أعرب عالم الهندسة الوراثية المصري الكبير أحمد مستجير عن تخوفه من أن يتحول اكتشاف خريطة الجينات «الجينوم البشري» الذي اعلن أخيرا إلى «أداة جديدة من أدوات العنصرية الغربية ضد الشرق»، تستعيد مقولات تفوق الرجل الأبيض بمزاعم عملية مستحدثة من شأنها أن تمهد الطريق لإبادة أجناس إنسانية بدعوى أن تخلفها «حتمية وراثية»، لكن مستجير اعتبر الهندسة الوراثية في الوقت ذاته «أمل شعوب العالم الثالث في النهضة والتنمية وخصوصا في مجال الغذاء»، مشيرا الى أنه لا يوجد حتى الآن بحث علمي واحد يثبت أن النباتات المهندسة وراثيا تسبب السرطان.
وكان مستجير يتحدث قبل أيام في مركز رامتان الثقافي - متحف طه حسين - في ندوة حملت عنوان «هل التقدم العلمي يهدد الحضارة؟» عندما بدا شديد الحماس في دفاعه عن الهندسة الوراثية في اعتبارها الكشف العلمي الاوحد في القرن الفائت القادرة على تغيير وجه الحياة على الأرض، «فمن خلالها يستطيع الفلاح مضاعفة إنتاجه الزراعي عشرين مرة على الأقل من كل صنف، ومربي اللحوم الحمراء زيادة عدد الكيلوات فى الرأس الواحد ومضاعفة انتاج ماشيته من الالبان» ولفت الخبير المصري البارز الى أن طرق التنمية المعتادة «لم تعد تصلح للعالم الآن في ظل الانفجار السكاني وخصوصا في عالمنا الثالث والتقلص المضطرد في المساحة المنزرعة بسبب شح المياه المتوقع، وقال مستجير: «كان لابد من البحث عن حلول جديدة غير تقليدية الحوادث تلك النهضة التي نطارد سرابها منذ أكثر من نصف قرن».
واعتبر مستجير البلاد العربية جميعا «لا تملك رفاهية أن تقول لا للهندسة الوراثية، فلا يوجد حتى الآن بحث علمي واحد يؤكد مسئولية النباتات والثمار المهندسة وراثيا عن التسبب في الإصابة بالسرطان، وأقصى ما ثبت علميا هو تعرض بعض الأشخاص لنوع من الحساسية نتيجة تناول هذه الثمار، وهذا طبعا لا يجعلنا نضحي بمصالح الملايين من أجل احتمال تعرض العشرات لنوع من الحساسية». لكن مستجير أعرب عن تخوفه من أن يتم توظيف الهندسة الوراثية بشكل متدن وعار من أية قيمة أخلاقية من جانب كبريات الشركات الغريبة، مشيرا إلى حرص هذه الشركات على إبقاء الفلاحين في دول العالم الثالث في حال من الاحتياج الدائم إليها من خلال تصدير أنواع من البذور المعالجة وراثيا تتسم بقدراتها على الإنتاج لعام واحد، «ومن ثم لا يجد الفلاح مناصا من شراء هذه البذور مع كل موسم زراعي جديد»، وكشف مستجير النقاب عن كثير من الشركات الغربية التى تقوم بمعالجة جينات بعض البذور بحيث تقاوم المبيدات المعتادة، وحتى يجد المزراعون أنفسهم مضطرين إلى شراء أنواع جديدة من المبيدات لا تنتجها سوى هذه الشركات فقط، وقال العالم الكبير إن كل هذه الممارسات «لا تنفي حقيقة أن الهندسة الوراثية يجب التعامل معها في اعتبارها قضية «أمن قومي» مشيرا الى أن فوائدها لا تقتصر على مضاعفة الإنتاج الزراعي، بل أيضا تحسين خواص مقاومة الآفات والحشرات لدى النبات وهو ما حدث فعلا مع القطن والذرة إذ استطاع العلماء نقل جينات مقاومة للحشرات إلى هذين النباتين فكانت النتيجة مدهشة.
ووصف مستجير الاستنساخ بأنه إحدى القضايا التي يساء فهمها «إذ يدعي كثيرون أن البشر سيتوقفون عن الإنجاب بسبب بدء الكلام عن استنساخ البشر»، مؤكدا أن هذا «كلام فارغ» فقد أصبح أطفال الأنابيب شيئا معترفا به وعلى رغم الكلفة الاقتصادية لهذا المشروع، فإن جميع الأطفال في العالم الذين جاءوا عبر هذه الوسيلة لا يزيد عددهم عن 300 ألف، فما بالنا بالاستنساخ المعروف بكلفته الباهظة تماما والذي لم ينته الجدل عن مشروعيته أخلاقيا ودينيا.
وحذر مستجير من استخدامات سيئة وغير اخلاقية لخريطة الجينات «الجينوم البشري» التي انتهى إعدادها في الرابع عشر من أبريل/نيسان الماضي مشيرا إلى أن هذا الاكتشاف «قد يتحول إذا لم ينتبه العالم إلى غطاء علمي لتبرير العنصرية وإعادة تقسيم البشر إلى فئات متفوقة بطبيعتها «الجينية» وأخرى متخلفة نتيجة الاختلاف في الجينات»، وقال مستجير إنه يجب علينا ألا ننسى أن الولايات المتحدة الاميركية التي تسيطر حاليا على اكتشاف هذه الخريطة هي ذاتها التي ظهرت فيها دعاوى التطهير العرقي قبل النازية، عندما ساد الاعتقاد بأن البلازما الجرثومية للبيض تنحط بسبب الاختلاط مع السود، وبالتالي يجب «إخصاء» السود، بل ان القوانين التى تجيز ذلك ظهرت في 32 ولاية، لكن الدعوة إلى الإخصاء خفتت مع الإدانة العالمية لممارسات النازية، واكتفت العنصرية الأميركية بالدعوة إلى تولي السود الوظائف الدنيا والأعمال اليدوية في المجتمع مع حرمانهم من الدخول إلى الجامعات
العدد 264 - الثلثاء 27 مايو 2003م الموافق 25 ربيع الاول 1424هـ