها تطلب الخلاص:

أنا حزينة يا «آمنة» لقد سئمت من سماع الكلمات القاسية على شكلي القبيح.

أنت لست قبيحة يا أختي، أجدك جميلة جدا، إنك تقدمين لي الكعك في الصباح وتلاعبيني وتعطيني الحلويات. أنا أحبك كثيرا.

ابتسمت «هدى»،آه، لولا وجودك يا صغيرة لما طقت العيش بعد اليوم.

وفي الصباح، تسمع صراخا، خرجت من غرفتها وإذا بأفراد عائلتها مجتمعين وأختها يعلو صوتها في غضب، تساءلت ما الذي يحدث؟ لم كل هذا؟ نظرت إليهم وكأن أصابع الاتهام توجه إليها.

قالت أختها: إنني أكرهها، أخجل أن أمشي في المدرسة وأرفع رأسي أمام الطالبات ليتهامسوا هذه أخت المشوهة. معلماتي لا يطقن الاحتكاك بي وزميلاتي يكرهنني.

كلها سهام انقذفت لقلبها، تريد أن تجد إجابة واحدة لسؤال: ما ذنبي؟ قررت في لحظة وقالت للجميع: سأذهب لعمتي في الخارج وسأعيش معها.

لطالما أحبتها عمتها وأحبها الجيران، إذ على رغم شكلها القبيح فإنها وبأخلاقها وخصالها الطيبة، احترامها وتقديرها للآخرين، امتلكت قلوب الكثيرين، حتى وصلت أعلى المراتب في الدراسة والعلم وتخرجت متوفقة يفخر بها كل من يعرفها.

سمعت خبرا سيئا فكان من المحتم أن ترجع إلأى أهلها، لقد تعرضت أختها لحادث أفقدها الكثير من ملامحها الجميلة.

الظلام يعم المكان، والصمت بسبب الصدمة كان يخرس الجميع، وعلى السرير الأبيض رقدت، وها هي الآن تصارع ما صارعته. نظرتها بعين مشفقة ومسكت يديها فتوارت الدموع لعين الكليلة:

سامحيني يا أختاه طالما جرحتك بكلامي القاسي.

إن الله يسامح الجميع، وإنه يعلم أني لم أكن يوما الحقد لك ولا البغضاء.

هذا قلبك الطيب، وتسامحك سيجزيك الله عليه، وأتمنى أن تكوني مرآة للنفوس، لقلب كل شخص.., وجرت دمعة منها...

زينب عادل الستراوي

ثالث إعدادي/ مدرسة الديه الابتدائية الإعدادية للبنات

إشراف المعلمة الأولى/ مدينة المهدي

العدد 2070 - الثلثاء 06 مايو 2008م الموافق 29 ربيع الثاني 1429هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً