بيَّن تقرير صدر حديثا، أن دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (مينا) تواجه صعوبة هائلة في كيفية تغذية النمو السريع للسكان، وفي الوقت نفسه الحفاظ على مستويات المعيشة، وأن المنطقة تواجه مخاطر طويلة الأجل بشأن الأمن الغذائي، معظمها بسبب شح في المياه والعوامل الديموغرافية.
وقال تقرير صدر عن ستاندرد تشارترد بنك: «الجواب حاليا يبدو واضحا تماما، استيراد المزيد من المواد الغذائية، والمملكة العربية السعودية أدركت الخلل وحاولت زراعة القمح محليا بدلا من الاستيراد، وأنها توشك على الانتهاء من استخدام المياه باهظة التكاليف في الزراعة.
وأضاف «المنطقة بأسرها تواجه مخاطر طويلة الأجل للأمن الغذائي؛ إذ إنها تعتمد على العائدات من مبيعات النفط والغاز لشراء المواد الغذائية».
وأوضح التقرير، أن التوقعات بالنسبة إلى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (مينا) «يهيمن عليها عاملان، هما المياه والعوامل الديموغرافية. منطقة «مينا» هي واحدة من أكثر دول العالم التي تعتمد على الاستيراد عندما يتعلق الأمر بالغذاء، وهذا يرجع إلى نقص في موارد المياه؛ ما يجعل من الصعب أن تنمو المحاصيل مثل الحبوب، فضلا عن ارتفاع الطلب من الشباب وتزايد عدد السكان».
وأعطى التقرير مثالا على النمو السريع للسكان في منطقة «مينا» بقوله، إنه في بلد مثل اليمن ارتفع عدد سكانها من نحو 4 ملايين في العام 1950 إلى نحو 24 مليون نسمة الآن، وتتوقع الأمم المتحدة أن يرتفع العدد ليصل إلى 60 مليونا في العام 2050. وفي الوقت نفسه، فإن مجموع الموارد المائية المتجددة في اليمن هي بالفعل أقل من 100 متر مكعب للشخص الواحد سنويا.
وتشير تقديرات وزارة الزراعة الأميركية أن منطقة «مينا» ستستورد 71 في المئة من الرز، و58 في المئة من الذرة، و39 في المئة من متطلبات استهلاك القمح خلال هذا الموسم، وأن النسبة العالية في اعتماد المنطقة على الاستيراد تجعلها عرضة لتقلبات الأسعار العالمية، وإلى إحداث تغييرات في السياسات التجارية في البلدان المصدرة لهذه المنتجات.
وأضاف التقرير «في الواقع، فإن نصيب الفرد في المنطقة هو الأكبر في العالم من الاستهلاك من القمح، ومعظمه يتم استيراده من الولايات المتحدة وأوروبا، أو منطقة البحر الأسود».
لكن التقرير أوضح، أن أرصدة القمح في هذا الموسم تبدو كافية في الشرق الأوسط؛ إذ يتوقع أن يرفع الإنتاج إلى نحو 36 مليون طن من 32 مليون طن في الموسم الماضي، معظمه ناتج عن زيادة الإنتاج في دول شمال إفريقيا، وعلى وجه الخصوص المغرب، على رغم حدوث انخفاض في إنتاج المملكة العربية السعودية ضمن برنامج مدته 30 عاما يهدف الى الاكتفاء الذاتي من القمح.
وأفاد التقرير «على المدى الطويل، فإن الاستهلاك في الشرق الأوسط ناتج بفعل النمو السكاني السريع وموارد المياه الشحيحة. توقعاتنا تشير إلى زيادة الاعتماد على الواردات لتلبية الاحتياجات الغذائية، وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة».
وقال التقرير: «من الممكن نظريا لمنطقة الشرق الأوسط أن تصبح مكتفية ذاتيا من القمح بحلول العام 2030، على افتراض أن متوسط استهلاك الفرد سيظل ثابتا وأن الإنتاج ينمو بمعدل 3 في المئة سنويا. ومع ذلك، فإن تحقيق هذا الهدف يتطلب أبطاء في نمو السكان، واستخدام المياه بكفاءة عالية، وارتفاع حصة المنطقة من موارد المياه الثمينة المخصصة لإنتاج الأغذية».
