قالت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، إن سياسة بلادها الجديدة تجاه السودان هي نتيجة مراجعة مكثفة قام بها العديد من المسئولين وتعكس جدية الحكومة، وإحساسها بالحاجة الملحة، والاتفاق الجماعي بشأن أفضل السبل لمواجهة التحديات المعقدة التي منعت حل الأزمة في دارفور والتطبيق الكامل لاتفاقية السلام الشامل في السودان.
وأوضحت الوزيرة، بحسب موقع «أميركا دوت غوف»، أن السودان هو أكبر دولة في إفريقيا، مزقتها انقسامات لا تُحصى، عقائدية وقبلية وعرقية وسياسية، خلال فترة نصف قرن بعد استقلاله. وخلال العقد الماضي قضت «الإبادة الجماعية» في دارفور والعنف المتواصل لمدة طويلة والنزاع بين الشمال والجنوب على أرواح أكثر من مليوني شخص، كما عرضت المدنيين لفظائع بشعة إلى درجة لا توصف، وأدت إلى معاناة إنسانية على نطاق واسع.
وعلى رغم أن اتفاقية السلام الشامل بين الشمال والجنوب في العام 2005 كانت خطوة تاريخية نحو الأمام، فإن السودان يقف اليوم عند مفترق طرق، إما أن يؤدي به إلى تحسن مطرد في حياة الشعب السوداني وإما أن يتردى إلى مزيد من النزاع والعنف.
ولا تؤدي زعزعة استقرار السودان إلى أن يعرض للخطر مستقبل الـ40 مليون شخص من مواطنيه هناك فحسب، وإنما يمكن أن يتحول إلى مفرخة للعنف وعدم الاستقرار في منطقة مضطربة أصلا، ويوفر ملاذا آمنا للإرهابيين الدوليين، ويثير كارثة إنسانية أخرى لا تستطيع أفريقيا - ولا العالم - تحملها.
وفي غالبية الأحيان، كانت تقوض الجهود الرامية لإحلال السلام والاستقرار بسبب الطائفية والحزبية، وانتهاكات اتفاقيات السلام ووقف إطلاق النار، وتدخل دول المنطقة التي تأثرت بالأزمة.
وترى الإدارة الأميركية أنه «لهذه الأسباب وغيرها، فإننا واقعيون بشأن عقبات التقدم. ولسنا واهمين بأن تحقيق السلام والاستقرار في السودان سيكون سهلا أو مضمونا. ولكننا لسنا واهمين كذلك بأن مشاكل السودان يمكن تجاهلها أو حلها بمجرد التمني. والوقوف موقف المتفرج ليس خيارا مطروحا. إنما الأمر يتوقف علينا وعلى شركائنا في المجتمع الدولي من أجل بذل جهد منسق ومستدام للمساهمة في إحلال السلام الدائم والاستقرار بالسودان وتجنب مزيد من النزاعات التي خلقت بحرا عميقا من البؤس الإنساني وبددت قدرات وإمكانات وأمن منطقة حيوية في العالم».
وقالت كلينتون: «إن آرائي بشأن (الإبادة الجماعية) في دارفور معروفة جيدا. فإنني أتحدث عن هذا الموضوع وأدافع عنه وأتخذ خطوات حياله منذ عدة أعوام. والرئيس باراك أوباما أيضا تحدث علنا عن الإبادة الجماعية الجارية في دارفور. ولكن عند هذه النقطة الراهنة، ينبغي أن يكون التركيز منصبا على كيفية التقدم نحو الأمام».
وأضافت أنه «على كيفية التوصل إلى حلول. فحتى مع انخفاض كثافة العنف منذ العام 2005 مازال أهل دارفور يعيشون في ظل أحوال لا يقبل بها الضمير وغير مقبولة. لذا فإن تركيزنا ينصب على وقف استمرار ما يجري، والتبعات الإنسانية الرهيبة للإبادة الجماعية بمواجهة المعاناة اليومية في معسكرات اللاجئين، وحماية المدنيين من العنف المستمر، ومساعدة النازحين على العودة إلى ديارهم، والتأكد من نزع أسلحة الجماعات المسلحة، وتحسين الأحوال على أرض الواقع حتى يتمكن أهل دارفور أخيرا من العيش في سلام وأمن».
