ونحن نحيي شهر رمضان المبارك نأمل أن يكون حال أمتنا الإسلامية أفضل من الأعوام السابقة في جوانبها العبادية والروحية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية والأسرية، وأن يوفقها الله جل وعلا في إيجاد العوامل التي تؤدي إلى التغيير والتطوير والنماء في مختلف الجوانب.
إن الدعاء والابتهال وحدهما لا يجلبان الرزق والتطور ما لم يصحبهما عمل جاد من مختلف الجهات المعنية، والمتقاعس وغير الجد في العمل يؤدي إلى وضع مأساوي في اتجاهات عدة.
ومن يعطي للآخرين انطباعا خاطئا عن حقيقية شهر رمضان المبارك كأنه يشن حربا باردة ضد الإسلام سواء ذلك عن قصد أو من دون قصد، فلو جعل العامل أو الموظف الشهر الكريم الشماعة التي يعلق عليها جميع سلبياته الوظيفية أو الأخلاقية وقصّر في أداء واجبه على أحسن وجه وفي الوقت المحدد بحجة أنه صائم سيكون ومن الأناس الذين يمنّون بكلامهم على الله سبحانه وتعالى، والعياذ بالله من صيامهم.
وهؤلاء يفهمون الصيام بأننا نمتنع عن الأكل والشرب ويجعلنا نعاني من الجوع والعطش من أذان الفجر إلى غروب الشمس، ولا يفهمون الصيام بمعناه الحقيقي الذي يؤدي إلى تهذيب النفس ورقيها في جوابها الدينية والأخلاقية والروحية والنفسية والمعنوية والاجتماعية والوظيفية والخيرية، وتزداد علاقته بالقرآن الكريم لأن الشهر الفضيل ربيع القرآن الذي جعله الله سبحانه وتعالى تتضاعف فيه الحسنات وتمحى السيئات، وجعل النوم فيه عبادة إذا كان النوم يبعدنا عن ارتكاب المعاصي، ولا يقصد من تلك العبارة أن نجعل شهر رمضان المبارك محطة للنوم والكسل، وإنما نجعله محطة للجد والعمل.
وسيرة النبي المصطفى (ص) وأهل بيته البررة عليهم السلام وأصحابه النجباء واضحة في هذا الشهر الكريم، فرسولنا الأكرم (ص) الذي جعله الله لنا الأسوة الحسنة التي من خلالها نصحح كل أعمالنا الدنيوية والدينية، كان يعتبر كل عمل يقوم به عبادة، فلهذا كان يجتهد أن يقدم أفضل الأعمال ليصل إلى أقصى ما يمكن من الدرجات الرفيعة، فكان يتعامل مع شهر رمضان المبارك بأسلوب يوحي إلى عظمته ومكانته عند الله جلّت عظمته، فلا يسمح لأحد من المسلمين أن يعطي صورا مغايرة عن الصور الواقعية لشهر رمضان المبارك.
فيه يتضاعف احترام النفوس البشرية وتقدر، وفيه جاهد (ص) في سبيل الله وأبلى بلاء حسنا، فلو حضر رسول الله (ص) إلى واقعنا ورأى كيف يتعامل البعض بسلبية مع هذا الشهر العظيم هل يا ترى سيكون سعيدا ومبتهجا بسلوكياتنا وأخلاقنا وأعمالنا غير السوية؟ بطبيعة الحال لو تنقل من مجلس قرآني إلى آخر سيكون فرحا بهذا السلوك الطيب، ولكن لو مرّ على أماكن اللهو واللعب من المؤكد لن يكون راضيا، ولو أطلع على برامج أكثر محطاتنا الفضائية لن يكون سعيدا، ولو سمع عن قتل المسلم لأخيه المسلم باسم الدفاع عن الإسلام سيغضب كثيرا ولن يكون راضيا عن تلك الأفعال المشينة.
أليس أولئك هم الذين سيتباهى بهم أمام بني البشر في يوم القيامة، سيتباهى بالذين يسعون في هذا الشهر الكريم التقرب إلى الله بأعمالهم الخيرة التي يحترم من خلالها الإنسان ويقدر، وهؤلاء يمثلون رقما كبيرا لا يمكننا تجاهله أو التغافل عنه، والمشتغلين في الصناديق الخيرية تكون الصورة واضحة وجلية، لأنهم يملكون الدلائل الدامغة التي تثبت وجود هذه الفئة الخيرة في مجتمعنا بأعداد كبيرة، وهؤلاء هم الذين يتباهى بهم ويقدروا خير تقدير، لأنهم يمثلون العلامة الناصعة لمجتمعنا.
هؤلاء الذين توجوا صيامهم بأعمال خيرية من حقنا أن نشيد بهم في كل المحافل الاجتماعية من دون حياء ولا خجل، هؤلاء الذين بأعمالهم الخيرية خففوا عن الفقراء قسوة الحياة وشدتها، لهم منا تحية وسلاما.
نسأل المولى جلت عظمته أن يمن على كل فرد يستقبل شهر رمضان المبارك كما يستقبله رسول الله (ص) وأهل بيته البررة وأصحابه النجباء بالرزق الوافر، والصحة الدائمة والعمر المديد وأن يحفظ أهاليهم من كل سوء، ونسأله أن يهدينا إلى سواء السبيل وأن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه... آمين رب العالمين.
سلمان سالم
العدد 2548 - الخميس 27 أغسطس 2009م الموافق 06 رمضان 1430هـ