العدد 358 - الجمعة 29 أغسطس 2003م الموافق 02 رجب 1424هـ

الأطباء النازيون

كان الأطفال فخورين به، إذ يمنحهم الحلوى وحتى يحملهم إلى الأماكن التي يحبونها التي تتم إبادتهم فيها. إنه طبيب أوستشوتز - جوزيف منغيل - ملاك الموت الشاذ. كان رائدا في نظرية الطب الحيوي النازية، نجح في تجارب على حالات شذوذ جينية. وحتى برز وتفوق على هتلر في زمانه، جاء منغيل لتجسيد النموذج الأصلي للشيطان المطلق، ربما لأنه قد انتهك بشكل فظيع قسمه المهني بأن يقدس وينقذ حياة الإنسان.

قدم منغيل إلى أوستشوتز في 30 مايو/ أيار 1943. كان يبلغ من العمر 32 عاما، من أسرة كاثوليكية، وكان فترة طويلة مناصرا للنازية. في المدرسة، كان تخصصه علم الأجناس الفيزيائي، وعلم الجينات، وكان متعهدا بشدة على تسخير العلم في خدمة المشروع النازي. في الواقع، طلب منه خصيصا أن ينقل إلى أوستشوتز لأن هناك فرصا مثل المكان الذين يمكن أن يعد لبحوثه.

وكمسئول لعملية «الاختيارات»، ظهر بوضوح في مواصلات السجناء وهو يبدو أنيقا ليقرر في لمحة واحدة مصير كل إنسان. وإذا شرع أي سجين في احداث مشكلة بسبب فصله عن قريب له، فإن منغيل يقوم بضربه أو ركل الاثنين معا من دون النطق ببنت شفة. لقد ظهر عديم الضمير، ويرسل كل شخص من خلال عيب فيه (بما في ذلك الطول الناقص) إلى غرفة الغاز. ومع ذلك يحتفظ بالتوائم، مجموعات مضاعفة بقدر ما يستطيع، إذ ينهي مصيرهم إلى معامل بحوثه.

لقد تمتع منغيل بمنصب سلطته وكان يباشر مهماته تماما في المنزل، إذ ان دعم المُثُل النازية في التطهير العرقي هو دافعه المحفز. ولكن لا يستطيع أحد أن يعلم ما يمكن أن يؤول إليه قدره. فعندما يعزل أسرا ويقوم بقتلها بحرية، ربما يتقمص دور الطبيب المختص ويسمح لبعض الأشخاص بأن يعيشوا بطريقة غريبة الأطوار. وبالتالي فإن صلاحية وسلطة الحياة والموت كامنة بداخله.

ومن خلال رغبته في تحسين كفاءة المعسكر ليكون مكنة للقتل قام بتدريب أطباء آخرين على كيفية إعطاء جرعات من حامض الكربوليك إلى صف طويل من السجناء، لينهي حياتهم بسرعة. وقام بقتل بعض الأشخاص رميا بالرصاص، وتشير بعض التقارير إلى انه رمى أطفالا أحياء في المحرقة. ومن خلال كل هذا، احتفظ منغيل بسلوك الكفؤ، إذ يدعي بشدة أنه عالم.

كان ولع منغيل بالبحث في التوائم عظيما. إذ يتم وزنهم، قياسهم وتتم مقارنتهم في كل صغيرة وكبيرة. يجرى سحب للدم منهم بلا حدود ويتم استجوابهم عن تاريخ أسرهم. يقتل بعضهم في فحوص باثولوجية، يُشرَّح قليلا منهم بنفسه بينما يبقي مجموعات أخرى أحياء. وفي بعض الأحيان ربما يستخدم آخرين في تجاربه من دون تخدير، مستأصلا أطرافا أو أعضاء تناسلية. ويجري أحيانا حتى بعض عمليات التغيير الجنسي. فإذا مات أحد التوائم في هذه التجارب، فإن الآخر لم يعد صالحا للاستخدام، ولذلك يتم ببساطة تسميمه أو تسميمها بالغاز. وتحقن المواد في الأطفال الأحياء لمشاهدة كيف يتفاعلون معها، فأحيانا ينهارون أو يقتلون، إذ لا يهم ذلك كثيرا منغيل، إذ هناك الكثير منهم في الطريق للشيء نفسه. ولكن حتى عندما يستهدفهم من أجل التشويه أو الموت، فإنه أيضا يلعب معهم ويظهر لهم مودة عظيمة. بعدئذ، ربما يتجول حول رؤوسهم أو يدبس أعينهم إلى لوحة النشرات.

كما يقوم منغيل أيضا بدراسة الأقزام وأنواع خاصة من الأمراض المشوهة ولكن احدى التجارب الشاذة هي محاولته تغيير لون العين إلى اللون الأزرق. فقد قام بحقن عيون الأطفال بمادة كيماوية تسبب ألما مبرحا وحتى عمى ولكنها فشلت في احراز التأثير المطلوب. إذ اعتقد أولئك الذين يعملون معه بأنه غير مسئول أو ساذج علميا.

على العموم، كان منغيل مهووسا بفكرة الزراعة الجينية لجنس رفيع المستوى، بينما يشبع منصبه المحترم هناك في المعسكر الرغبة في أن يكون إلها.

لقد احتفظ بمذكرات عن جميع اجراءاته لكي ترسل إلى مشرفه، ولكن غالبيتها ضاعت أخيرا. إذ بعد الحرب هرب منغيل من محاكمات نيورمبيرج ولجأ إلى أميركا. توفي في العام 1979 وتم التعرف على رفاقه بواسطة فريق من علماء الانثربولوجيا العدليين. ومع ذلك، بقي شره في القصص والتخيلات كطبيب وحشي قتل من دون ضمير أو رأفة ومسئول عن ازهاق أرواح آلاف كثيرة من الناس الأبرياء.

وبينما بعض الأطباء يمارسون المهنة بالضبط للتسلط على الحياة والموت، فإن أي شخص في مهنة الشفاء يمكن أن يوقع بلا مبالاة أذى ودمارا على أولئك الذين تحت رعايته ويعتبر هذا أمرا مزعجا. ولسوء الطالع، فإن الأطباء الذين يؤذون يصعب كشفهم أو وقفهم. بعضهم حذرون، إذ يستطيعون الوصول إلى ضحاياهم ال د يرغب في الاستماع إلى أولئك الذين يشتكون.

كاتبة أميركية

العدد 358 - الجمعة 29 أغسطس 2003م الموافق 02 رجب 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً