كلنا يعرف مؤدى هذا المصطلح «الدولة» لأول ما يقع نظره عليه أو يسمعه من قريب أو بعيد، وذلك للانسباق المرتكز في أذهاننا عن هذا المفهوم أو المصطلح، الذي يتبادر إلى فهمنا أنه: البلاد المتكونة من حاكم، ووزراء، ومؤسسات منتظمة، لا يؤثر في سيرها وأعمالها مرض الحاكم، أو أحد وزرائه، أو حتى موت واحد من هؤلاء.
وقد يكون أصل تسمية بلاد المؤسسات «بالدولة» لأجل أن المسئوليات فيها تتداول بين المسئولين، فإذا مرض رأس الدولة جعل مكانه نائبه، والوزير، جعل مكانه الوكيل، وهذا الأخير إن عرض له طارئ تولى المسئولية عنه من هو تحته في الرتبة، وهكذا دواليك، فلا تبقى المناصب المهمة شاغرة، وتعطل مصالح الناس، ويختل نظام الحكم، أو نظام الوزارة أو الدائرة الحكومية الفلانية.
فإذا حدث ذلك الاختلال كما ذكرت وتعطلت مصالح الناس لأي سبب من الأسباب فلا يصح حينئذ أن نسمي هذه البلاد «بالدولة» على نحو الحقيقة، بل هي دولة مجازا، وإلا فإن دول المؤسسات المنتظمة الحقيقية لا تتوقف فيها دورة العمل ولا تتعطل مصالح الناس، بل الوظائف هناك في تداول بين أهل الاختصاص، فما أن يحدث حادث لأي سبب كان إلا ويأخذ الآخرون المهمة ويواصلوا العمل، وتمشي الأمور على أحسن وجه.
فلا تصادف مثلا عند ذهابك إلى وزارة معينة كلمة «الموظف المسئول في إجازة وأنا لا أستطيع إنجاز معاملتك» أو «انتظر في الخارج، فالكمبيوتر اليوم معطل ولا أعرف ما أعمل لك من دونه» أو «تمهل في الخارج لأن الموظف سوف يتأخر عن الحضور ساعة أو ساعتين أو أربع...» لا يليق بدولة المؤسسات أن يحدث فيها هذا الاختلال الفظيع غير الحضاري وغير اللائق بدولة عريقة تمتد عشرات السنين.
والحل لذلك الخلل بسيط يتلخص فيما يأتي:
- انتباه رأس الدولة لموظفي بلاطه جيدا، واختيار الأكفأ فالأكفأ، من المستشارين، ومن الوزراء، وما يوازيهم في الرتبة، من دون دخول عنصر المنسوبية والمحسوبية وما أشبه ذلك.
- نفس الوزراء هؤلاء فعليهم أن يوظفوا أصحاب الخبرة والكفاءة والقدرة على العمل المؤسسي في وزاراتهم، ثم ملاحظة سير أعمالهم مع المواطنين والمراجعين، ووضع خطط ودراستها ثم النظر في أي منها هو الأنجع والأصلح للناس وهكذا.
- أن تفسح الدولة للصحافة الشريفة العفيفة النظيفة أن تراقب سير أعمال الوزارات والمؤسسات لملاحظة مدى كفاءتها وقدرتها لخدمة المواطنين وتسيير مصالحهم، ونقل الأخطاء والتقصيرات ليعرفها الرأي العام، أو حتى رأس الدولة، كي يعالج الخطأ ولا يتراكم خطأ على آخر حتى يصير هذا الخطأ كأنه قانون وزاري لا يلغى ولا يتبدل، هذا، وللكلام بقية.
حسن صالح الغسرة
العدد 2547 - الأربعاء 26 أغسطس 2009م الموافق 05 رمضان 1430هـ