بعد مؤتمرها السادس الذي طال انتظاره، تمكنت «فتح» من التقدم قليلا نحو بناء المؤسسات الضرورية لإنشاء دولة فلسطينية مستقلة. ورغم مظاهر عرض القوة، جدّد المشاركون التزامهم بحل الدولتين، وطغت الأصوات المنادية بالمقاومة من خلال التنمية الاجتماعية على تلك التي ترغب بالحفاظ على الوضع الراهن. أصبح التحدي الذي يواجه «فتح» الآن إيجاد منبر بأهداف جديدة وتفسير جديد لميثاقها، حتى تصبح حركة تمثّل جميع الفلسطينيين. وفي إيماءة صادقة نحو المصالحة، يتوجب على «فتح» أن تعرض غصن الزيتون على «حماس» وأن تدعو الحركة للانضمام إلى مهمّة إيجاد منبر وطني جديد.
بقي أن نرى مدى فعالية انتخاب جيل جديد أصغر سنا من أعضاء فتح في وضع أجندة وطنية جديدة. ولكن سبيل فتح الوحيد إلى الأمام هو أن تتسلم بشجاعة مسئولية وضع خريطة طريق تنموية تعمل على إعداد جميع الفلسطينيين للتفاوض على حل الدولتين من موقف قوة.
ولدت فكرة خريطة الطريق التنموية نتيجة لعمل «مركز النهوض بالإنسان في الشرق الأوسط» مع أعضاء من الجيلين الثالث والرابع من فتح خلال السنوات الخمس الأخيرة. قمنا بالتعامل مع المشكلة من خلال استخدام إطار سياسي اجتماعي ابتكاري، مثل ذلك الذي ساعد جنوب إفريقيا على الانتقال من نظام الفصل العنصري.
أشارت بحوثنا في البداية إلى تناسق هائل في القدرات المجتمعية بين الإسرائيليين والفلسطينيين. كان ذلك هو السبب الرئيسي في فشل معاهدات السلام السابقة، إذ لم يملك الفلسطينيون ببساطة القدرة على حكم أنفسهم أو تطوير رؤية موحدة لدولة مستقبلية. كذلك استمرت الصدامات الداخلية التي عَمِل المتطرفون على الجانبين على إثارتها في إذكاء نار النزاع.
ركّز عملنا على إرشاد أعضاء فتح من الجيلين الثالث والرابع لإيجاد طرف مختلف بشكل مميز، حيث ينتقل من واحد فقد الاتصال مع الشعب الفلسطيني إلى طرف سيقود الشعب بأكمله في جهود بناء الدولة. ولأننا نفهم أهمية المؤتمر السادس، قمنا بتصميم المؤتمر الذي سبقه لسبعمئة عضو من فتح، والذي عقد في فبراير/ شباط 2008. وفّر هذا المؤتمر منبرا فريدا لأعضاء فتح للحوار حول مستقبل الحركة وإرسال توصياتهم إلى قياداتهم. لم يكن تركيزنا على نجاح فتح فحسب، وإنما على قابلية الدولة الفلسطينية المستقبلية على البقاء، وهو أمر يجب أن يحظى بتركيز الرئيس عباس كذلك.
وحتى يتسنى تحويل التركيز بعيدا عن كل من الاقتتال الداخلي بين الأحزاب وهزيمة حماس، قمنا بتوفير منبر قدّم من خلاله الأعضاء أفضل رؤاهم وأطرهم لبناء الدولة الفلسطينية: دولة يصممها شعبها لشعبها. بالنتيجة، قام أعضاء الحركة في العشرينيات من عمرهم بتقديم أفضل الاقتراحات لبناء الأمة، وكانوا على وعي ومعرفة بالقضايا المهمة التي تؤثر على شعبهم.
وحتى تتمكن فتح من إرشاد عملية نهوض الدولة الفلسطينية، قدّم المشاركون عددا من التوصيات العملية، يمكن المباشرة بتنفيذ معظمها رغم القيود المفروضة من طرف الاحتلال الإسرائيلي. وتضم هذه التوصيات مساءلة جميع المسئولين الحكوميين وإنهاء الممارسات الفاسدة في أوساط البيروقراطيات الحكومية وإنشاء أنظمة تعليمية وصحية على مستويات عالمية وتطوير القطاعات الزراعية والصناعية، وإيجاد قطاع في مجال تكنولوجيا المعلومات يمكن للشباب أن يجدوا من خلاله مجالات عمل مربحة، ومأسسة مجال واسع من البرامج الاجتماعية والاقتصادية الأساسية في دولة مزدهرة.
وبناء على نتائج هذا الحدث الذي سبق المؤتمر، والتحديات التي تطرحها نتائج المؤتمر السادس، يتوجب على الرئيس عباس أن يعقد فورا «مؤتمرا لتصميم الدولة» يطلب من الأدمغة البارزة في فلسطين وكل أنحاء العالم إيجاد خريطة طريق تنموية لفلسطين.
ويسترشد هذا الجهد باحتياجات جميع الفلسطينيين وتطلعاتهم، ويضع صورة لمنطقة مزدهرة. كما يعمل هذا الجهد على احترام الماضي، وفي الوقت نفسه بناء البنية الأساسية الضرورية للجيل الأصغر عمرا لينهض اقتصاديا واجتماعيا ويتغلب على النزاع التاريخي في المنطقة. وبالنسبة إلى المعتدلين في «إسرائيل»، توفّر خطة كهذه التأكيدات التي يحتاجونها للدخول في شراكة من السلام والازدهار، وفي الوقت نفسه كبح جماح المواقف المتطرفة لحماس والليكود.
العدد 2547 - الأربعاء 26 أغسطس 2009م الموافق 05 رمضان 1430هـ