فن التعامل مع الناس والأشياء هو ما يسميه الناس بالاتيكيت وهو فن كان تركيز الإسلام عليه واضحا منذ اللحظة الأولى لظهوره ذلك لأنه علامة على الإنسان ودلاله عليه إلا أن الإسلام حرص أن يكون الرقي السلوكي داخليا وخارجيا فلا يركز على ظاهر الإنسان فقط وإنما على ظاهره وباطنه في توازن واعتدال.
يقول أستاذ الشريعة بكلية الحقوق بجامعة الزقازيق عبد اللطيف محمد عامر إن الغرب يطلق على بعض أشكال التصرفات الاجتماعية باسم «الاتيكيت» ويعنون بذلك ضبط السلوك الاجتماعي مع أذواقهم ولكنهم إن فسروا هذا الاتيكيت بتصرفات سلوكية محدودة لا تعني إلا الأناقة المظهرية.
ولقد جاء الإسلام ليجعل ذلك ضمن منظومة شاملة تتعلق بالمفهوم الكامل لطبيعة الدين. هذه المنظومة الشاملة تقوم على أساس متين سماه الإسلام الأخلاق وبدأه بتكوين الرسول الذي يحمل رسالة الله للناس فقال له: «وانك لعلى خلق عظيم»...ويضيف من هناك حدد الرسول صلي الله عليه وسلم رسالته في كلمات من جوامع الكلم إذ قال: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق». وكان من ضبط الإسلام للسلوك الاجتماعي السليم أن بدأ القرآن الكريم بتوجيه الرسول إلى السلوك الواجب في دعوة الناس إذ قال «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن». وقال: «ولو كنت فظا غليط القلب لا نفضوا من حولك».
ومن هنا علم الرسول أصحابه أدب الدعوة الرشيدة في الإسلام فقال: «لا تحدثوا الناس بما لا يعرفون. أتريدون أن يكذب الله وحيث تبدأ الدعوة إلى الله لهذا السلوك الراقي فقد سلكه الرسول في كل حياته وعلمه أصحابه فصبغوا الحياة الإسلامية بما يسميه الدين «الأخلاق». وبما يسميه أهل الغرب «بالاتيكيت».
ويوضح أن كتب السيرة فاضت بالآداب السلوكية التي دعا إليها الرسول في ممارسة الحياة فجاء في آداب الطعام مثلا قوله: «إذا أكل أحدكم طعاما فليقل باسم الله فإن نسي في أوله فليقل بسم الله على أوله وآخره». وقوله: «لا يأكل أحدكم بشماله ولا يشرب بشماله وفي كيفية تناول الطعام فيقول: «البركة تنزل في وسط الطعام فكلوا من حافتيه ولا تأكلوا من وسطه. ويقول لأحد الغلمان يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك أي كل من أقرب طبق إليك حتى لا تسيء إلى ذلك الذي يأكل بجانبك...وفي آداب السلوك الاجتماعي يقول «تبسمك في وجه أخيك صدقة» وهذا مأخوذ من قوله تعالى: «فقولا له قولا لينا لعل يتذكر أو يخشي».
ويشير إلى آداب الاستئذان في دخول البيوت قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأذنوا وتسلموا علي أهلها».
ولأن كان ما يسمى بالاتيكيت في عالم الغرب مأخوذا من الأذواق الشخصية التي تتغير بتغير الظروف والأحوال فإن الآداب السلوكية الإسلامية ترجع إلى كتاب ثابت عن الله عز وجل ولا تتغير ولا تتبدل ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا.
ويضيف الأمين العام للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية وعضو مجمع البحوث محمد الشحات الجندي أن الإسلام أرسي أسسا وقواعد تعد من ركائز فن التعامل مع من نعرف ومن لا نعرف وبين المسلمين بعضهم البعض وفيما بين المسلم والآخر ومجمل هذه الآداب والأصول تشكل ثقافة احترام وقبول الآخر والتعاون معه في إطار ما يحقق السلام النفسي والاجتماعي على نحو يؤدي إلى إزالة التوترات ومنع الاحتقان والاختلاف في الرأي والرؤى على أساس أن الإسلام هو دين السلام جاء ليضع قواعد مثلى قابلة للتطبيق وتخاطب الوجدان والعقل وهي أفعل وسيلة لقبول الآخر والتلاقي معه لما فيه من تحقيق الخير والمصلحة المشتركة.
ويشير إلى أن أول هذه الركائز هي حسن معاملة الناس وآداب التعامل التي تشكل غاية أساسية ينبغي أن يحرص عليها المسلم عندما يتعامل مع بني وطنه ودينه ومع الآخرين كذلك.
قال الله تعالى: «وقولوا للناس حسني». فهذه الآية الكريمة تعد دستورا لفن التعامل وآداب التحاور مع الآخر وهو ما يعرف في العصر الحديث بالاتيكيت. وفي هذا الخصوص أيضا يدعو الإسلام إلى أن يكون المسلم مبشرا بقيم التسامح ومبتعدا عن التجهم والعبوس مع من يحب ومن لا يحب. وهو ما يشير إلى قول رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: «بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا». بل هو مجمل الرسالة الإسلامية التي جسدها قوله تعالى: «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين». وقول رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: «وخالق الناس بخلق حسن» وكل هذه براهين على أن المسلم ينبغي أن يكون على مثال هذه النماذج المضيئة للسلوك الإسلامي والتي كانت من معالم الحضارة الإسلامية وقت تسيدها وسموها علي بقية الحضارات. بل أن هذا الأدب الراقي في التعامل يبلغ مداه ليس في مجرد البشاشة والبشر والسرور الذي ينبغي أن يظهر على ملامح المسلم ويشكل سلوكه كله إلى حد أن يعتبر تخلق المسلم بهذه الأصول والآداب الإسلامية التي تقوم على الود مع الغير والتسامح واللين والقبول جزءا من العبادة للمسلم. إذ لا يكتمل إيمان المسلم إلا بالتخلق بهذه الآداب الرفيعة التي تشمل التعامل حتى في أمور المعايش والدنيا والدرهم.
ويشير أستاذ الفقه بجامعة الأزهر وعضو مجمع البحوث الإسلامية عبدالرحمن العدوي إلى أن الإسلام حمل المسلم كيفية التأدب في علاقته بربه وفي علاقته بأخيه. ووصل بالأخلاق إلى المثل الأعلى التي يجب أن يلتزم بها المسلم في علاقاته مع الناس.
فالمسلم وان كان مأمورا أن تكون معاملاته طيبة وكريمة فهو مأمور كذلك بأن يصل إلى أعلى المستويات بالتعامل مع غيره في الوقت الذي يجب عليه ألا يكذب وألا يغش وألا يكون فظا في كلامه وفي سلوكه مع الآخرين. وأن يكون أهلا للعفو والمسامحة والخلق الكريم فلا يجوز للمسلم أن يحقر غيره من الناس أو أن يسخر منهم لأي سبب من الأسباب قال الله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسي أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان». فالمسلم مأمور شرعا بحسن الخلق والعفو عند المقدرة وفوق ذلك بأن يدفع بالتي هي أحسن ويعفو عمن ظلمه ويحسن إلى من أساء إليه..ويضيف: أن الأخلاق تندرج على مستويات ثلاثة ليأخذ كل إنسان بما يقدر عليه وما يستطيع أن يكون أهلا له فالله تعالى لم يخلق الناس جميعا علي درجة واحدة في التعامل والخلق وأداء ما هو مدعو إليه من الناحية الإنسانية فبعض الناس يحب أن يأخذ حقه كاملا والبعض قد يتسامح في بعض هذا الحق حسب قدرته الأخلاقية.
أما المستوي الرفيع والمثل الكريم الذي يريده الإسلام فهو مقابلة السيئة بالحسنة.
ويوضح إذا كان الإنسان له دين عند غيره من الناس فأول درجات الإحسان أن يأخذ حقه بغير زيادة عليه وفي ذلك يقول الله تعالى: «فإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون». هذه أول درجات الإحسان.
وهناك وضع أفضل من ذلك ودرجة أعلى في حسن المعاملة قال تعالى: «وان كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة».
ثم يأتي المثل الأعلى في المعاملة في حسن الأداء والاقتضاء في قوله تعالى: «وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون»..فالإسلام يدعو إلى مكارم الأخلاق والوصول بالمسلم إلى أعلى الدرجات وهو أن يتصدق بحقه عند الآخرين إذا كانوا غير قادرين على الأداء. وبذلك نجد أن الأخلاق في الإسلام تصل بالمسلم إلى أرقى المستويات سواء كان في القضاء أو الاقتضاء أو المطالبة بما هو حق الإنسان فهو يدعو إلى التنازل عن الحق باعتباره صدقة يرجو ثوابها من الله تعالى عندما يكون من عليه الحق غير قادر على أدائه فلا يرهقه بالمطالبة والإلحاح عليه وكثرة متابعته فإن ذلك ليس من مكارم الأخلاق في المعاملات مع الناس.
العدد 2618 - الخميس 05 نوفمبر 2009م الموافق 18 ذي القعدة 1430هـ
الدين المعاملة
شكرا لكم على هذا الموضوع الذي تحتاجه مجتمعاتنا -أتابع آراء د/ عبد اللطيف عامر ، وأسجل احترامي وتقديري له ، بارك الله له في العلم والعمل ولكم جميعا