وأضاف «يتطلب تلبية احتياجات الزراعة والحفاظ على مستويات المعيشة والنمو الصناعي التزامات ضخمة لتحلية المياه لتوفير ما يكفي من المياه».
وإلى جانب ندرة المياه، فإن العقبة الرئيسية الأخرى التي تواجه زيادة الإمدادات الغذائية في منطقة الشرق الأوسط هي عدم توافر مساحات كافية من الأرض.
وذكر التقرير «هناك مسألة أخيرة؛ إذ تجدر الإشارة إلى أن النمو في نصيب الفرد من استهلاك زيت النخيل وفول الصويا في منطقة «مينا» يبلغ متوسطه أكثر من 10 في المئة سنويا منذ العام 2001. ولا تنتج دول الشرق الأوسط زيت النخيل، وبالتالي ستضطر إلى الاعتماد كليا على الاستيراد لتلبية الطلب المتزايد.
وكتب رئيس فريق كبار الاقتصاديين في البنك، جيرارد ليونز أليكس باريت، أن العالم يواجه تحديا متزايدا لرفع مستوى المعيشة لعدد متزايد من الناس، «وفي رأينا، أن هذا التحدي يتمثل في مسألة توفير كميات كافية من ثلاثة موارد ذات صلة وهي الماء والغذاء والطاقة. كما أن تغيير المناخ في وقت يحاول فيه حل هذه المسائل، يضيف تحديا آخر.
ولحل هذه المسائل، فإننا بحاجة إلى تحقيق التوازن بين المياه والغذاء وصلته بالطاقة. هذا الالتقاء بين المسائل التي اتضحت تماما مع الارتفاع السريع في أسعار المواد الغذائية العام الماضي؛ إذ ارتفع الطلب على الوقود الحيوي على خلفية ارتفاع أسعار النفط ، والتي بدورها حولت جزءا كبيرا من المياه المستخدمة في الإنتاج الزراعي في نهاية المطاف إلى توفير الطاقة بدلا من الغذاء، وأن تبادل حل هذه الموارد بطريقة فعالة سيكون أمرا حيويا لتسوية طويلة الأجل لقضايا الموارد.
الأثر السلبي لارتفاع الطلب، سواء من أجل الغذاء أو الموارد الأخرى، سيكون له عدد من الحلول. وهذه يمكن أن ينظر إليها من حيث الأسعار، التصدير، أو التكنولوجيا أو على الأرجح، جميعها. يمكننا أن نرى ارتفاع الأسعار وزيادة الإنتاج وقيام الدول بتخصيص الإنتاج للاستخدام المنزلي، وزيادة التركيز على حلول تكنولوجية جديدة.
في العام الماضي، عندما ارتفعت أسعار الغذاء والطاقة، تم تحديد عدد من القضايا ليس أقلها ضرورة ردع نشاط المضاربة الذي يدفع إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية الضرورية للحياة اليومية، وهذا لايزال بحاجة إلى معالجة، وأن جاذبية السلع كفئة استثمار أصبح معترفا بها على نطاق واسع.
وعلاوة على ذلك ، فإن سرعة زيادة الأسعار سلط الضوء على الحاجة إلى زيادة الاستثمار ليس فقط في مجال التكنولوجيا الجديدة، ولكن أيضا في البلدان الغنية بالموارد أو ذات إمكانات كبيرة لزيادة الإنتاج الغذائي. قد تكون الأزمة المالية أخرت مؤقتا التدفقات الاستثمارية، ولكن في السنوات المقبلة، فإن عددا من الدول في وضع جيد يؤهلها لجذب الاستثمارات الخارجية وزيادة قدرتها على الإنتاج الغذائي، سواء للاستهلاك المحلي أو التجارة الدولية.
العدد 2602 - الثلثاء 20 أكتوبر 2009م الموافق 02 ذي القعدة 1430هـ