العدد 2563 - الجمعة 11 سبتمبر 2009م الموافق 21 رمضان 1430هـ

لنجعل من مشرّف مثالا

طالب لاشاري - محلل سياسي مركزه إسلام آباد، والمقال يُنشر بالتعاون مع «كومن غراوند» 

11 سبتمبر 2009

أعلنت المحكمة العليا في باكستان في 31 يوليو/ تموز أن قرار الرئيس السابق الجنرال برويز مشرّف بفرض قانون الطوارئ في نوفمبر/ تشرين الثاني 2007 غير دستوري، وقامت الشرطة بإعداد تقرير ضده بتاريخ 10 أغسطس/ آب لقيامه بحجز قضاة المحكمة العليا بأسلوب غير قانوني في محاولة لمنعهم من اتخاذ القرار مسبقا. ويشكل هذا مفترق طرق مهمّا للديمقراطية في باكستان، حيث قامت السلطة القضائية بتعزيز سلطة الدستور واتخذت من خلال ذلك الخطوة الأولى نحو وقف أية تصرفات مستقبلية تتعدى على الدستور.

يتعرض مشرّف اليوم لمخاطر الاعتقال والمحاكمة بتهمة الخيانة بموجب المادة 6 من الدستور، التي تُجرّم أي عمل أو مؤامرة لتخريب الدستور باستخدام القوة أو إظهارها. وقد طلبت المحكمة العليا من البرلمان التصويت على ما إذا كان يجب محاكمة مشرّف، وصرح رئيس الوزراء يوسف رضا جيلاني مؤخرا أن الحكومة سوف تدعم المحكمة فقط إذا أصدرت الجمعية العمومية قرارا بالإجماع.

المخاطر كبيرة، فالمحاكمة المقترحة تنطوي على احتمالات خلق صدوع في حكومة الوحدة الباكستانية، الأمر الذي قد يضرّ بالعملية الديمقراطية في باكستان. في الوقت نفسه، فإن عدم محاكمة مشرّف تعني عدم إيجاد سابقة للطامحين المستقبليين في الحكم العسكري.

المعاني الضمنية المتعلقة بمحاكمة دكتاتور عسكري سابق كبيرة ومهمة، وخاصة إذا أخذنا بالاعتبار تاريخ باكستان من التأثير والحكم العسكري. وقد يعني ذلك أيضا محاكمة مسئولين استشارهم مشرّف قبل فرض قانون الطوارئ، بمن فيهم سياسيون وأعضاء ناشطون في الجهاز العسكري والخدمة المدنية.

وما يفاقم هذه المضاعفات حقيقة أن أحد أنصار مشرّف السابقين، وهي الحركة الوطنية المتحدة، حليفة كذلك في الحكومة المشكّلة حديثا، ولكنها تعارض محاكمة مشرّف.

يخلّف هذا الوضع توترا داخل تحالف الحكومة المكونة من حزب الشعب الباكستاني الحاكم والحركة الوطنية المتحدة وحزب عوامي الوطني اليساري وتجمع رجال الدين المسلمين والرابطة الباكستانية الإسلامية.

وتدّعي الرابطة الإسلامية الباكستانية التي يترأسها رئيس الوزراء السابق نواز شريف أن المحكمة ضرورية لإظهار أنه لا يوجد أحد فوق القانون أو الدستور.

كذلك يمكن فهم دفع الرابطة باتجاه إجراء المحاكمة إذا أخذنا بالاعتبار أن مشرّف قام بالانقلاب العسكري في العام 1999 أثناء توليها الحكم، ومن ثم قام بنفي رئيس الوزراء نواز شريف وقتها إلى المملكة العربية السعودية.

وحتى يتسنى منع المزيد من التوترات من الظهور، أعلن جيلاني مؤخرا أنه لا الحكومة ولا الجيش سوف يضع عوائق أمام محاكمة مشرّف. إلا أنه من خلال المطالبة بقرار بالإجماع في البرلمان، تبدو الحكومة أنها ترغب بتجنب أي احتكاك ناتج عن مباشرة المحكمة.

وإذا نجح البرلمان في إصدار القرار بمحاكمة مشرّف، وهو أمر يبدو بعيد الاحتمال إذا أخذنا بالاعتبار متطلب التصويت بالإجماع، فيجب أن يكون قرارا كهذا مبنيّا على المبادئ الواردة في ميثاق الديمقراطية، وهو اتفاقية بين حزب الشعب الباكستاني والرابطة الإسلامية الباكستانية.

يضع الميثاق الذي وقّعه نواز شريف والراحلة بيناظير بوتو في لندن في مايو/ أيار 2006 بوضوح بنود ميثاق شرف للسياسيين: «لن ننضم إلى نظام عسكري أو أية حكومة يرعاها الجيش. لن يسعى أي طرف للحصول على دعم الجيش للوصول إلى السلطة، أو لإفشال حكومة منتخبة ديمقراطيا». كذلك ينصّ الميثاق على إعادة سريان دستور العام 1973، الذي جرى إلغاؤه بعد انقلاب مشرّف، كما يجب إبطال مفعول التعديل الدستوري رقم 17.

وكان التعديل قد أضيف إلى الدستور في العام 2003 أثناء حكم مشرّف، وقد ضَمِن حكمه كرئيس لمدة خمس سنوات وأعطى الرئيس السلطة لحل الجمعية العموميّة. ويشكّل إلغاء هذا التعديل خطوة إضافية نحو تعزيز الديمقراطية البرلمانية في باكستان.

تكافح الديمقراطية في باكستان للبقاء في الوقت الذي يتزايد فيه التشدد المسلّح وبالنظر إلى تاريخ باكستان المليء بالدكتاتوريات. إلا أن هناك مؤشرات على أنها قد تبقى وتصمد: مجتمع مدني ممكَّن كما يظهر من إنجازات الإعلام الحر، وحركة المحامين وانتخابات حرّة ونزيهة وحكومة وحدة.

يمكن للدفع باتجاه محاكمة مشرّف في غياب إطار استراتيجي صحيح للديمقراطية، وتحريض الفصائل المختلفة في الحكومة ضد بعضها البعض أن يقلب الأوضاع الحساسة الضرورية لحكم القانون لأن يترسخ في باكستان. يمكن أن يكون التوجه المتعقّل الحكيم بدلا من ذلك أن تعمل المؤسسات الباكستانية ومختلف الهيئات الحكومية معا لتقوية الدستور وترسيخ إجراءات وقائية تمنع التدخل العسكري المستقبلي في سياسة الدولة.

العدد 2563 - الجمعة 11 سبتمبر 2009م الموافق 21 رمضان 1430هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً