العدد 2541 - الخميس 20 أغسطس 2009م الموافق 28 شعبان 1430هـ

الوجه الآخر للمذهبية...

أن ندين بالإسلام دون أن ننتمي إلى أحد المذاهب فهو أمر صعب المنال، فالناس بطبيعتها تتبع دين أسرها أو عشائرها، ومن الطبيعي أن يتعلم الطفل من المحيط الذي وجد فيه، فإن كان والداه أو عائلته على دين ما، فهو يأخذ ويُسْلِم بما وجدهم عليه.

لذلك فالمسلمون لما ينسبوا إلى مذهب كأنما يصبح هو خيارهم، وسواء كانوا مؤمنين بكل ما جاء به مذهبهم أم لا، أم كانوا يعرفون أدق التفاصيل أم ينتسبون بالاسم فقط.

مصطلحات الاستعداء المذهبي أشهر من نار على علم، فان كنت من الإخوة السنة فتهمتك أنك ناصبي، وإن كنت من الإخوة الشيعة فأنت رافضي.

تهمتان تستحضران كلما استجد أمر، وكلما عصفت ببلاد المسلمين عواصف الفتن، تهمة لا يفقه مدعوها شيء منها إلا أنّ لها فعل السحر، وإنها تعمل كعمل النار في الهشيم، وكذا من اتهم بها لا يملك من سبيل للدفاع عن نفسه، بل لا يسعي لتغيير ذلك الواقع السيئ، وكأنه القضاء الذي لا يردّ ولا يستبدل.

قطعا هناك من له مصلحة في هذا العداء التاريخي، بل إن بقاءه وتجدده له منافع عند البعض كحال الخمر الذي ذكره القرآن، ولكن إثم المذهبية أكبر من نفعها بكثير، وضررها يتحمله الكثير من الطرفين، وينتفع منه القليل منهما على حساب الكثير، وأهم أدوات المذهبيين الفئة المستغفلة من الناس، والذين قبلوا لأنفسهم أن يكونوا حبائل شيطانية في أيدي المنتفعين منهم، كل ذلك من أجل تعصب أعمى القلوب عن تبصر الحق.

إذن كيف سُوّغَت تهمة نصب العداء لآل البيت عليهم السلام، وهي تهمة لا تثبت إلا ببيّنة؟ فالعداء يستوجب أولا معرفة سبب العداوة ومن هو العدو، فإذا كان العدو غير معروف لدى المتهم بالعداء له، فعلى من يقع ذلك العداء المزعوم؟ ثم إن النسبة الأكبر من أهل السنة تكنّ احتراما ومودة لأهل بيت الرسول ولكن على طريقتهم.

أما الشواذ من الناس وإن حسبوا أنفسهم من أهل السنة، ولكنهم لا يمثلونهم في ذلك العداء، لذلك لا يمكن أخذ جرم الكل بجريرة البعض.

أما حقيقة تهمة الرافضي التي تنسب للشيعة، فهي حجة مردود على مُدعيّها، إذ يقصد بالرافضي من رفض بيعة الخلفاء، وخصوصا أبابكر وعمر وعثمان، وللعلم إن ما يفصلنا عن دولة الخلفاء نحو ألف وأربعمائة عاما، فقبول أو رفض بيعة الخلفاء ليس لها تأثير، للبعد الزماني الذي يفصلنا عنهم، ثم إن مسمى البيعة تعني القبول أو الرفض، فالبيعة ليست دينية ملزمة كبيعة الرسول (ص).

إذن هي بيعة سياسية للناس الحق في المبايعة أو عدم المبايعة، كحال التصويت اليوم بنعم أو لا وإلا لا اعتبار لمسمى البيعة.

بمجرد دراسة التاريخ الإسلامي والمرور على فصوله بتأنٍ، ممكن استخلاص الكثير من العبر التي تقودنا إلى فهم الواقع الذي نعيشه، فهو نتيجة لاختلافات سياسية أقحم الدين فيه ليضفي عليه شرعية مزيفة.

ومن نتائج هذا الصراع التاريخي مُزّقت الأمة الإسلامية الواحدة، وتشتت قواها الفكرية والمعنوية والمادية إلى صراعات، وأغلب المذاهب أسست على إثر تلك الاختلافات السياسية.

لا ضير أن يكون المسلم على دين أو مذهب أبويه، ولكن أن يُحمّل أعباء وآثام لَمْ يَكُن له فيها ذنب فتلك من الكبائر، وأن يُوصف بتهمة لا يفقهها فذلك بهتان عظيم، وأن يكون أداة مستغلة لكل من هبّ ودبّ، فهو لا يِتحمل وزرا إلا ما اقترفت يداه، ما يؤسف له أن لا يسأل المرء عن تدينه وخلقه، ولكن يحاسب على مذهبه وطريقته، فمعيار التزكية وإبراء الذمة تكون بمدى انتمائه لمذهب السائل، إذ حين تُكالُ تهمه للمخالفين مذهبيا يوضع في الحسبان ذلك الاختلاف، ليس لأن المتهم مدرك ومؤمن بكل ما يقوله مذهبه، بل يكفيه إرث الأسلاف ليتحمل ذنبا لم تقترفه يداه.

وليس من سبيل إلى إصلاح الواقع إلا بتنقيح الفكر الإسلامي، ولن يتسنى ذلك إلا إذا نقحت الأحاديث التي قيلت زورا على الرسول، والتي لا تتوافق مع القرآن الكريم، والعمل على فهم الواقع من خلال زماننا، والكف عن الصراع المذهبي الذي أفسد على الناس التسامح الذي عايشوه، والالتفات إلى الداعين إلى الوحدة ونبذ كل عصبية جاهلية، والإدراك أن عالم السياسة لا يرعى في الغالب المثل والأخلاق الفاضلة، فهو عالم متغيّر تحكمه المصالح، بينما الدين ملتزم بالثوابت والتشريعات الإلهية الصحيحة.

طاهر عبدا لكريم

العدد 2541 - الخميس 20 أغسطس 2009م الموافق 28 شعبان 1430هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً