إلى متى ستبقى «الجهات الحاجبة» تلهو وتركن في بروج المراقبة؟ وهل يعني ذلك أنها تستطيع تحدي عالم بأكمله بدأ يكتسح عقول الأجنة في بطون أمهاتهم؟ وإلى متى ستبقى قوانين المطبوعات تمارس حصارها الذي يحول المغني إلى وترٍ خامسٍ في الكمان؟ ومتى ستظهر تواقيع كُتاب الشعارات على صفحات الجدران؟ هل ستظل اللعبة إلى الأبد؟ وهل سيبقى الإنسان حديثا لهزيمة الكلمة؟
إن حق الإنسان في ممارسته لحرية الرأي والتعبير من الحقوق الإنسانية المهمة والأساسية، إذ يلي حق الحياة، ويعد المدخل الطبيعي والمباشر لممارسته حقوقه الأخرى.
من لا يملك حق حرية الرأي والتعبير لا يملك أي حق آخر، وإذا كانت الدولة - أية دولة - ستعاقب مواطنيها على ممارسة حقوقهم في حرية الرأي والتعبير، فلا يمكن الحديث بحال من الأحوال عن حقوق هؤلاء المواطنين في ممارستة أية حريات أخرى.
كل المواثيق والعهود والاتفاقات الدولية نصت على احترام حق الإنسان في التعبير عن رأيه، إلا أن الدول قد اعتادت غض البصر عن فتنة الحرية وجمالها ومازالت تترفع عن التطبيق و التوقيع وتصر على عدم احترامها للقانون الدولي لحقوق الإنسان.فقد جاء في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادة 19) أن «لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة دون التقييد بالحدود الجغرافية».
والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية (الذي لم توقع عليه البحرين بعد) ينص على أن «لكل إنسان الحق في اعتناق الآراء دون مضايقة» و«لكل إنسان الحق في حرية التعبير، ويشمل هذا الحق حرية الإنسان في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار، ونقلها إلى الآخرين دون اعتبار للحدود سواء على شكل مكتوب أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها».
المادة (6) من الإعلان العالمي للمدافعين عن حقوق الإنسان (وهو اعلان جديد صدر بهدف حماية المدافعين عن حقوق الانسان والناشطين في المنظمات الحقوقية)، والمادة (10) من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، والمادة (13) من الاتفاقية الأميركية ... اضافة للاعلانات العربية والاسلامية والافريقية والاسيوية، كل تلك المواد أكدت حق الحرية في التعبير. ولم تظهر النقابات والاتحادات والجمعيات إلا للحفاظ على هذا الحق.
لن نستغرق في التنظير القانوني الدولي، ففي ميثاق العمل الديمقراطي ودستور البحرين ما يكفل حرية التعبير. ولكن ظهور قانون المطبوعات «قانون بمرسوم 47/2002» أثار الاستغراب والاستهجان وعبر عنه البعض على أنهُ امتداد للقوانين السابقة.
قانون المطبوعات الجديد
مراسل قناة المنار (سابقا) أحمد رضي، تعرض للكثير من الضغوط من قبل وزارة الإعلام وعمل مراسلا لقناة المنار لمدة سنتين من دون ترخيص وعانى من الرقابة المسبقة ويقول: «تجربتي المتواضعة في مجال الصحافة والإعلام علمتني الكثير من الدروس والتجارب الحية، ومن خلالها انفتحت عيني على حقائق كثيرة لمعاناة المواطن البحريني».
يضيف «بدأت تجربة الصحافة مع إحدى الصحف المحلية منذ ثلاث سنوات، وانتهت بإيقافي بأمر من وزير الإعلام الحالي دون إعطائي شهادة خبرة، وكانت لدي علاقات جيدة مع وسائل الإعلام والصحافة الخارجية ودفعتني التجارب للتعاون مع محطة المنار الفضائية، وهي محطة مهمة في حياتي ولن أنساها أبدا».
و ذكر أنه رفع خطابه إلى وزارة الإعلام في مرحلة ما بعد الميثاق لاعتماده مراسلا رسميا ولكن طلبه «قوبل بالتجاهل» ووصل الأمر إلى تهديده بالاعتقال.
ويواصل «وبالطبع لم أيأس بعد كل هذه التجارب فمازلت مؤمنا باستقلالية القلم وضرورة الإيمان بحق الإنسان أن يعيش بحرية وكرامة وعزة في وطنه».
ما نحتاجه بصدق هو إجراء تغيير حقيقي لوزارة الإعلام وإعادة رسم صورة جديدة للإعلام المحلي بما يتوافق مع حجم المتغيرات العالمية مع مراعاة عادات وتقاليد البلد وهويته الإسلامية.
ولم يكن الإنترنت بعيدا عن أطراف الأصابع التي تعمل على كبح الحريات وتمزيق آفاقها، فحتى هذا العالم عالم الأفكار والانفجار المعرفي لم يعرف نكهة الحرية من دون منغصات، ففي الفترة الأخيرة انتشرت ظاهرة المنتديات الإلكترونية والتي توالى إغلاقها موقعا تلو الآخر، بالإضافة إلى مواقع خاصة لرموز سياسية ومواقع أخرى من بينها أيضا صحيفة المنامة الإلكترونية، وهي أول صحيفة بحرينية إلكترونية.
«السلطة صاحبة القانون »
ويقول في ذلك مشرف الملتقى السياسي والإسلامي في «بحرين أون لاين» علي ربيع: «لا أجد مصطلحا أو كلمة تناسب وصف من يقوم بحجب المنتديات والمواقع الإلكترونية، الإنترنت عالم بذاته... عالم لا يخضع لقوانين، وصاحب الموقع هو صاحب القرار ويستطيع أن يفتحه بوصلة أخرى وبكل سهولة... إلا أن الجهات «الحاجبة» تحجب ما تحجب ارضاء لغرورها فقط، ولتشعر بنشوة السلطة... يبدو أنهم لا يعرفون أن كل ممنوع مرغوب، والإحصاءات تدل على أن أرقام الزوار بعد الحجب تزداد».
ومع أن حديثنا مع ربيع كان في فضاء الإنترنت إلا أنه أكد عدم إمكانية الاستغناء عن الصحف، فالصحافة سلطة رابعة وتبقى للصحيفة نكهة خاصة إذ إنهُ لا يفضل قراءة الصحف عبر الإنترنت.
وبينَّ ربيع أن النشر في المنتديات خالٍ من القيود والرقابة المسبقة، وذكر أن الإعلام المحلي «التلفزيون بالتحديد» يكون فيه الرأي الآخر مغيبا تماما، فقبل الانتخابات كان هناك رأي واحد وهو رأي المشاركين ولا يتحدثون عن الرأي الآخر المغيب.
أما الصحف فأخذت تنشر عن الفساد والبطالة وبدأت تذكر الأرقام والمسيرات. وتحدث عن الصحافة المستقلة، وقال إنها «في موقف محرج إذ إن الشارع متعطش ومحتاج لمن يعبر عنه بينما صرامة القوانين تُرضِخ الصحافة أحيانا؛ لذلك فهي محاصرة بين متطلبات الشارع والقوانين التي لا يمكن تجاوزها، فالسلطة هي صاحبة القانون والقانون رب العمل».
و يتابع «في الفترة التي كانت فيها أسهم الفرح مرتفعة في البحرين حدثت انتكاسة غير متوقعة» وأشار إلى أن «أكثر من 80 في المئة من رواد المنتديات انفعاليون ولا يقدرون المواقف وهذا واقع، وحُكم يطلقه من خلال تجربة، ومعظم الموجودين يشاركون من أجل المشاركة أو لإغراض أخرى».
الكتابة على الجدران
وعن اغلاق المواقع الالكترونية يقول احد الناشطين: «قيام السلطة بحجب المواقع أو توقيف الصحافيين والمراسلين وجرجرة رؤساء التحرير، وغيرها من الممارسات المخالفة لبنود القانون، دليل على غياب الرؤية الواضحة في معالجة قضايا حرية التعبير والنقد في نطاق القانون».
ويستطرد «من المعروف أن للصحافة البحرينية تاريخها العريق ومواقفها النضالية تجاه الكثير من القضايا المصيرية، وصحافتنا المحلية لم ترق حتى الآن إلى درجة تلامس عمق نبض الشارع العام بسبب القيود الأمنية والعقبات القانونية لذلك انتشرت الكتابة على الجدران وكل ذلك بسبب عدم تمتع المواطن بالحرية في التعبير عن رأيه من خلال القنوات الإعلامية».
وبدا متفائلا إذ عبر أن البحرين سوف تأخذ مكانتها الطبيعية بين الأمم والشعوب وصحافتنا المحلية بحاجة إلى تغيير حقيقي يضمن لها حريتها التي يصونها القانون. وان تحاسب الحكومة والمعارضة معا بكل صدق وان تطرح الملفات الساخنة بكل قوة وجرأة كقضايا التجنيس والتمييز الطائفي والتعذيب وكشف الفساد السياسي والانحراف الأخلاقي.
«مستقبل ضبابي »
أما ربيع فقد وصف مستقبل حرية التعبير بالضبابي... فالمتناقضات التي وصلت إلى حد التجاذبات ساهمت في زيادة ضبابية الواقع وصعوبة التقييم، وتمنى أن تزول العقليات الاستخبارية لتتنفس الحرية.
قانون مزعج
أما الصحافية مريم أحمد والتي تمت «جرجرتها» في المحكمة الجنائية تقول: «أرى أن الصحافة البحرينية استطاعت وعلى رغم المعوقات التي تواجهها أن تخرج من متاهة العزلة التي فرضها عليها قانون أمن الدولة، وأن أكثر شيء يمكن أن نفخر به في هذه المرحلة هو قدرة أقلامنا على تحدي الممنوعات دون أن نخشى في الحق لومة لائم».
وحديثها ذو شجون إذ تقول: «ما يحز في نفوسنا هو انه في عهد الحريات الذي تحقق بفضل مليكنا المفدى فإن الصحافة والصحافيين لا يزالون يقبعون تحت رحمة قانون مزعج يحمل الكثير من سيئات الزمن البائد ويعد نقطة سوداء في عهد نتوسم فيه الخير الكثير، ولا اعتقد انه يوجد اثنان يحملان الإخلاص في قلبيهما للوطن يختلفان على ضرورة أن يعدل هذا القانون بما يضمن كرامة وحرية الصحافي»
العدد 322 - الخميس 24 يوليو 2003م الموافق 25 جمادى الأولى 1424هـ