أتصور أن الباحث الأميركي لم يستفد كثيرا من المحاولات التي سبقته في قراءة خطاب التجديد والوسطية الإسلامية، وخصوصا أستاذنا الراحل العظيم عبدالوهاب المسيري الذي كان أقرب لفهم منطق المدرسة الفكرية الإسلامية، في مقالته (معالم الخطاب الإسلامي الجديد) كتب المسيري عن الخطاب الإسلامي بطريقة أكثر وعيا بفكرة المدرسة التي لا تقوم على حصر عددي لأسماء، وإنما اكتشاف لقواسم فكرية ومنهجية مشتركة يمكن أن تمثلها شخصيات ومجموعات تزيد أو تقل... لكن لا تحصر بطريقة بيكر التي اتبعها في كتابه.
في مقالته القصيرة لكن بالغة الأهمية يميز المسيري بين خطابين إسلاميين بحسب الموقف من قضية الحداثة الغربية التي كان موقف الخطاب الإسلامي أكثر عمقا وتركيبية وفهما لطبيعة الحداثة الغربية، ويقترح المسيري مجموعة سمات للخطاب الإسلامي الجديد أهمها: رفض المركزية الغربية، الرؤية المتكاملة والانفتاح النقدي، يصدر عن رؤية معرفية شاملة، القدرة على الاستفادة من الحداثة الغربية، القدرة على إدراك أبعاد إنسانية جديدة، القدرة على اكتشاف الإمكانات الخلاقة للمنظومة الإسلامية، وأسلمة المعرفة الإنسانية، وتأسيس معجم حضاري متكامل ومستقل، والتمييز والفصل بين إنجازات الغرب وبين رؤيته القيمية، وإدراك المكون والبعد الحضاري للظواهر والأشياء المستحدثة، وتأسيس رؤية إسلامية مستقلة في التنمية، وطرح النسبية الإسلامية كبديل عن النسبية المطلقة في الغرب، والإيمان بالحركة والتدافع كأساس للحياة، وخطاب جذري توليدي استكشافي، وإدراك مشكلات ما بعد الحداثة، وتجاوز الإطلاقات المتناقضة والسماح بالفراغات والتعددية، والقدرة على الرؤية المتكاملة للشريعة وإنزالها على الواقع المعاصر، والقدرة على صوغ نموذج معرفي إسلامي والاحتكام إليه، والاهتمام بالأمة بديلا عن الدولة المركزية، ومحاولة تطوير رؤية إسلامية شاملة للفنون، وتجاوز المنظور الغربي في قراءة التاريخ.
وبعد أن حدد المسيري هذه السمات حاول أن يقدم نماذج لشخصيات تمثل هذا الخطاب، ولم يقتصر على جيل الأساتذة، وإنما ضم أسماء لشباب في عقدهم الرابع، كما لم يقتصر على مصر، وإنما شمل العالمين العربي والإسلامي، بل والمقيمين بالغرب.
لم يلتفت الباحث لهذه المقالة المهمة على رغم أنها صدرت قبل أن ينتهي من كتابه بنحو عامين (تقريبا العام 2001)، كما لم يتوقف عند المقالة الأخرى التي كتبها جمال الدين عطية تفاعلا مع مقالة المسيري، وهي لا تقل أهمية عنها، وقد وضع حركة التجديد الإسلامي الحديثة في مسارها التاريخي المتصل من الأفغاني ومحمد عبده حتى نهاية القرن العشرين، ومن شبه القارة الهندية وحتى الولايات المتحدة، وقدم فيها سردا لأهم الشخصيات والمؤسسات والأفكار التي انتظمت بحركة التجديد وسارت بها.
حين نشر بيكر أطروحته بالإنجليزية (2003) كان العالم كله قد دخل رغبا ورهبا في حرب ثقافية قادها بوش ضد الإسلام بعد تفجيرات سبتمبر/ ايلول2001 وما تلاها من غزو أفغانستان (2001) وغزو العراق (2003)، وهو ما لم يتمكن بيكر من الإحاطة به وبتفاعلات «الإسلاميون الجدد» معه، فجاءت معالجته ضعيفة ومرتبكة، أما حين ترجمت للعربية (نهاية 2008) فقد كانت مياه كثيرة جرت في الحالة الإسلامية في مصر غيرت الخريطة الإسلامية جذريا حتى كادت تتجاوز الفكرة، بحيث لم تعد لها نفس الأهمية كمفتاح لفهم الحالة الإسلامية في مصر كما كان من قبل.
