العدد 2603 - الأربعاء 21 أكتوبر 2009م الموافق 03 ذي القعدة 1430هـ

ديون الأسواق الناشئة المسعّرة بالدولار نجحت في اجتياز «الأزمة»

الوسط - المحرر الاقتصادي 

21 أكتوبر 2009

قال تقرير أعده مصرف «بيكتيه» السويسري الخاص، إن ديون الأسواق الناشئة المسعرة بالدولار الأميركي قد نجحت في اجتياز الامتحان الذي فرضته الأزمة المالية، ومن المتوقع أن تتقلص علاوات المخاطر المستقبلية مع تنامي ثقة المستثمرين.

وشكلت الأزمة المالية والاقتصادية العالمية التي عصفت بالعالم خلال العام 2008 -2009 اختبارا قاسيا للاقتصادات الناشئة وأسواقها المالية؛ إذ تأثرت أسواق الدين الناشئة سلبا بضائقة السيولة، حيث تضخمت الفروق بين سعري العرض والطلب في أسواق الخزينة الأميركية من أقل من 300 نقطة أساس في يونيو/ حزيران 2008 إلى 900 نقطة أساس بعد أربعة أشهر. وكان هذا المعدل قد انخفض إلى ما دون 400 نقطة أساس بفضل تحسن بيئة المخاطر العالمية. إن وضع الاستثمار في ديون الأسواق الناشئة المسعَّرة بالدولار الأميركي يبقى قويا، وإن هذه الفئة من الأصول لاتزال تنطوي على القيمة. يذكر أن الشيء الوحيد الذي شهد ارتفاعا خلال فترة هبوط الأسواق هو الارتباط بين فئات الأصول؛ الأمر الذي بدا واضحا خلال الاثني عشر شهرا الماضية. فقد تحملت أصول الأسواق الناشئة الوطأة الكاملة لانكماش السيولة الذي رافق الخطة العالمية للوصول إلى بر الأمان، والتي اقتضت انسحابا واسع النطاق من فئات الأصول كافة التي تنطوي على مستوى عال من المخاطرة. ويقدر مصرف «يو بي إس» السويسري أن رأس مال يصل إلى 500 مليار دولار قد غادر الأسواق الناشئة خلال الفترة الواقعة بين سبتمبر/ أيلول 2008 ومارس/ آذار 2009، وهو ما يعادل نصف صافي التدفقات النقدية للسنوات الخمس والنصف سنة الماضية.

ويبدو أن الوضع اليوم يشهد موجة مد جديدة مع تجدد شهية المستثمرين للإقدام على المخاطرة؛ الأمر الذي أدى إلى تركز التدفقات النقدية خلال النصف الأول من العام 2009 على صناديق الأسواق الناشئة المسعرة بالدولار. وتكشف الأرقام التي أصدرها مصرف «إتش إس بي سي» أن الأسبوع الأخير من شهر يوليو/ تموز لوحده قد شهد تدفق سيولة إجمالية بقيمة 462 مليون دولار إلى صناديق السندات في الأسواق الناشئة. ووفقا لمؤسسة «جي بيه مورغان» المالية، فإن الأسواق الناشئة لسندات الدين بالدولار قد سجلت ارتفاعا بنسبة 20 في المئة خلال الأشهر الستة الأولى من العام الجاري، مقارنة بعائد قيمته -4 في المئة لسندات الحكومة الأميركية.

وسلطت الأزمة المالية الأخيرة الضوء على الاعتماد المتبادل للدول المتطورة والنامية في اقتصاد عالمي واحد. وقد أبدى أعضاء اجتماع قمة العشرين، التي عقدت في شهر أبريل الماضي، دعما كبيرا للأسواق الناشئة عبر زيادة موارد صندوق النقد الدولي من 250 مليار دولار إلى ما يقارب تريليون دولار على هيئة صناديق جديدة، بالإضافة إلى استحداث حقوق السحب الخاصة. وقد ساهم إعلان هذه الصناديق، التي تعادل قيمتها أربعة أضعاف القيمة السوقية لمؤشر الدين بالدولار الأميركي للأسواق الناشئة، في إرسال إشارة واضحة إلى المستثمرين مفادها أن الدول المتطورة والمنظمات الدولية ترى في بلدان الأسواق الناشئة عاملا جوهريا لسلامة الاقتصاد العالمي.

ومنذ الانهيارات التي تعرضت لها العملة نتيجة التضخم في دول أميركا اللاتينية خلال الفترة 1980 - 1990، ولاحقا الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينيات، تبنت الدول الناشئة إلى حد كبير سياسة مالية ونقدية أكثر استدامة ساهمت في تحسين الموازين التجارية، وخفض مستويات الدين الشخصي والحكومي، والتشبث بسياسات اقتصادية أكثر تشددا أدت في نهاية المطاف إلى تعزيز الثقة بالإدارة المالية لهذه الاقتصادات. وبدورها، ساهمت هذه الأسس الاقتصادية الجديدة، إلى جانب الإصلاحات الهيكلية الأساسية، في تمكين الاقتصادات الناشئة من إظهار درجة من المرونة النسبية خلال الركود العالمي.

وبطبيعة الحال، لم تكن جميع الأسواق الناشئة تلتزم الحذر في هذا الشأن، فقد تحملت بعض بلدان أوروبا الشرقية تحديدا العديد من فوائض الاقتصادات المتطورة، ما تركها رهينة عجز هائل في الحساب الجاري إلى جانب مستويات مرتفعة من الدين الاستهلاكي. وقد أثبتت هذه البلدان أنها أكثر عرضة للانكماش الهائل في الطلب من جاراتها في أوروبا الغربية التي بقيت تقاوم تداعيات الركود. ومع ذلك، لم تصل تداعيات الأزمة في هذه البلدان الأوروبية الشرقية إلى حدود كارثية. ولايزال الدعم الواسع للبلدان المتقدمة والمساعدة الخاصة لصندوق النقد الدولي يسهم في طمأنة المستثمرين بأن الإعسار يبقى مجرد مخاطرة بعيدة الاحتمال. وتكشف بعض الأسواق الناشئة الأخرى في العالم عن بوادر تحسن ملحوظ، ارتفعت خلالها مستويات الطلب والتصدير المحلية على نحو مفاجئ في النصف الأول من العام الجاري، وبدت علامات التعافي التي لاحت مطلع العام 2009 مبشرة إلى حد ما. كما ساهم الانتعاش الأخير الذي شهده النشاط الاقتصادي للصين في تحقيق تحسن كبير في أسعار السلع، ما ساعد في تحسين موازين الحسابات الجارية لبعض الاقتصادات الناشئة المصدرة لسلع معينة، ولاسيما في منطقة أميركا اللاتينية.

وستواصل أسواق الدين الناشئة الاستفادة من آلية إيجابية للعرض والطلب من شأنها أن توفر الدعم لأسعار الأصول. وقد عززت صناديق التقاعد المحلية حضورها في أسواق الدين المسعرة بالعملة المحلية والدولار الأميركي، حيث تجاوز الطلب المتزايد عليها حتى الآن مستويات العرض الجديدة في الأسواق. وفاق حجم الاكتتاب على إصدار حديث في البرازيل عشرة أضعاف حجم المعروض، ولايزال الطلب قويا من قبل المستثمرين الباحثين عن عائدات أعلى في البيئة الحالية ذات العائدات المنخفضة.

إن أداء أسواق الدين الناشئة سيبقى مرتبطا ببيئة المخاطر العالمية، وبأن هذه الأسواق قد تشهد بعض التصحيح عندما تتضاءل قوة التعافي. كما أن الوفرة النسبية التي ترافقت مع معطيات اقتصادية أفضل على المدى القريب تجعلنا نلتزم الحذر؛ فقد شهدنا أداء قويا للعديد من فئات الأصول عالية المخاطر منذ مطلع شهر مارس، وثمة مؤشرات على أن هذا التحسن قد يقترب من نهايته. ومع ذلك، إذا ما استمرت البيئة العالمية للاقتصاد الكلي في أدائها المشجع، فإننا نتوقع لأسواق الدين الناشئة أن تحافظ على مسارها التصاعدي خلال الأزمة الأخيرة. وعلى رغم انكماشها الأخير، إلا أن تفوق ديون الأسواق الناشئة المسعرة بالدولار الأميركي على أسواق الخزينة الأميركية قد يعود إلى مستويات ما قبل الأزمة؛ ونعتقد أن بعض أسواق السندات الناشئة لاتزال توفر قيمة جيدة لمستثمريها في المدى المتوسط، فضلا عن مزايا التنويع المستمرة.

العدد 2603 - الأربعاء 21 أكتوبر 2009م الموافق 03 ذي القعدة 1430هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً