العدد 2548 - الخميس 27 أغسطس 2009م الموافق 06 رمضان 1430هـ

متى ينتقل الإخوان من الإصلاح الاجتماعي إلى السياسي؟ (3-3)

يصبح من الضروري توافر قاعدة شعبية مناسبة، تجعل أي تغيير في النظام السياسي، يحدث من خلال غالبية مجتمعية معتبرة، تتحول فيما بعد إلى غالبية سياسية قوية، وهو ما يحتاج إلى وعي عميق بالشعار الذي ترفعه الجماعة، وتؤيده كتلة كبيرة من المجتمع، فإذا كان شعار «الإسلام هو الحل» قد أسس لأرضية كبيرة داخل المجتمع، فالتعلق بالشعار وحده ليس كافيا، بل يحتاج لرؤية تحدد ملامح ما يعنيه تطبيق هذا الشعار، حتى لا يكون للناس توقعات مختلفة من شعار الجماعة أو توجها الإسلامي.

- عادة ما تحارَب جماعة الإخوان المسلمين، من خلال تخويف كل من يختلف مع فكرتها، وخصوصا غير المسلمين، أو الشرائح التي تميل للعلمانية كمنهج حياة، ومن المهم أن تكون الجماعة قادرة على تحديد الأسس التي تلتزم بها، وهي آليات العمل الديمقراطي والعدل والمساواة بين الناس، ونشر ذلك بين الناس، على رغم أنها ستجد من يحاول تشويه صورتها باستمرار، ولكن تلك المبادئ الحاكمة لعمل الجماعة يجب أن تكون واضحة لديها ولدى كوادرها ولدى المؤيدين لها، فعندما تتحرك نحو تغيير السلطة، يكون لديها صدقية كافية لتطمئن غير المسلمين، وغيرهم من شرائح الأقلية التي تتخوف من الجماعة ومشروعها، أي تتخوف أساسا من تطبيق الشريعة الإسلامية.

- من الضروري أن تكون الجماعة جاهزة للتكيف مع الأوضاع القانونية، عندما تستعاد الحرية، أو يُفتح باب لها، مهما كانت درجته.

نقصد من هذا أن تحدد جماعة الإخوان المسلمين الشكل الرسمي والقانوني لعملها، والذي سيكون غالبا من خلال جمعية أهلية وحزب سياسي، وتوضح الجماعة أنها تقبل تلك الصورة، وليس لديها مانع من التوافق معها، حتى تؤكد الجماعة قدرتها على الخروج من الوضع غير الرسمي الذي يضعها فيه النظام الحاكم في مصر، وتؤكد أنها لم تصبح أسيرة لهذا الوضع، أو لا تستطيع العمل إلا من خلاله.

هي إذن معادلة للحظة التغيير، تقوم أساسا على أن توفر قاعدة لمشروع الجماعة داخل المجتمع، مع تجهيز المجتمع والجماعة نفسها، حتى يحين الوقت المناسب إقليميا ودوليا.

وإذا كانت هذه اللحظة ليست غدا، فهي أيضا ليست بعد عقود، بل إن المسرح الإقليمي والدولي نفسه أصبح في حال معركة مفتوحة، وهي معركة حياة أو موت بالنسبة إلى كل القوى.

ونعني بهذا أن المنطقة تتعرض لعملية هيمنة كاملة من قبل القوة الأميركية والصهيونية وحلفائها في المنطقة، وإذا انتصرت هذه القوى وفرضت هيمنتها الكاملة، فإنها ستعرقل أي مشروع للنهضة إلى عقود طويلة.

بهذا المعنى نرى أن جماعة الإخوان المسلمين تواجه تحديا أساسيا في مسيرتها؛ لأن اللحظة المناسبة لتحولها إلى المرحلة السياسية بدأت تقترب، فقد أسست الجماعة لمرحلتها الاجتماعية بصورة جيدة، ولم يعد أي نظام قادر على هدم ما قامت به الجماعة اجتماعيا.

وبهذا أصبح من الضروري الانتقال إلى المرحلة السياسية لحماية الإنجاز الاجتماعي، والمهم من ذلك لتأسيس مرحلة النهضة، فعملية التغيير الشامل، أي النهضة، لا يمكن أن تتم من دون المرحلة السياسية؛ لأن النظم السياسية القائمة تعرقل أية محاولة للنهوض الحضاري.

ومعنى هذا أن تأخر الجماعة عن الانتقال من المرحلة الاجتماعية إلى المرحلة السياسية، يجعلها تبتعد عن هدف الإصلاح السياسي، وعن هدف تحقيق النهضة، وتكون بذلك قد اكتفت بهدف الإصلاح الاجتماعي.


بداية الدخول في السياسي

نخلص من هذا، إلى أن واقع جماعة الإخوان المسلمين يشير إلى أنها على أعتاب نهاية المرحلة الأولى الاجتماعية، وبداية المرحلة الثانية السياسية.

وبهذا المعيار يمكن تقييم مواقف الجماعة، فعندما نجد ميلا إلى تأجيل المرحلة السياسية إلى عقود، نعلم من هذا وجود اتجاه لحصر الجماعة في المرحلة الاجتماعية، أي عملية إصلاح الأمة وإعفائها عمليا من مسئولية المرحلة السياسية، أي تغيير النظم السياسية، ومرحلة النهضة التالية لذلك، وإذا وجدنا ميلا للتركيز على الإصلاح السياسي كهدف نهائي، فإن ذلك يعني أن الجماعة تعفي نفسها من هدف النهضة.

أما إذا كانت الجماعة تسير من مرحلة إلى أخرى، وتنتقل تدريجيا، من دون توقف أو قفز على المراحل، فهذا سيظهر في إعداد الجماعة للانتقال من المرحلة الاجتماعية إلى المرحلة السياسية، خلال سنوات ولا نقول عقود، وهذا يتطلب الكثير من المواقف والقرارات، التي تجعل الجماعة مؤهلة للانتقال التدريجي نحو مرحلة إصلاح النظام السياسي، وإعداد كوادر العمل السياسي وكوادر الدولة.

ومسألة الوقت في الواقع ليست أمرا سهلا، فيمكن القول إن موعد الانتقال من المرحلة الاجتماعية إلى المرحلة السياسية قد اقترب، ولكن يصعب تحديد اللحظة الزمنية بدقة؛ لأنها رهن للتغييرات الحادثة على الأرض، ولكن من جانب آخر، سنجد أن التنازع بين الرغبة في التعجيل والرغبة في التأجيل تمثل حال تظهر لدى الجماعة في الكثير من المواقف؛ لذا يصبح تحديد التوقيت الملائم، من أهم القرارات المؤثرة على الجماعة، فقد تتعجل الجماعة ما يفقدها وجودها وتنظيمها، وقد تتمهل لدرجة تفوت اللحظة المناسبة للتغيير، أو لدرجة تفرض ظهور كيان جديد غيرها ليقوم بعملية الإصلاح السياسي.

العدد 2548 - الخميس 27 أغسطس 2009م الموافق 06 رمضان 1430هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً