لم يكن إلها ليشفي ظمأها من بعد تطاول القرون... هي المحاريب المستوحشة العطشى لأيام ابن أبي طالب... والتي مازال عبق المناجاة وألحان الزفرة والأنين ضوعا وصدى، وأريجا وشجى... تنبعث منها ترتيلة أبدية لم يكن سيف ابن ملجم ليغير من حتميتها شيئا...
أهل كان حتما أن يعود؟... وعاد الابن المغرب من منفاه معانقا محراب جده الذي كان على موعد مع شخص يشبه إلى حد بعيد ذلك الذي عرج منه في ليلة قدر...
وكأن عليا عاد من سجوده الأبدي... هو علي في كل شيء... في تحيته... في ابتسامته... في سجوده الطويل... في عروجه الأبدي...
أيها العائد من بعد طول الغربة... كل شيء يشتاق إليك... شوق الأم... شوق الحبيب... شوق الوطن... عيون الملايين التي خرجت... لتكتحل بنظرة من سنا طلعتك...
تراب النجف الذي طالما غرست أناملك الصغيرة بين ذراته عهدا... لينجبك للأمة وعدا... كل شيء كان يشتاق إليك...
قبة علي... ومحرابه اليتيم... فكنت ملبي المشتاقين... وكنت ملبيا عليا... ويا للعشاق حين يلبون... وحين يعبرون...
وكان لابد للنجف من عبور... ولابد لها من عروج... وأية ملكة هذه عندهم... ملكة العروج... أنى اشتد الحنين... عروج الزمان... عروج المكان... عروج الروح... عروج الأشلاء... عروج مزلزل مهيب... عروج من علي... إلى علي...
ويهتز وادي السلام... ليتساءل ساكنوه عن هذا القادم الكبير من ذلك العالم، ليفتحوا له صدر الوادي بجنب ذلك الأبدي الخالد... إنه قادم بكله إليه... لم يترك في ذلك العالم إلا كفا تشير من بعيد... مصافحة... مرشدة... مودعة... وبصمة حرية... وعروجا... على باب الجد الكبير...
اسحق مبارك
العدد 370 - الأربعاء 10 سبتمبر 2003م الموافق 14 رجب 1424هـ