«يعتبر الدواء مليئا بالتهكمات» وقد ظهر أخيرا مثال جلي لهذه المقولة، اذ نشرت المجلة الطبية البريطانية مقالا للصحافي الأميركي راي مويناهان يتهم فيه صناعة الدواء بخلق مرض جديد يدعى «الاختلال الوظيفي التناسلي الانثوي» ومن ثم يمكنها الربح من الدواء المستخدم في علاجه.
انه مقال رائع أورد أدلة قوية بحيث تداولته اجهزة الاعلام من تلفاز وراديو وكثير من الصحف من بينها صحيفة «الاندبندنت».
جوهر القضية ان شركات الدواء اختلقت خبرا كهذا عن حالة مرضية بواسطة رعاية مؤتمرات وبحوث، ما جعل كثير من الناس يعتقدون به، وكلما ازداد عدد الناس الذين يعتقدون بهذا النبأ، كبر حجم السوق المحتملة عندما ستطرح هذه الشركات بنفسها منتجات دوائية لعلاجه. بمعنى آخر ان هذا الدواء محفز ومدفوع بواسطة الاسواق أكثر مما تقتضيه مصلحة المرضى.
اذا كان هذا الامر حقيقة فإن أولئك الذين يتحكمون في المديرين التنفيذيين لشركات الدواء يجب ان يفركوا ايديهم بطرب ومرح. آلاف الكلمات والساعات من أوقات البث والاذاعة خصصت لهذا الموضوع في الايام الاخيرة الماضية. فالشكر هنا لجهود الصحافي مويناهان، الذي عرف ملايين البشر بمرض «غير موجود» للاختلال الوظيفي التناسلي الأنثوي.
اذا عما كانت الشائعة؟
كانت حجة مويناهان الأولى ان جميع الذين يديرون هذا الجدل ترعاهم شركات الدواء، وقال: سموني ما شئتم «كلبي... أي شاك في طبيعة الدوافع البشرية»، ولكني اعتقد ان غالبية المؤتمرات - وفي الواقع معظم البحوث - تم دعمها بواسطة شركات الدواء.
ربما لم يتصرفوا صحيحا - فقد ذهب كثير منهم الى حدود ما هو مقبول (وما وراء ذلك) وذلك للدفاع أو توسعة اسواقهم - ولكن الحقيقة انه من دون شركات دواء لها دوافع ربحية سيكون هناك قليل من الأدوية، ولن تستطيع شركات الدواء الحكومية ان تفعل شيئا. هناك اهداف دنيئة طبعا.
فالحاجة الى تحقيق ارباح تعني ان هناك انحيازا نحو ايجاد أدوية سرية التركيب للتعامل مع العلل المرضية لدى الدول المتقدمة - ما يسمى بالادوية المقوية أو المنعشة كالفياجرا - بدلا عن أدوية للامراض القاتلة في الدول الفقيرة.
ولكن بالتوازن اعتقد ان شركات الدواء تسببت في تحسن حياة كثير من الناس أكثر من ايذائهم.
وكانت الحجة الثانية للصحافي مويناهان هي ان الاختلال الوظيفي التناسلي الانثوي تم تعريفه لمصلحة وراحة مديري شركات الدواء بأنه فشل ميكانيكي متكافئ مع العجز الجنسي لدى الذكور بدلا عن الشكوى الجسدية العاطفية النفسية المعقدة التي تعلمها النساء.
وقد أشارت ورقة نشرت في مجلة الجمعية الطبية الأميركية في العام 1999 الى ان نسبة معتبرة تقدر بـ 43 في المئة من النساء فوق 18 عاما يعانين من اعراض هذا المرض. اذ ارتكزت هذه النتيجة على استبيان دراسة لنحو 1500 امرأة تم سؤالهن ان كن قد شهدن أية اعراض من الأعراض السبعة لأكثر من شهرين في العام الماضي - وتشمل الاعراض انعدام الرغبة أو القلق على الاداء أو صعوبات مع الاحتكاك.
وقد اشار محررو المجلة موجهين بالامل إلى ان ذلك ليس «تشخيصا تحليليا» وان النتيجة تخبرنا عن احاسيس جمة من عدم التكافؤ تحدثها ثقافتنا المرتكزة على الجنس أكثر من المرض.
ولكن الخبراء الذين التقاهم مويناهان من أجل دعم حجته يبدو انهم بعيدون في آرائهم، فقد احتج مدير معهد الكلى في جامعة انديانا، جون بانكروفت، بأن التركيز على علاج الادوية يعتبر خطأ بينما الاهتمام يجب ان يتركز على مظاهر أخرى من حياة المرأة. وقال استاذ الطب العقلي في جامعة نيويورك، ليونور تايفر، انه تم الترويج للوظيفة التناسلية بأنها العنصر الاساسي للجنس بينما تم تجاهل اي شيء آخر.
أليس الانتقاد نفسه يمكن ان يوجه إلى الأدوية في ارتفاع ضغط الدم، أو مرض القلب، أو مرض السكر، أو الحالات الكثيرة الاخرى المسببة جزئيا بواسطة ضغوط الحياة الحديثة؟
هناك الكثير مما يمكن فعله تجاه هذه الحالات بواسطة المرضى أنفسهم بتناول غذاء افضل والقيام بمزيد من الرياضة ولكن الذي يرفض توزيع جرعات الدواء يعتبر طبيبا عموميا مهملا.
بعض النساء المعلقات من بينهن دوروثي روي في «التايمز» وكريستينا اودون في «الاوبسيرفر»، تريان مؤامرة هنا من الرجال الذين يرغبون في زيادة رغبة زوجاتهم كما يحاولون منذ قرون مع مثيرات الشهوة الجنسية بدلا من الافصاح عن السبب الحقيقي لانعدام رغبتهم - بأنهم يحسون انهم غير محبوبين، وجهلاء وغير متعاونين، ولكن حالة مماثلة يمكن ايجادها لمؤامرة مختلفة تماما - الرفض للنساء بالفوائد نفسها التي تمنحها ادوية العجز الجنسي للرجال. الفياجرا غير الحياة الجنسية لملايين الرجال. يقول اختصاصيو البول والمجرى البولي ان هذه الأدوية تجعل المرضى سعداء في المراحل الأولية.
وأظهرت التجارب المبكرة للفياجرا فوائد مذهلة تقريبا بالنسبة الى النساء كالتي لدى الرجال، فاذا سألت أي متخصص يدير عيادة لسن اليأس سيخبرك عن الجموع الغفيرة من النساء اللائي اصبحن يائسات، يطلبن شيئا يضرم رغبتهن في الجنس.
طبعا الادوية لا تعوض الفشل في العلاقة المضطربة حتى في المستوى الجسدي الصرف، فإن الاختلال الوظيفي التناسلي ربما يكون اعتلالا أكثر تعقيدا من العجز الجنسي لدى الرجال.
ولكن لماذا لا تعطى النساء أية مساعدة علاجية متاحة؟
اذا كان الفياجرا مصرحا به للنساء فإنني اشك في ان يكون الطلب عليه ضخما، وسيكون من جانب النساء الراغبات في الجنس لأنفسهن بقدر ما لدى ازواجهن.
خدمة الاندبندنت - خاص بـ «الوسط
العدد 264 - الثلثاء 27 مايو 2003م الموافق 25 ربيع الاول 1424هـ