وتابعت كلينتون موضحة أن الاستراتيجية الأميركية تجاه السودان لها ثلاثة أهداف رئيسية هي:
- وضع نهاية للنزاع، ولانتهاكات حقوق الإنسان الواسعة النطاق، وجرائم الحرب، والإبادة الجماعية في دارفور.
- تطبيق اتفاقية السلام الشامل التي تؤدي إما إلى سودان موحد ومسالم بعد العام 2011، أو إلى الاتجاه على طريق منظم نحو دولتين منفصلتين قابلتين للحياة تعيشان في سلام فيما بينهما.
- وجود سودان لا يوفر الملاذ الآمن للإرهابيين.
وقالت «في الماضي كان النهج الذي اتخذته الولايات المتحدة ينصب في الغالب بصورة ضيقة على ما يظهر من أزمات، لكن الحال لم يعد كذلك. إن جهودنا تضع سياسة شاملة للولايات المتحدة تجاه السودان:
أولا، إننا ننظر إلى الأزمة في السودان على مستويين: أن الوضع في دارفور مازال من دون حل على رغم مضي ستة أعوام وسيكون اتفاق السلام الشامل بين الشمال والجنوب النقطة التي يتجدد منها النزاع، ما لم يتم تطبيقه بالكامل عبر انتخابات وطنية حقيقية، واستفتاء على حق تقرير المصير للجنوب، وحل النزاعات على الحدود، ورغبة الأطراف المعنية في الوفاء بما اتفقت عليه. إذا، فإننا سننتهج تناول موضوعين رئيسيين - هما دارفور واتفاق السلام الشامل - في آن واحد وبشكل مترادف.
ثانيا، إننا نتطلع إلى تحقيق نتائج من خلال إشراك أطراف عديدة وإجراء حوار صادق. لكن الكلمات وحدها لن تكون كافية. فتقييم التقدم والقرارات المتعلقة بالحوافز والعقبات سترتكز على التغيرات التي يمكن إثباتها في الأحوال والظروف على أرض الواقع. وأي تراجع للخلف من جانب أي طرف سيُواجه بممارسة ضغوط موثوق بها على شكل وضع عراقيل أمامه من جانب حكومتنا أو شركائنا الدوليين.
ثالثا، إننا سنستخدم موقعنا القيادي في العالم من أجل إعادة تشكيل وتوسيع نطاق وتعزيز التحالف الدولي الذي ساعدنا على التوصل لتوقيع اتفاق السلام الشامل، وسنعمل بالقدر نفسه من الجهد من أجل ترجمة القلق الدولي بشأن دارفور إلى التزامات دولية حقيقية».
وأضافت «اسمحوا لي أن أكون واضحة: لقد فات أوان الكلام. والوعود الفارغة. أو التأخير بسبب سوء الفهم أو التصورات الخاطئة».
وتابعت كلينتون قائلة «إن هذه الأزمة تعتبر مسئولية وفرصة متاحة أمام المجتمع الدولي في آن واحد، من أجل المساعدة في توجيه السودان على طريق يمكن أن يؤدي إلى الاستقرار والأمن لشعب السودان، والمنطقة، والعالم. وهي أيضا مسئولية وفرصة للشعب السوداني وزعمائه لإظهار مدى التزامهم باتخاذ خطوات ثابتة نحو السلام الدائم. وأي شيء أقل من ذلك سيؤدي بمصير السودان إلى الفشل».
العدد 2602 - الثلثاء 20 أكتوبر 2009م الموافق 02 ذي القعدة 1430هـ