لم تعد حال الاستقطاب الإسلامي العلماني كما كانت عليه قبل عقدين، ولم يعد الصراع على قضايا كلية وبطريقة الحرب الشاملة، بل صارت حول تفاصيل وقضايا جزئية كثيرا ما يعاد تشكيل معسكري المواجهة فيها، وكثيرا ما يلتقي الخصوم الأيديولوجيون تحت راية واحدة في معارك اليوم، كما نرى في قضايا الإصلاح السياسي والعلاقة بالخارج والحسبة والموقف من التوريث... وتبدو «كفاية» نموذجا معبرا على ما جرى؛ إذ يلتقي إسلاميون ويساريون وناصريون وقوميون وليبراليون على قضية واحدة.
وحدثت تغيرات جذرية في خريطة الحالة الإسلامية لم يعد معها «الإسلاميون الجدد» في صدارة المشهد كما كان الأمر، تعاظم صعود الحال السلفية التي نشأت بعيدا عن تأثير هؤلاء وربما بالضد منه، ملأ السلفيون المشهد الإسلامي، وصار له وسطية سلفية، وسلفيون جدد يقومون بالدور الذي كان يقوم به الإسلاميون الجدد (هذا ما يفعله سلمان بن فهد العودة وعائض القرني مثلا)، وحدثت ثورة اتصال وإعلام صنعت ظاهرة التدين الجديد، ونجوم الدعاة الجدد الذين على سطحيتهم وقلة بضاعتهم (هم في الحقيقة مقدمو برامج دينية ليس أكثر) ملأوا الساحة الإسلامية وشغلوا قلوب الجماهير التي لا يعرف معظمها هؤلاء الأعلام الكبار الذين كانوا يوما ما (جددا)!
كما ظهرت تحديات جديدة يبدو أن استجابة «الإسلاميون الجدد» لها لم تكن بنفس سابقتها، ولم يعد الإصلاح السياسي شأنا داخليا يدور بين سكان جدران الوطن الواحد وظهر سؤال الإصلاح من الداخل أم الخارج، وتغيرت قضية الإسلام الحضاري ورؤيته البسيطة لغير المسلمين في المجتمع المسلمين بعد صيحة أقباط المهجر وعولمة قضايا الأقليات الدينية.
أيضا لم يعد الغرب مكانا جغرافيا أو نموذجا حضاريا نواجهه، فقد حضر الغرب إلينا بنفسه (غزو أفغانستان والعراق...) بعد أن نجحت «القاعدة» في جره إلى ما أرادت، ولم يعد الحوار الديني مع الغرب (الحوار الإسلامي المسيحي) بشأن قضايا لاهوتية أو سياسية، بل تفجرت قضايا من نوع مختلف بعد محاولة التنميط والتوحيد القسري لنسق قيمي واحد لحرية التعبير والإبداع.
لقد كانت الأسئلة كبيرة ومتسارعة بأكبر من طاقة الحالة الإسلامية على الاستيعاب، ولم تكن استجابة الإسلاميين الجدد بما يملأ الفراغ، بل بدت أحيانا غير متوقعة أو متسقة مع المستقر والمنتظر منهم، بدا «الحكيم» البشري أكثر الناس تشددا في التعامل مع الملف القبطي الذي طالما رعى حماه بعدما رأى انتهاك فكرة الدولة والجماعة الوطنية نفسها في قضية وفاء قسطنطين، وأوقف «العوا» الحوار مع الفاتيكان وهو من وضعوا لبناته الأولى بعد أن فاض الكأس بخطأ لا يغتفر من رأس الفاتيكان، وصار «هويدي»في مربع أكثر خصوم النظام السياسي تشددا، أما «القرضاوي» زعيم مدرسة الوسطية والاعتدال فقد فتح الجرح الطائفي الذي لم يكن يحتمل عنده المزيد من السكوت بعد أن صارت تطارده أنباء التشيع الممنهج والممول.
كانت استجابة هذه المجموعة الفريدة ملتبسة مرة وصادمة مرة أخرى (مثل فتواهم الجماعية بجواز قتال المسلم الأميركي في جيش بلاده في أفغانستان)، وغيرت أحيانا من موقع المجموعة في مربع الوسطية بعد أن صارت الوسطية نفسها موضوع تنافس من مشروعات سياسية مختلفة صارت تزايد على هؤلاء الأعلام وترى فيهم خروجا عن الوسطية (أقله وفق المفهوم الأميركي عشية الحرب على الإرهاب).
لكن حدث أخيرا (بعد معركة القرضاوي مع المد الشيعي) أن التغيير نال حتى من فكرة أن «الإسلاميين الجدد» ما زالوا مجموعة واحدة تحمل مشروعا فكريا واحدا وتربطهم صلات شخصية وثيقة.
العدد 2548 - الخميس 27 أغسطس 2009م الموافق 06 رمضان 1430هـ